مثلما تحرك الخيار الكهرو - نووي على أجندة الدول الخليجية بشكل متدرج ومتسلسل من مرحلة «التجاهل والاستبعاد» إلى إطلاق «الإشارات والإيماءات» ثم إلى مرحلة «الدراسة والفحص»، تحركت الحجج والأسانيد المؤيدة لمثل هذا الخيار من دائرة» الأمن والسياسة إلى دائرة «اقتصاديات الطاقة».

وصار تناول قضية الطاقة النووية غير محصور على سياق التوترات والصراعات السياسية التي تبلد أجواء المنطقة والتي تحفز بعض دول المنطقة على النظر بجدية إلى ضرورة امتلاك القدرة على الرد على أوجه المخاطر المرتبطة بالانتشار النووي في منطقة الشرق الأوسط، بل ذهبت التحليلات صوب وجهة أخرى بتناول الخيار الكهرو - نووي في سياق اقتصاديات الطاقة. وتنطلق النظرة إلى مثل هذا الخيار من منطلق الجدوى الاقتصادية، أي الاعتبارات المرتبطة بالتكلفة والمكاسب على الأجل الطويل، فضلا عن النظر إليه من منطلق أمن إمدادات الطاقة، أي تنويع مصادر الطاقة وعدم تركيز الاعتماد على النفط والغاز الطبيعي (الوقود الأحفوري) في تلبية الطلب المتصاعد على الطاقة الكهربائية المدفوع بالنمو الاقتصادي الضخم والتوسع السكاني بمعدلات كبيرة.

وعلى هذه الأرضية، بات ينظر إلى الخيار «الكهرو - نووي» بالنسبة للدول الخليجية على أنه أحد الحلول الممكنة لمواجهة التحديات المرتبطة بتصاعد الاستهلاك المحلي لمواردها من النفط والغاز، وما قد يرافق هذا الأمر من تأثيرات سلبية على حصة هذه الدول في أسواق النفط العالمية، وما قد يتبعه من تراجع في حصيلة العائدات البترولية التي تشكل المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة للدول الخليجية. وبالتالي، يعد هذا الخيار من وجهة نظر بعض المحللين أحد البدائل المتاحة لتحقيق التوازن بين تلبية الطلب المحلي المتصاعد على الطاقة الكهربائية والحفاظ على حصيلة العائدات البترولية، وذلك في إطار مراجعة هذه الدول لإستراتيجياتها في مجال تأمين وتنويع موارد الطاقة للتحوط ضد مخاطر زيادة الاعتماد على مورد للطاقة بشكل أكبر من مورد آخر.

الإشارات والإيماءات.... انطلقت الإشارات من أكثر من دولة خليجية لتؤشر على دخول منطقة الخليج مرحلة جديدة في الاهتمام بالطاقة النووية، بعدما كانت هذه القضية خارج الأجندة الخليجية، وتجسدت هذه الإشارات في البيان الختامي لدول مجلس التعاون انعقدت مؤخرا في الرياض ورد فيه أن القادة الخليجيين أصدروا توجيهاتهم بإعداد دراسة تغطي دول مجلس التعاون الخليجي تتعلق بصياغة برنامج مشترك في مجال استخدام التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، وذلك بما ينسجم مع اللوائح والمقاييس العالمية. كما جاء على لسان الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي التأكيد على أن المملكة العربية السعودية قد أعلنت نواياها صراحة بشأن السعي لامتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، وأن مثل هذا الأمر لا يشكل تهديدا لأحد، فهو أمر معلن، ويجب ألا يسيء أحد فهم ما نفعله، حيث إننا لا نفعل ذلك سرا، بل نقوم به علانية وعلى الملأ، وأكد وزير الخارجية السعودي في تصريح آخر له أن بلاده لا ترى ما يعوق التعاون مع روسيا في تطوير برنامج للطاقة النووية. ويجذب الخيار الكهرو ـ نووي دولا أخرى في الشرق الأوسط، فالرئيس المصري حسني مبارك أكد خلال الاجتماع السنوي للحزب الوطني الحاكم على أنه من المتعين أن تستفيد مصر من مصادر الطاقة المتجددة بما في ذلك الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وتعود خطط الحكومة المصرية لبناء مفاعلات نووية إلى عقدين مضيا، وفي هذا السياق، أكد الدكتور حسن يونس ـ وزير الكهرباء المصري في ردِّه على النائب صبري خلف الله أن البرنامجَ النووي المصري في الأغراض السلمية وإنشاء محطات نووية ما زالا تحت الدراسة التي تخضع للعديد من الدراسات المبدئية والمعقدة.

