أكد تقرير صدر مؤخرا عن بوز ألن هاملتون أن البنية التحتية الحضرية العالمية تحتاج إلى عملية إعادة تأهيل بقيمة 40 تريليون دولار، وذلك لإعادة إحياء أنظمة الكهرباء والمياه والنقل من خلال إرساء التكامل بين التنظيم الإداري والتمويل والتقنية والتصميم. ولكل مدينة رئيسية في العالم قصتها ومشاكلها الخاصة مع أنظمة الكهرباء أو النقل أو المياه.
وعلى الرغم من أن الظروف تختلف من منطقة حضرية إلى أخرى، إلا أن ثمة قاسما مشتركا يجمع بين هذه المناطق: فالبنية التحتية الأساسية التي تعتبرها شعوبها وحكوماتها على السواء من البديهيات هي إما قديمة من الناحية التقنية أو غير ملائمة البتة أو متزايدة الهشاشة، أو أنها تجمع كل هذه السمات. بالإضافة إلى أن عدداً قليلاً من المدن يمتلك ما يكفي من هذه البنى التحتية لتلبية الاحتياجات المستقبلية.
في هذا السياق، اعتبر وليد فياض من بوز ألن هاملتون أن «منطقة الشرق الأوسط تواجه التحديات نفسها التي تواجهها أي منطقة أخرى في العالم في ما يتعلق بأنظمة الكهرباء والنقل والمياه. في هذا الإطار، يتعين على الدول هنا أن تتعاون مع القطاع الخاص لإنشاء وتشغيل بنية تحتية مستدامة يكون لها آثار إيجابية للسنوات المقبلة».
وتتطرق دراسة تقديرية أعدتها بوز ألن هاملتون إلى حجم هذه المشكلة، حيث تكشف أنه خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة، سيتطلب تحديث أنظمة المياه والكهرباء والنقل وتوسيعها في مدن العالم حوالي 40 تريليون دولار أميركي ـ وهو رقم يساوي تقريباً القيمة الرأسمالية لجميع الأسهم في جميع بورصات العالم لعام 2006.
غير أن التكلفة الناجمة عن عدم إمكانية مواجهة هذا التحدي قد تتجاوز ال40 تريليون دولار، حيث أن قدرة أية مدينة على مواجهة أزمات كالأوبئة أو الكوارث الطبيعية بشكل فعال على سبيل المثال، تعتمد أيضاً على بنية تحتية متينة، أي ليس على توفر المياه والكهرباء والمواصلات فحسب، وإنما أيضاً على القدرة والدعم الإضافيين اللازمين للعيش في ظل الضغوط القائمة.
باختصار، وعلى الرغم من أن المخاطر الناجمة عن تغير المناخ العالمي والاعتداءات الإرهابية قد استحوذت على جزء كبير من الاهتمام الجماعي للعالم الصناعي، إلا أن البنية التحتية الهشة وغير الملائمة من شأنها أن تلحق أذى أكبر بعدد أكبر من الناس. فعاجلاً أم آجلاً، سيصبح إنفاق الأموال الضرورية لتحديث البنية التحتية الحضرية العالمية وتوسيعها أمراً لا بد منه.
ويتزايد الطلب على البنية التحتية الأساسية بشكل صارخ، حيث أنه من المتوقع أن يزداد عدد سكان العالم بالثلث ليتجاوز الثماني مليارات نسمة بحلول سنة 2050، وسيعيش ـ للمرة الأولى في تاريخ البشرية ـ أكثر من 50% من سكان العالم في المناطق الحضرية. وسيرتفع الطلب على المياه والكهرباء والنقل على هذا الأساس، على الرغم من أن كثافة السكان ستزيد من صعوبة إنشاء البنية التحتية المتينة اللازمة لتلبية هذا الطلب وحمايتها.
وستعزز دورة الحياة النموذجية للتنمية الحضرية الطلب على البنية التحتية. فكلما ازداد عدد السكان المقيمين والعاملين في المناطق الحضرية، كلما احتاجوا إلى مزيد من المساكن بأسعار مقبولة. أما النتيجة الطبيعية لذلك في حال قلة الجهود لملاءمة أنظمة المرور الشاملة، فهي توسع المناطق الحضرية لتشمل أميالاً من الضواحي ـ ومدن الصفيح في البلدان الأقل نمواً ـ حيث تصبح الشوارع والطرق السريعة نمط النقل العملي الوحيد، ما يؤدي كما لاحظنا مراراً وتكراراً إلى زحمة سير خانقة.
