قال خبراء أن عدد شركات أميركا اللاتينية التي تبوأت مكانة عالمية يبدو قليلة لأسباب عديدة وصفتها مجلة مكتري الفصلية ووضعت وصفة لهذه الشركات حتى تصل إلى المستوى العالمي الذي تصبو إليه. وتساءلت كتري لماذا لا تزال شركات أميركا اللاتينية تتخلف عن الشركات العالمية الكبرى.

وأجابت المجلة الفصلية عن هذا السؤال، بالقول بأن هذه الشركات كانت تعمل لسنوات طويلة في ظل بيئة حمائية في الأسواق المحلية وأن رؤساءها ليس لديهم الحافز للتوسع الخارجي وكذلك أسواق المال المتخلفة في المنطقة. لكن الانفتاح التدريجي لأسواق المنتجات وتحسن وتسهيل دخول رأس المال خلق فرصاً للتوسع العالمي.

ومحدودية الأسواق المحلية في أميركا اللاتينية تعني أن تهرع الشركات إلى بقية أجزاء العالم من أجل التوسع والنمو في الوقت الذي أدى عدم الاستقرار الاقتصادي إلى كبح الطلب الاستهلاكي والطلب على إنشاء المشاريع. غير أن قليلاً جداً من شركات أميركا اللاتينية تغلبت على هذه العقبات وأصبحت منافسة على الساحة العالمية مثل إجراير البرازيلية لإنتاج الطائرات وكومبكنيا فال دوريو دوس البرازيلية للمعادن ويتناريس الأرجنتينية لأنابيب الصلب.

وتثبت هذه الشركات أنها تستطيع أن تنافس عالمياً وبالتالي بقية شركات أميركا اللاتينية. وتقول إحدى المدارس الفكرية الاقتصادية أن الأسواق الصاعدة ـ مثل أميركا اللاتينية ـ يمكن أن توفر نقطة انطلاق ممتازة إلى الساحة العالمية. غير أن مدرسة أخرى تقول أن عوامل مثل المستهلك الحساس جداً لتقلبات الأسعار والبنية التحتية الضعيفة والأوضاع الاقتصادية والسياسية غير المستقرة تجبر الشركات على تطوير قدرات خاصة يمكن أن تخدمها جيدا في الخارج.

والتعامل مع هذه الظروف على أساس يومي يحسن من هذه القدرات. غير أن تلك الشركات ينبغي أيضا ان تكون قادرة على تحويل هذه المهارات للخارج ويتطلب ذلك مهارات تنظيمية عالية تتراوح بين موهبة العثور على قادة والاحتفاظ بهم.

ولا بد أن تتعلم هذه الشركات أيضا أن تنقل إلى أسواق أخرى أنظمة التشغيل التي ابتكروها بنجاح في الأسواق المحلية. وعدم القدرة على تطوير هذه المهارات بفاعلية في الخارج يمكن أن يفشل حتى أفضل الاستراتيجيات الخارجية سواء للنمو العضوي والاندماج أو الحيازة.

وتفقد شركات أميركا اللاتينية بمرور الوقت ترف الارتباط بالسوق المحلية ـ ولابد أن تتخذ كخطوة أولى تطوير رؤية استراتيجية للتوسع الخارجي وراء الحدود الوطنية مع تناغم الاستراتيجيات مع القدرات. ولابد أن تتحسن فرصة الشركات للنجاح في السوق العالمية إذا طورت فهماً أفضل لقدراتها الخاصة وكيف تصدر هذه القدرات.

الانطلاق للعالمية

إن خلق اقتصاد عالمي يستغرق فترة طويلة غالباً تصل إلى عقود. والشرط الأهم في ذلك هو تطوير موقف قوي بداية في السوق المحلية. فالشركة ذات الموقف الداخلي القوي تستطيع الحصول على النقد اللازم لتمويل النمو فضلاً عن استغلال بيئة جيدة لاستثمار القدرات الخاصة التي يمكن أن تطبق في الخارج فيما بعد.

وتحاول الحكومات في أميركا اللاتينية منذ سنوات دعم التصنيع بإغلاق الأسواق أمام المنافسين الأجانب وقصر ميزة الوصول إلى الأصول والامتيازات على الشركات المحلية التي تحصل أيضاً على حوافز ضريبية. وقد وفر إغلاق الأسواق أمام الأجانب للشركات المحلية الفرصة لعدم الاهتمام بالتوسع الخارجي، لكنه من جهة أخرى ساعدها على تطوير موقف داخلي قوي في السوق المحلية، وهو شرط الانطلاق للعالمية.