وأشار الوزير أمام اجتماع لجنة الصناعة والطاقة بمجلس الشعب في اجتماعها بتاريخ 8/1/2006م إلى أنه لم يشر إلى البرنامج النووي المصري في بيانه الذي استعرض فيه برنامج الوزارة؛ لأن ما يُستعرَض يخص برنامج وزارة الكهرباء عن عام 2007م فقط، وقال الوزير هذا العام لا توجد أي مؤشراتٍ لتنفيذ البرنامج النووي المصري ولن يتم إنشاء أية محطات نووية هذا العام أيضًا، وقال ما زلنا ندرس وهناك جزء من الدراسة تمَّ عرضه على المجلس الأعلى للطاقة.

وأشار الوزير إلى أنه سيتم اختيار استشاري لمراجعة هذه الدراسة، وأنَّ أمامنا فترة زمنية تتراوح ما بين 8 إلى 10 سنوات لإقامة محطة نووية على أرض مصر، ونفى صدور أي قرارٍ جمهوري خلال هذه الفترة يتضمن إلغاء إنشاء المحطة النووية في الضبعة وإقامتها بالقاهرة الجديدة، مؤكدًا أنَّ الذي صدر وما زال قائمًا هو القرار الجمهوري بإنشاء المحطة بالضبعة، وكان النائب صبري خلف الله قد وجَّه سؤالاً إلى وزير الكهرباء حول عدم الإشارة من قريبٍ أو بعيدٍ في برنامجه التنفيذي عن البرنامج النووي المصري رغم الاختصاص الأصيل في تنفيذ هذا المشروع لوزارة الكهرباء.

وفي أكتوبر 2006، عقد رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة لجمهورية مصر العربية سلسلة من المباحثات في العاصمة الروسية تناولت آفاق التعاون بين البلدين في مجالات الطاقة والعلاقات التجارية الاقتصادية والصناعية. وقد تضمنت لقاءات الوزير رشيد مباحثاته مع فيكتور خريستينكو وزير الصناعة والطاقة وبوريس اليوشين رئيس الوكالة الفيدرالية للصناعة إلى جانب لقائه مع رئيس الحكومة الروسية ميخائيل فرادكوف ومن المقرر ان يلتقي اليوم مع يفجيني بريماكوف رئيس الحكومة الروسية الأسبق ورئيس اتحاد الغرف التجارية وجيرمان جريف وزير التنمية الاقتصادية.

وكان الوزير المصري قد وصل إلى موسكو على رأس وفد كبير يضم عددا من كبار رجال الأعمال في مختلف المجالات الذين التقوا بنظرائهم في الساحة الروسية بمقر اتحاد الغرف التجارية لبحث جوانب التعاون والاستثمارات المشتركة في البلدين. وقال الوزير رشيد انه ناقش في موسكو آفاق التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية وهو ما يجري لأول مرة بعد إعلان مصر استئناف برنامجها النووي السلمي الذي سبق وأوقفته في ثمانينات القرن الماضي.

وعلى نفس المنوال، أعلنت تركيا اهتمامها بتنويع مصادر الطاقة من خلال طرق أبواب الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وقال حلمي كولر وزير الطاقة التركي ان صعود أسعار النفط والحاجة لتنويع مصادر الطاقة متنوعة قد أملتا وضع الطاقة النووية في صدارة الأولويات، لافتا إلى أنه من المحتمل تطوير محطة طاقة نووية في سينوب على البحر الأسود بحيث تدخل الإنتاج عام 2012.

وفي شهر ديسمبر الماضي، حضر مسؤولو المياه والطاقة الكهربائية في سبع دول شرق أوسطية ورشة عمال عقدت في فيينا لمدة ثلاثة أيام في مقر المنظمة الدولية للطاقة الذرية حول تطوير الطاقة النووية، ولفت مراقبون إلى الاهتمام المفاجئ وغير المسبوق بالطاقة النووية كبديل عن الغاز في توليد الكهرباء وتحلية المياه، وتناولت ورشة قضايا كيفية الحصول على الطاقة النووية، وقد تم تنظيم ورشة العمل بهدف تبادل الآراء ووجهات النظر بين الدول الراغبة في تطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