ويتعين عندها أيضاً على شبكات المياه والكهرباء خدمة عدد أكبر من الأشخاص بتغطية مساحات أوسع من تلك التي كانت تغطيها في الماضي. في غضون ذلك، تزداد التهديدات المتربصة بجودة الإمدادات وكمياتها في ثلاثة مجالات رئيسية: الكهرباء والنقل والمياه. كما تعتبر الحاجة إلى منشآت وبنى تحتية أفضل لخدمة أعداد السكان المتزايدة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وستطرح المجالات الإشكالية الثلاثة هذه تحدياً مهماً إذا ما تجلت انعكاساتها بصورة منفصلة. غير أنها قد تؤدي إلى أزمة فعلية إذا ما ظهرت في آن واحد كما هو متوقع. في الواقع، تظهر دراسة أن دورات الترهل التي تصيب البنية التحتية في مناطق حضرية عدة أن توقيت الحاجة إلى إعادة تأهيل المرافق المختلفة يأتي متزامناً ـ حيث أن موطن ضعف في ميدان تقني واحد من شأنه أن يؤجج ترهلاً في ميادين أخرى.
ويبدو أن المواطنين غير مستعدين لتقديم العديد من التنازلات لتحسين جودة بنيتهم التحتية. فالحضريون يؤكدون دوماً أنهم يريدون العيش في مكان ينعمون فيه بنوعية حياة عالية، لكنهم يقفون في وجه أسهل الوسائل التي تسمح للحكومات بتحقيق ذلك: زيادة رسوم المرور على الطرق السريعة، ووقف الإعانات الحكومية للمياه ووقود التدفئة، وفرض ضرائب على الطاقة.
ولما كانت الإرادة السياسية الهادفة إلى توفير ما يتخطى إطار الخدمات الأساسية بأقل تكلفة ممكنة غائبة في أماكن عديدة، باتت مهمة تقديم خدمات خاصة بالبنية التحتية على قاعدة استرداد التكلفة بصورة مستدامة مسألة تتعدى القدرة المالية لمعظم السلطات الحضرية. وقد تعاملت حكومات عدة في إطار الضغوط هذه خلال العقود القليلة الماضية بشكل مجزأ عن طريق «إرضاء المواطنين وإكفائهم في آن»، ومنح المقيمين ما يكفي من التحسينات فلا يفورون غضباً أو يسيرون في الاتجاه المعاكس.
وتعمد بعض المحليات إلى إعادة تأهيل التقنيات البدائية سواء من دون الاستثمارات أو المدخرات المحتملة التي يمكن أن توفرها عملية إعادة تصميم كاملة. والحقيقة أن حلولاً تدريجية كهذه لا تخفق في تلبية احتياجات البنية التحتية فحسب، بل تفاقم المشاكل في الأمد الطويل من خلال استقطاب المزيد من السكان إلى المنطقة من دون تلبية احتياجاتهم وتطلعاتهم إلى خدمة أفضل.
التسعير الهامشي يوفر حافزاً لموردي الطاقة
يوفر التسعير الهامشي أيضاً حافزاً لموردي الطاقة ومقدمي خدمات النقل والمياه لتقديم قيمة إجمالية أعلى. ونلاحظ بشكل متزايد أن الرأي العام يتقبل ويدعم الأسعار المرتفعة مقابل جودة أفضل. ومن الأمثلة البارزة على ذلك نظام «تسعير المرور على الطرق السريعة» المعتمد في سنغافورة وهونغ كونغ. وقد اعتمدت لندن هذا النهج في عام 2002؛ ومنذ ذلك الحين يدفع السائقون الذين يأتون بسيارتهم إلى منطقة السير في وسط المدينة رسماً يومياً (كان في الأساس 5 جنيهات إسترلينية قبل أن يصبح لاحقاً 8 جنيهات).
ويعتبر هذا البرنامج ناجحاً في ضبط حركة السير. ففي الأشهر الستة الأولى من مرحلة التنفيذ، تقلص عدد المركبات التي دخلت المنطقة بستين ألفاً مقارنة مع العام المنصرم. وجاءت نسبة 60% من هذا الانخفاض نتيجة توجه المواطنين إلى النقل العام، فيما عادت نسبة تتراوح بين 20 و30% إلى تجنب السائقين دخول المنطقة برمتها. أما النسبة المتبقية فسببها «تشاطر» السيارات (التعبير البريطاني لاستقلال عدة أشخاص سيارة واحدة). كما انخفضت نسبة السفر من المنطقة وإليها ب15%.