واستغلت بعض الشركات هذه المكانة الداخلية للانطلاق في نموها المستقبلي، مثل شركة بتروبراس البرازيلية للطاقة التي اشترت شركات إقليمية باستخدام الأرباح التي حققتها من حقول البترول والغاز المحلية وأصبحت الشركة رائدة في هذه الصناعة في أماكن أخرى في أميركا اللاتينية وفي إفريقيا..

وكذلك استثمرت شركة سيدركار التي بدأت بإنتاج أنابيب لسوق البترول والغاز الأرجنتيني في منتجات وخدمات متقدمة تمكن شركات البترول والغاز من استخراج البترول في ظل ظروف صعبة. وخلال 15 سنة أبرمت سيدركا بضع صفقات حيازة واندماج في أنحاء العالم ونتج من ذلك شركة تيناريس أكبر شركة في العالم لإنتاج أنابيب الصلب بدون لحام.

تطوير ونقل القدرات

اتخذت مجلة مكنزي شركة سامسونغ الكورية للالكترونيات كمثال على أنجح الشركات في الأسواق الصاعدة. وقالت إن الشركة طورت خبرات عميقة في تطوير المنتجات والعمليات. واستغلت الشركة قدرات التصنيع على نطاق واسع وخبرتها في الابتكار لدخول أسواق أوروبا وأميركا، ثم استثمرت الشركة بشكل كبير في البحث والتطوير وإنشاء علامة تجارية عالمية مما أتاح لها الفرصة لرفع نصيبها في السوق العالمية.

المدراء التنفيذيون يشكلون عقبة

يعتبر التنفيذيون في أميركا اللاتينية أحد العوامل المهمة مع تكبيل الشركات عن الوصول للساحة العالمية لأن هناك نقص في المديرين الذين يستطيعون العمل بفاعلية في الخارج، واعترفت الشركات الأميركية اللاتينية في دراسة سابقة بأن تطوير وتنمية القيادات من أهم المجالات التي تحتاج لدعم.

وقال رئيس تنفيذي إحدى الشركات إن المواهب هي أهم وأخطر قضية في شركتنا الآن. ومن تحديات العولمة تزايد الضغوط على الشركات متعددة الجنسيات لتصبح محلية. غير أن أميركا اللاتينية في السوق الدولية. ويمر المسؤولون الشباب بعملية طويلة من التطور الداخلي قبل أن يحتلوا أي مناصب مهمة أو عليا.

لكن مع تزايد دولية الشركات والحاجة إلى التنفيذيين بتغيير هذا النظام بفعل عدم اهتمام التنفيذيين في الشركات بالمناصب الخارجية. ويميل هؤلاء في دول مثل شيلي وإلى حد أقل في البرازيل إلى دفع الأقارب والأصدقاء إلى المناصب الخارجية، ولا مفر أمام الشركات ذات الطموحات الدولية من تولي الأمر بنفسها، ولابد أن تفتح ما يسمى «مصانع القيادات» حتى تحقق طموحاتها.

وقليل هي الشركات في أميركا اللاتينية التي تحذو حذو نظيرتها في أوروبا وأميركا، وتتبنى أفضل الممارسات التي تقوم بها الشركات العالمية القائمة. وبصفة عامة فإن العوامل التي تساعد شركات أميركا اللاتينية على النجاح في السوق المحلية ولا تنطبق على السوق العالمية، وبالتالي لا تبدو كثير من هذه الشركات للوهلة الأولى مستعدة لتبدأ جهود الانتشار العالمي.

غير أن الأسواق الصاعدة تربة خصبة للتدريب فقد اضطرت الشركات إلى تغيير أسلوبها بفعل بيئات التشغيل المختلفة وتغيير السياقات السياسية والاقتصادية السريع والأسواق المالية الضحلة. لكن التوسعات الخارجية مسألة حياة أو موت بالنسبة لهذه الشركات في ظل السوق العالمية اليوم وعدم استقرار اقتصاد أميركا اللاتينية.

ترجمة: أشرف رفيق