وشارك في ورشة العمل مسؤولون من مصر وإيران والأردن وسوريا واليمن والإمارات المتحدة، وذلك من بين 27 دولة مشاركة في هذا التجمع، وعلق محللون على هذا الحضور القوي من قبل بلدان الشرق الأوسط بالإشارة إلى أن الطاقة النووية أصبحت تكتسب قدرا عاليا من المصداقية، وذلك بحكم صعود الطلب العلمي والزيادات المستمرة والمتلاحقة في أسعار الوقود الأحفوري، ولفتوا إلى أنه إذا ما تضاعفت أسعار الغاز، فإن أسعار الكهرباء سترتفع بنسبة 80%. ولكن إذا ما ارتفعت أسعار اليورانيوم، فإن أسعار الكهرباء ستزيد بما يتراوح بين 5 و10%.

طرق تكنولوجيات الطاقة النووية

وقد عزفت الدول الخليجية ـ من وجهة نظر البعض ـ عن طرق أبواب تكنولوجيات الطاقة النووية، نتيجة امتلاكها ثروة نفطية ومخزونا كبيرا جعلاها تنأى عن التفتيش عن مصادر بديلة للنفط، ورغم أن بعضها أظهر تشجيعا على استخدام طاقات متجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلا أنها لم تخصص إمكانيات استثمارية مجزية في هذه الميادين، وبالتالي، شكل وجود الثروة النفطية عاملا أساسيا في عدم النظر في المستقبل لاستخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء.

وطرأت على هذه الصورة الكثير من المستجدات التي جعلت الدول الخليجية تنظر بجدية إلى خيار الطاقة «الكهرو ـ نووية»، بل وتخضع مثل هذه الخيار للدراسة والفحص ضمن خيارات التعامل مع تحديات أمن إمدادات الطاقة على الأجل الطويل.

ويبرز في صدارة هذه المستجدات، حرص الدول الخليجية على المحافظة على احتياطاتها الهيدروكربونية من النضوب والتراجع، في ظل واقع مفاده أن النفط مازال يشكل شريان حياة لاقتصاديات هذه الدول، فعلى الرغم من قطع هذه الدول شوطا كبيرا على طريق تنويع هيكلها الاقتصادي، إلا أن قطاع الطاقة الهيدروكربونية مازال يمثل القطاع الاقتصادي الأكثر أهمية.

حيث ساهم بما يزيد على 50% من النتاج المحلي الإجمالي لكل من قطر والكويت ويسهم بحوالي 42% من الناتج المحلي الإجمالي السعودي، ويسهم أيضاً بنسبة 37% من الناتج المحلي الإجمالي البحريني، ويحقق هذا القطاع عوائد تشكل 79% من العائدات الحكومية في المملكة السعودية و87% من العائدات الحكومية في الإمارات.

وتشير التوقعات إلى أن قطاع النفط والغاز سيسهم خلال السنوات الخمس المقبلة في تحقيق مستويات فوائض غير مسبوقة بالنسبة للاقتصاديات الخليجية، وبحسب تقديرات بنك سويس كريديه السويسري، صعد الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بالأسعار الاسمية بنسبة 45% ليصل إلى 602 مليارات دولار في 2005 مقابل 415 مليار دولار في 2002، وورد في تقرير بنك سويس كريديه الإشارة إلى أنه من المتوقع أن تجني الدول الخليجية المزيد من المكاسب ليصل الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي 700 مليار دولار.

وقدر التقرير الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2002 - 2007 بحوالي 285 مليار دولار أي ما يعادل الحجم الإجمالي لاقتصاد إندونيسيا الذي يبلغ 273 مليار دولار أو حجم اقتصاد جنوب إفريقيا الذي يبلغ 244 مليار دولار.

وما يعد بمثابة أخبار سارة بالنسبة للدول المنتجة للنفط في منطقة الخليج أن أسواق العالم مازالت أبعد ما تكون عن إرواء عطشها على موارد الطاقة الهيدروكربونية، وتفيد التقديرات أن هذه الأسواق ستظل معتمدة في الأجل الطويل على إمدادات الشرق الأوسط، حيث تختزن المنطقة حوالي 60% من احتياطيات النفط المؤكدة و40% من احتياطيات الغاز، أكثر من ذلك، من المتوقع أن تستحوذ منطقة الشرق الأوسط على أغلبية الطاقة الإنتاجية الإضافية التي ستطرح في الأسواق العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة.

