ما أكثر الأزمات والحروب التي مرت على الأمة العربية في تاريخها المعاصر، وما أقل الانتصارات التي عرفها العرب.. ومع تكاثر الحروب وتوالي نكسات الأمة، تحولت الأغنية الوطنية من حافز ومشجع ومستنهض للهمم إلى بكائيات ومراث للشهداء والضحايا، وتبدل الوطن الأكبر الذي تغنى به في نهاية الستينات محمد عبد الوهاب وعبدالحليم وشادية وصباح، إلى حلم عربي صعب التحقق لدى الأجيال المتلاحقة، جاء في التسعينات بأصوات أصالة وإيهاب توفيق وذكرى ومحمد الحلو ونور مهنا وغيرهم..
هكذا تبدلت الأغنية الوطنية العربية بين الأمس واليوم، وأصيبت بانتكاسة بمجملها كما أصيبت الأمة العربية بنكسة 1967 التي تمر ذكراها الأربعون في هذا اليوم. سؤال يطرحه كثيرون: لم استنكف عبد الرحمن الأبنودي صاحب (خلي السلاح صاحي) عن كتابة أغنيات حماسية مماثلة.. وما الذي منع فناني عصرنا الحالي من الإتيان بأغنيات تشبه زهرة المدائن لفيروز، ونشيد الجهاد لمحمد عبد الوهاب؟ الأبنودي ذكر في إحدى مقابلاته أن الوضع الآن تغير، ولم تعد تلك الأغنيات الحماسية تناسب هذه المرحلة، لكن يبدو أن المسألة تجاوزت صعوبات المرحلة والانتكاسات المتوالية، والتي أضيف إليها غزو العراق وحرب لبنان، ولم تنقض بعد السنوات العشر الأولى من الألفية الثالثة. جزء من النكسة التي أصابت الأغنية الوطنية العربية المعاصرة يتعلق بالمغنين أنفسهم، فمن يتجرأ اليوم على إصدار البوم كامل للأغنيات الوطنية، كما فعل عبدالحليم في (خلي السلاح صاحي) و(إحنا الشعب)، وكما فعل عبدالوهاب في نشيد الجهاد وتحية العلم، وكما فعلت فيروز في ألبوم القدس في البال للأخوين رحباني.
ويبدو أن الجمهور لم يعد يتقبل هذا النوع من الأغنيات، خاصة بعد أن تعود رؤية مشاهد الدماء من فلسطين إلى العراق، ولم تعد تستهويه إلا فنانات الإغراء من دانا إلى ماريا إلى أخريات يتكاثرن ويتزايدن بشكل يومي.
وإذا كانت مرحلة الستينات والسبعينات حافلة بالأحداث السياسية، الأمر الذي أنتج أغنيات وطنية مازالت عالقة في الأذهان إلى يومنا هذا، غير أن مرحلة الثمانينات بأحداثها اللبنانية والفلسطينية، جاءت بنمط آخر من الأغنيات، والتي يمكن أن نطلق عليها تسمية أغنيات سياسية، ولعل الفنان اللبناني مارسيل خليفة كان أبرز رواد تلك المرحلة، وغنى العديد من القصائد التي صاغها الشاعران محمود درويش وخليل حاوي ومن أشهرها قصيدة منتصب القامة أمشي لدرويش، وتزامناً مع تجربة مارسيل ظهر لبناني آخر هو أحمد قعبور، اشتهر أيضا بغناء القصائد الوطنية ومنها أناديكم للشاعر الفلسطيني توفيق زياد.
وما بين نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، بدأ يلمع نجم الفنانة ماجدة الرومي التي عرفت بخطها الملتزم في الغناء، واقترن اسمها بالعديد من الأغنيات الوطنية من بينها بيروت ست الدنيا، وسقط القناع... ومع تراجع الأصوات الرجالية في تبني خط الأغنية الوطنية في التسعينات، ظهرت على الساحة الفنية الملتزمة الفنانة اللبنانية جوليا بطرس، وتخصصت في قضايا الجنوب اللبناني، حيث تراوحت أغنياتها بين تمجيد الانتصار تارة ورثاء الشهداء وبث الحماسة في عروق الثوار تارة أخرى، ومن أشهر ما غنته جوليا غابت شمس الحق ونحن الثورة والغضب، ويا ثوار الأرض وما عم بفهم عربي وأخيرا قصيدة أحبائي للشاعر غسان مطر والتي تغنت خلالها بانتصار المقاومة اللبنانية على قوات الاحتلال الإسرائيلي في حرب يوليو الأخيرة.
حرب يوليو بحد ذاتها أعطت الأغنية الوطنية دفعة جديدة العام الماضي، فأدلى فنانون لبنانيون وعرب بدلوهم في هذه الأزمة، وتكاثرت الأغنيات.. وتعدت الثلاثين أغنية، وأصدرت شركة روتانا للإنتاج الفني ألبوما كاملا لأغنيات دينا حايك وباسكال مشعلاني وماجد المهندس وأصالة ورضا العبد الله وغيرهم، وحتى نانسي عجرم لم تدخر هذه المناسبة، وأصدرت أغنية بعنوان لبنان حبيب العمر لكنها لم تلق الرواج المعهود لأغنيات نانسي العاطفية.
ورغم اهتمام الفنانين العرب بالأزمات اللبنانية المتلاحقة غير أن هذا الاهتمام لم يقابله اهتمام مماثل بالقضية العراقية بعد دخولها عامها الرابع في أبريل الماضي، وتحول الهم العراقي إلى هم وطني بحت يعايشه الفنانون العراقيون فقط وأشهرهم ماجد المهندس ورضا العبد الله وكاظم الساهر والأخير قدم قصيدة من كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بعنوان (الرعاة والنار)، أما المهندس والعبدالله فلم تخل ألبوماتهما الأخيرة من أغنية وطنية واحدة على الأقل ومن أشهرها (تفرج يا عراق) للمهندس وعراق الكبرياء لرضا العبدالله.
وفي سوريا، بادر عدد من المغنين للعب دور في الأزمة السياسية مع لبنان والتي أفرزها اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، فتوالت الأغنيات التي تدافع عن عروبة هذا البلد ووقوفه في وجه الأعداء، واستعداده لمواجهة النوائب، ومن أبرز ما أنتجه السوريون أغنية (سوريا الله حاميها) من أداء الممثل رفيق سبيعي و(قلعة أمجاد العرب) أداء الثلاثي نور مهنا وأصالة وإلياس كرم.
وكما في سوريا فإن العديد من الفنانين تغزلوا بدولهم وتغنوا بعراقة أوطانهم ونذكر هنا العديد من الأغنيات الإماراتية التي مجدت الاتحاد وحكام الإمارات وحكمة الراحلين الشيخ زايد والشيخ راشد رحمهما الله، ولعل البعض يتذكر أول أغنية وطنية إماراتية غنتها عائشة المرطة عام 1975 وكانت بعنوان (عيدنا وشفنا الرايات).
دبي ـ نائل العالم