وذلك مع تبني دول المنطقة خططا تستهدف رفع الطاقة الإنتاجية بمقدار 7 .4 ملايين برميل في اليوم خلال الفترة الممتدة حتى عام 2011، ومن المتوقع خلال الفترة المذكورة أن يصل حجم الزيادة المتوقعة في الطاقة الإنتاجية للدول غير الأعضاء في أوبك إلى أقل من 5 .1 مليون برميل.

وفي هذا السياق، تتوقع وكالة الطاقة الدولية ومقرها باريس أن يصعد الطلب العالمي على النفط بنسبة 50% من مستواه الراهن البالغ 82 مليون برميل يوميا ليصل إلى 121 مليون برميل يوميا بحلول عام 2030، وهو ما يتطلب ضخ استثمارات ضخمة من الدول الخليجية التي تشهد مستويات سيولة عالية خاصة في المملكة السعودية والإمارات وقطر، وبحسب تقرير وكالة الطاقة الدولية، يمتلك العالم موارد كافية لتلبية الطلب المتصاعد على النفط والغاز، ولكن هناك حاجة لإنفاق 17 تريليون دولار لجلب هذه الموارد للمستهلكين.

وتضمن التقرير السنوي الصادر عن وكالة الطاقة الدولية الإشارة إلى التصاعد المتوقع في صادرات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من النفط والغاز، وهو ما يؤدي إلى زيادة اعتماد الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية على موارد الطاقة الواردة من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبروز دول مستوردة ضخمة كالهند والصين، ولكن المملكة السعودية توخت الحذر بشأن هذه التوقعات مشيرة إلى أن توقعات وكالة الطاقة الدولية تنطوي على تفاؤل مفرط، وأنه ربما تكون الدول الخليجية غير قادرة على زيادة الطاقة الإنتاجية إلى المستوى الذي يجعلها قادرة على تغطية العجز المتوقع في الإمدادات.

وعلى أية حال، تعمل الدول الخليجية جميعا على توسيع طاقتها الإنتاجية، وتتبنى في هذا المجال مبادرات جديدة لزيادة طاقتها الإنتاجية، حيث تسعى الإمارات المتحدة لزيادة طاقتها الإنتاجية إلى 4 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2010. كما تخطط المملكة السعودية أكبر دولة مالكة لاحتياطيات نفطية مؤكدة على مستوى العالم لزيادة طاقتها الإنتاجية من 4 .10 ملايين برميل يوميا إلى 9 .11 مليون برميل يوميا في 2010، ثم إلى ما يزيد على 18 مليون برميل يوميا في 2030، كما تقود المملكة السعودية وقطر الاندفاع الخليجي نحو زيادة إنتاج الغاز الطبيعي.

تحديات تلبية الطلب المتصاعد

وتخيم على هذه الصورة الوردية الكثير من الظلال القاتمة التي تعبر عن مواجهة قطاع الطاقة الخليجي جملة من التحديات التي سيكون من المتعين على الدول الخليجية العمل على مواجهتها.

يتمثل التحدي الأول في صعود الطلب المحلي الخليجي على موارد الطاقة نتيجة لتسجيل الدول الخليجية معدلات نمو قياسية، وتفيد بعض التقديرات أن الدول الخليجية تستهلك محليا حوالي 17% من إجمالي إنتاجها النفطي، وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن أغلب دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ستستمر في الاعتماد بشكل مطلق على النفط والغاز الطبيعي، وسيتفوق الغاز على النفط بحلول عام 2020 بوصفه المصدر الرئيسي للطاقة للاستخدام المحلي، بالنظر إلى قيام الدول الخليجية بتخصيص كميات أكبر من النفط للصادرات.

وتوقعت وكالة الطاقة الدولية أن يصل متوسط استهلاك الفرد من موارد الطاقة في منطقة الخليج بحلول عام 2030 إلى حوالي نصف المستوي الحالي لاستهلاك الفرد في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ورصدت الوكالة أن قطاعات الطاقة الكهربائية والمياه ستتزايد على نحو مطرد حصتها من الاستهلاك الإجمالي لدول المنطقة من موارد الطاقة الرئيسية، وذلك مع التوسع السريع في الطلب على الطاقة الكهربائية وتحلية المياه.

ويتعلق التحدي الثاني بالحفاظ على التوازن بين تلبية الطلب المحلي على موارد الطاقة واستمرار تحقيق عائدات مرتفعة من جراء تصدير النفط والغاز، وقد أملى مثل هذا الوضع على الدول الخليجية إعادة التفكير بشأن استراتيجية الطاقة التي تنتهجها، بهدف البحث عن الطرق الكفيلة بالحفاظ على مستويات صادرات عالية، وموازنة هذا المطلب، مع تنامي الاستهلاك المحلي.

وفي هذا السياق، تتنبأ وكالة الطاقة الدولية بشكل عام، أن إنتاج دول منطقة الشرق الأوسط من الغاز الطبيعي سينمو خلال الفترة المذكورة بوتيرة أسرع من النفط، خلال الفترة المذكورة ليصل إلى 210 .1 تريليون متر مكعب بحلول عام 2030، وانه سيجري تصدير القسم الغالب من الزيادة المتوقعة في إنتاج دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من الغاز الطبيعي، وذلك في صورة غاز طبيعي مسال، وأن الطلب على الغاز الطبيعي في المنطقة سيقود الطلب العالمي المدفوع بتراجع إنتاجية الكثير من المناطق الأخرى المنتجة للغاز الطبيعي في العالم.

وتشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى أنه من المتوقع أن يضاعف أربع مرات صادرات دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من الغاز الطبيعي لتصل إلى 440 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، مع تحول واضح في المبيعات نحو أوروبا والولايات المتحدة، كما ستصعد عائدات المنطقة من احتياطيات الغاز الطبيعي والنفط من 310 مليارات دولار في 2004 إلى 320 مليار دولار بحلول 2010، ثم إلى 635 مليار دولار بحلول عام 2030، وسيسهم الغاز الطبيعي بمساهمة متنامية خاصة إذا ما جرى ضخ استثمارات إلى القطاع.

وقدرت وكالة الطاقة الدولية انه من المتوقع أن يصل إجمالي الاستثمارات في قطاع الغاز والنفط إلى حوالي تريليون دولار حتى 2030 وذلك بحسب أسعار الدولار في عام 2004، أو 39 بليون دولار سنويا، كما ستستمر دول الشرق الأوسط في جني عائدات ضخمة من تصدير النفط والغاز خلال السنوات القليلة المقبلة، وذلك على الرغم من حدوث تراجع طفيف في أسعار النفط العالمية، وأشار التقرير إلى أن عائدات صادرات منطقة الشرق الأوسط من النفط والغاز حتى 2030 سترتفع إلى ما يزيد على تريليون دولار، بحسب أسعار 2004.

ويرتبط التحدي الثالث بتصاعد الطلب المحلي على الطاقة الكهربائية الناجم عن النمو السكاني والاقتصادي السريع، ويعتقد بعض المحللين أن مرحلة التغيير قد اقتربت كثيرا، وأنه من المحتمل أن تسفر عن صورة مختلفة تماما خلال العقدين المقبلين وفي ما يتعلق باتجاهات الطلب والعرض على الطاقة الكهربائية، حيث قدر مجلس الطاقة العالمي ومقره لندن أن دول مجلس التعاون الخليجي تحتاج لاستثمار ما قيمته 8 مليارات دولار سنويا للإيفاء بالطلب المتزايد على استهلاك الكهرباء.

وأظهرت الإحصاءات المستقبلية حاجة دول مجلس التعاون الخليجي لاستثمار ما مجموعه 150 مليار دولار لإضافة 100 جيجاواط من الطاقة الكهربائية قبل عام 2020، وأنه من المتوقع أن تسهم دول مجلس التعاون الخليجي بحوالي نصف إجمالي إنفاق منطقة الشرق الأوسط على إقامة محطات جديدة لتوليد الطاقة الكهربائية، ويقود هذا النمو الضخم طفرة المشروعات العقارية والصناعية، علاوة على النمو السكاني.

ويقدر الخبراء أن طاقة الإمارات على توفير الكهرباء بحاجة لأن تتزايد بنسبة 60% لتصل إلى 26 ألف ميجاوات، وأنه من المتوقع أن يرتفع الطلب على الطاقة الكهربائية في إمارة أبو ظبي بمفردها بنسبة 75% بحلول عام 2015، وهذا يعني أن هيئة كهرباء ومياه أبوظبي بحاجة إلى توفير طاقة كهربائية إضافية تتراوح سعتها بين 1500 و2000 ميجاوات سنويا خلال المستقبل المنظور لتلبية صعود متطلبات الاستهلاك.

وينطوي اتخاذ قرار بهذا الشأن على تعقيدات وصعوبات بالغة نظراً لتداخل عوامل عديدة فيه تتراوح ما بين ما هو متاح من مصادر الطاقة وتضارب مصالح وسياسات الدول والشركات واحتمالية أن يتأثر كل ذلك بالكوارث الطبيعية والاضطرابات السياسية... ألخ وتكفي الإشارة إلى تضاعف سعر النفط ثلاث مرات خلال عام واحد للتدليل على صعوبة استقراء التطورات المقبلة على صعيد إنتاج الطاقة أو الطلب عليها.

ويرى بعض المحللين أن هناك أربعة خيارات أساسية لمعالجة هذه التحديات وتتمثل في التالي: أولاً: وضع معايير واضحة وصارمة للطلب على الطاقة بحيث يتم تقليصه أو على الأقل يتم إبقاؤه على المستوى ذاته.

ثانيا: اللجوء إلى استخدام المحطات النووية لتوليد الكهرباء و/ أو تحلية مياه البحر.

ثالثا: تطوير استخدامات الطاقة المتجددة لاسيما في المنازل وفي الزراعة وبعض الصناعات التي لا تتطلب كميات كبيرة من الطاقة وكذلك لإضاءة الشوارع والأماكن العامة.

رابعا: تطبيق تكنولوجيا اصطياد وتخزين غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن استخدام الوقود الأحفوري.

وعلى أية حال، يتمثل النهج الصحيح في التعامل مع قضية استخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء في المحافظة قدر الإمكان على أكبر عدد ممكن من الخيارات متاحة ومفتوحة وأمام عدم التيقن مما قد يخبئه المستقبل يصبح من الضروري وضع خطط متنوعة تأخذ بعين الاعتبار كل الخيارات المتاحة .

الاستثمار في محطات الطاقة الكهربائية

تستثمر دول الخليج بشكل واسع النطاق على إقامة محطات لتوليد الكهرباء، فعلى سبيل المثال، تعمل وزارة الطاقة الكويتية على مواكبة الطلب المتزايد بإنشاء محطات جديدة، ففي مارس سنة 2005 تم تشغيل محطة الزور الجنوبية بسعة 1000 ميجاوات (MW)، كما تم ترسية مناقصة إنشاء محطة الزور الشمالية لإنتاج 2500 ميجاوات (MW) التي من المقر أن تبدأ بالعمل سنة 2008، والمشروع التالي هو بناء محطة الزور الجنوبية 2 بسعة 1000 ميجاوات (MW) وتستثمر كذلك سلطنة عمان حوالي 800 مليون دولار على توليد الطاقة الكهربائية ومن المقدر أن تنفق البحرين حوالي مليار دولار على الوفاء باحتياجاتها من الكهرباء.

كما من المقدر أن تستأثر المملكة العربية السعودية بحصة الأسد في الاستثمار على توليد الطاقة الكهربائية مع إنفاق حوالي 17 مليار دولار لزيادة الطاقة المولدة من 000 .17 ميجاوات إلى 000 .66 ميجاوات بحلول عام 2023، ومن المتوقع - بحسب تقديرات هيئة الكهرباء السعودية أن تحتاج المملكة إلى طاقة كهربائية إضافية سعتها 35 ألف ميجاوات خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة.

إحياء الطاقة النووية

رافق الاهتمام الخليجي بقضية الاستخدامات السلمية للطاقة النووية تبلور اتجاه عالمي يستهدف إعادة إحياء الطاقة النووية في إعادة تنشيط توليد الطاقة الكهربائية في جميع أنحاء العالم وفي المساعدة على معالجة بواعث القلق المتعلقة بانبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، رغم وجود تحديات ما زالت قائمة. ومن الممكن أن تصبح الطاقة النووية، على المدى الطويل، أكثر مأمونية واقتصاداً واستدامة ومقاومة لانتشار تكنولوجيا صنع الأسلحة النووية.

وقد ظهرت محطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية إلى الوجود في الولايات المتحدة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ترافقها توقعات غير معقولة، ثبت لاحقاً أنها غير قابلة للتحقيق، بأنها ستكون طاقة غير مكلفة بحيث «انها رخيصة إلى حد لا يدعو إلى قياس ما يستخدم منها.» وعندما أنشئت محطات الطاقة النووية الأولى وتم تشغيلها، بدأت تعاني صعوبات تتعلق بتكاليف إنشائها المتزايدة الارتفاع وأدائها من حيث المأمونية. وبلغت هذه الصعوبات ذروتها في حادث الوحدة الثانية من المحطة النووية في «ثري مايل آيلاند» القريبة من ميدل تاون، بولاية بنسلفانيا، عام 1979.

وأدت الأعمال التصحيحية التالية التي نفذتها اللجنة التنظيمية النووية (NRC) لضمان التشغيل الآمن إلى تأخير إكمال بناء محطات كانت قيد الإنشاء لعدة سنوات، وذلك خلال فترة التضخم المالي الذي بلغ رقماً مزدوجاً مما سبب إفلاس العديد من هذه المحطات وإلغاؤها، فانتهت بذلك الحقبة الأولى للطاقة النووية في الولايات المتحدة.

وطوال فترة الثمانينات من القرن العشرين قامت شركات مرافق الكهرباء المولدة بالطاقة النووية بإكمال إنشاء العديد من المحطات المتبقية، وأمنت تشغيلها، وخصصت جل اهتمامها لتحسين الجدوى الاقتصادية والأداء التشغيلي، الأمر الذي حسّن في نفس الوقت مأمونيتها. وبحلول أواسط وحتى أواخر التسعينات من القرن الماضي أصبحت محطات الطاقة النووية لتوليد الكهرباء في الولايات المتحدة، البالغ عددها 103 محطات، تنتج نسبة 20 بالمئة من احتياجات الولايات المتحدة من الكهرباء بكلفة جعلتها تنافسية إلى حد كبير بالمقارنة مع تلك محطات توليد الكهرباء العاملة بحرق الفحم أو بأنواع وقود أخرى، إذ أصبحت كلفتها أقل من 2 سنت لكل كيلوواط ساعة.

وبالإضافة إلى ذلك، تحسن أداء المأمونية في هذه المحطات بعامل يزيد على 10، إلى درجة أصبحت معه محطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية رائدة في أداء الأمن الصناعي اليوم. وبحلول نهاية التسعينات من القرن الماضي ومع ارتفاع أسعار الطاقة وحصول حالات تعتيم رئيسية في ولاية كاليفورنيا، ازداد اهتمام قطاع الأعمال الأميركي بالطاقة النووية. ومع بدء تحسن المناخ بالنسبة لمحطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية اشترت عدة شركات كهرباء كبيرة، مثل شركتي إكسيلون وإنرجي، محطات تعمل بالطاقة النووية من شركات كهرباء أصغر حجماً وأقل ربحية.

وقد سعى ما يزيد على نصف عدد محطات الطاقة النووية العاملة في الولايات المتحدة للحصول على تمديدات لفترات تراخيصها لمدة عشرين سنة تضاف إلى فترة الأربعين سنة التي كان قد رخص لها بالعمل فيها، فحصلت عليها وأصبحت تعمل على أساسها اليوم.

ويتوقع قطاع هذه الصناعة أن تقوم جميع محطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية الأميركية بطلب الحصول على هذه التمديدات مع انتهاء أجل الرخص الأصلية. ومن شأن هذه التمديدات أن تضمن استمرار هذه المصادر الضخمة للربح في إنتاج الكهرباء بحيث يواصل الأميركيون التمتع بفوائدها المالية والبيئية.

وإذ نقف على أبواب انتهاء الحقبة الثانية من الطاقة النووية، حقبة استعادة العافية المالية والأمنية، تستعد الطاقة النووية للمساهمة بدرجة حتى أكبر في تلبية حاجات الولايات المتحدة والعالم من الطاقة. وسيعزز استعادة العافية هذه جزئياً تعاظم القلق بشأن أمن الطاقة القومي وارتفاع كلفة الوقود الأحفوري المستورد؛ والنمو الكبير في الطلب على الطاقة لدعم ازدهارنا الاقتصادي؛ والاهتمام المتزايد بالتخلص من التهديدات البيئية المترافقة مع إحراق أنواع الوقود الأحفوري وإحلال الطاقة النووية الخالية من الانبعاثات مكانه؛ ووجود سوق للطاقة الكهربائية مواتية جداً للطاقة النووية غير المكلفة.

جاذبية الخيار الكهرو - نووي

تعد المفاعلات النووية بشكل عام باهظة من ناحية تكاليف إنشائها لكن تكاليف تشغيلها تعتبر معقولة نسبيا وتعتمد المنافسة الاقتصادية على عدة عوامل منها بناء المحطة في الوقت المحدد وبالسرعة المطلوبة وتشغيلها بسعات عالية على فترات طويلة من الزمن وبالمقابل فإن محطات الغاز والنفط رخيصة وسريعة البناء ولكن تشغيلها مكلف نتيجة كلفة وقودها ومن العوامل التي تؤثر أيضاً على التكلفة.

وبالتالي على سعر الكهرباء المنتجة بالطاقة النووية هي أوقات التوقف للصيانة وهي شهر في السنة أو السنتين تقريبا وكذلك عمر المحطة (35 ـ 40 عاماً) وفي بداية إنشاء المحطة تكون أسعار الكهرباء المنتجة مرتفعة نسبيا ولكن بعد تسديد كل الديون المستحقة عليها يبدأ السعر في الانخفاض.

أن اتجاه أسعار الطاقة النووية نحو الانخفاض واتجاه أسعار النفط إلى الارتفاع بسبب زيادة الطلب عليه قد يؤدي إلى جعل أسعار الكهرباء المولدة بالطاقة النووية مزاحمة لأسعار الكهرباء المولدة بالوقود الأحفوري. لقد أعطت الطاقة الذرية كمصدر لتوليد الطاقة الكهربائية فوائد جمة للبيئة وبالتحديد فإن الطاقة النووية لا تساهم في رفع درجة حرارة الأرض عن طريق انبعاث الغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون وكذلك فإنها لا تنتج أي من أكاسيد الكبريت والنيتروجين أو الجسيمات الملوثة للبيئة وبالتالي تسهم الطاقة النووية في خفض انبعاث الغازات المتسببة في ظاهرتي الاحتباس الحراري والأمطار الحمضية.

زيادة أعداد محطات الطاقة النووية

ازدادت ثقة عامة الناس باطراد في تشغيل محطات الطاقة النووية بالترافق مع ازدياد الإدراك للفوائد الاقتصادية والبيئية المتأتية عنها ومع تحسن مأمونيتها. وأظهرت بعض استطلاعات الرأي أن نسبة 70 بالمئة من الأميركيين يؤيدون استمرار تشغيل محطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية القائمة حالياً وأن نسبة تزيد على 50 بالمئة منهم تدعم بناء محطات جديدة لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية.

وهناك اليوم 440 محطة طاقة نووية تولد 16% من مجمل ما يحتاجه العالم من الطاقة الكهربائية. وقد بدأ تنفيذ برامج نشطة لبناء محطات جديدة للطاقة النووية، وعلى وجه التخصيص في دول شرق آسيا، وروسيا، والهند. وأصبحت الولايات المتحدة نفسها على وشك استئناف بناء محطات جديدة تعمل بالطاقة النووية، وهي العملية التي بقيت جامدة لمدة تزيد على 25 سنة. وتُشكِّل هذه التطورات بداية الحقبة الثالثة، حقبة انبعاث أو إعادة إحياء الطاقة النووية.

ولتحقيق هذه التوقعات الكبيرة، يتعين - من وجهة نظر بعض المحللين ـ أن تعالج أربعة تحديات رئيسية:

الأول: يجب أن تظل الطاقة النووية قادرة على التنافس اقتصادياً في السوق العالمية للطاقة؛ وعلى الخصوص يجب على شركات إنتاج الطاقة أن تمارس سيطرة أفضل على الاستهلاكيات الرأسمالية.

الثاني: بغية تلبية توقعات الناس للأداء الآمن الاستثنائي، يجب أن تستمر المحطات الحالية في عملها بمأمونية ويجب أن تحسن المحطات التي ستبنى في المستقبل المأمونية بشكل متواصل في الأسواق العالمية المستمرة في التوسع.

الثالث: يجب أن ينظر عامة الناس والقادة القوميون إلى الطاقة النووية ودورة وقودها على أنها مستدامة؛ وعلى وجه التخصيص، يجب أن تتم معالجة الوقود النووي المستعمل بطريقة مأمونة ومجدية اقتصادياً طوال الفترة الزمنية المحددة التي يبقى خلالها الوقود النووي المستعمل إشعاعي النشاط بدرجة عالية، ويجب إطالة فترة توفر إمدادات الوقود النووي لقرون عديدة لمواجهة استنفاد الوقود الأحفوري.

الرابع: يجب حماية المواد النووية الناتجة عن دورة الوقود النووي والحيلولة دون إساءة استعمالها في أغراض غير سلمية وانتشارها إلى دول تريد صنع الأسلحة النووية.

دبي ـ مجدي عبيد