لم يتعجب النقاد والسينمائيون حين عبر فيلم المخرج الأميركي ديفيد فينشر، «زودياك»، المسابقة الرسمية للدورة الستين من مهرجان «كان» السينمائي الدولي ويخرج منها خالي الوفاض.
فقد بات معلوماً ومنذ عقد من السنين على الأقل، بأن المهرجانات الكبيرة مثل «كان» وما يماثله في المستوى، تحرص ضمناً بأن لا تترك مجالاً لأفلام «القتل المتسلسل»، لاحتلال مكانة بين أفلام الجوائز، ولو كان الفيلم بمستوى «زودياك»، الذي هو اكثر من شريط عن حكاية قاتل متسلسل، لكن فحواه تقوم على عقدة درامية تستند إلى جريمة كاملة، اجتذبت مخرج الفيلم فينشر، الذي يمجد القاتل والجريمة، ويصنع من الأول بطلاً متوارياً خلف الصورة الغامضة من جهة والفتاكة من جهة أخرى. ويستند فينشر في رؤيته الجديدة على كتاب ألفه رسام كرتون يدعى روبرت غريسميث، يلعب دوره في الشريط الممثل جاكي غيلينهال، حول قاتل متسلسل في ولاية كاليفورنيا الأميركية، يقوم بجرائمه المروعة، ويرسل الرسائل المرمزة إلى الشرطة، شارحاً فيها أسلوبه في تنفيذ الجرائم، فيصيب أربعة رجال بهوس مطاردته وكشف رموزه المعقدة، إلى ان يستسلم ثلاثة منهم للفشل.
ويبقى غريسميث لوحده طوال عقدين من الزمن على تنفيذ الجرائم، يناضل من أجل الحقيقة، ويصل في النتيجة إلى تأليف كتابه المتضمن لغموض حكاية القاتل، الذي يترك الكثير من «المجانين» والمهووسين يدعون أنهم «زودياك»،الذي يقترح على «هوليوود» آنذاك أن تنتج حكايته فيلماً سينمائياً، متسائلاً عن النجم الذي يمكن أن يؤدي دوره.
يستخدم فينشر في فيلمه «زودياك» التقنيات السينمائية بدرجة عالية من الموهبة والذكاء، فهو يصنع صورة تعنى بكل تفاصيلها، في الإضاءة واستخدام اللون والملابس، وزوايا اللقطات، والمنتجة الخاطفة كروح للإخراج المتسارع، المعبر عن هوس في تأليف صورة فتاكة، كما هي قصة فيلمه، وهو نجح في هذا الأمر في فيلمه «سيفين» المنتج في العام 1994، عن قصة قاتل متسلسل ايضاً.
حينها نسج كثيرون من المخرجين الحديثين أفلاماً مشابهة، لم تصل بلا ريب إلى مستوى «سيفين»، حتى فينشر نفسه لم يستطع بعمله الجديد أن يحقق ما فعله سابقاً، مع أنه حاول مع الشركة المنتجة أن يستفيد من نجاح عمله في التسعينات، بتقديم «زودياك»، بعبارة وضعت عنوة على ملصقه، بأن مخرجه هو صاحب فيلم «سيفين» الشهير.
وأغلب الظن أن سبب هذه العبارة تجاري بحت، لكنها تشير بترميزها المستخدم إلى أن المخرج وقع أو أوقع بما يحويه شريطه عن ابعاد اجتماعية ونفسية لمكونات المجتمع الأميركي، المتأثر بضراوة بسياسات إعلانية وإعلامية يلعب التلفزيون فيها دورا بارزا. فتتحول الجريمة إلى سلعة مسوقة. وشهود القاتل يرون القاتل الأبيض القصير، على انه رجل اسود طويل تعمم الشرطة مواصفته، ثم تتراجع عن خطأ يرتكبه مجتمع بأكمله. فالمجرم يفترض ان يكون اسود. أو هذا قدره.
«زودياك» شريط جيد.. وتوقعات مخرجه على أصدائه كانت أكثر مما ينبغي، شبهه كثيرون بكبار من أمثال بريان دي بالما ومارتن سكورسيزي وستيفن سبيلبرغ، وهو لا يزال أقل بكثير عنهم، ولعل هذا التشبيه اسقط المشبه بصيغ التكرار وبمطارح استهلاكية لا تليق بفنان هوسه الإبداع. ولا شك بأن ديفيد فينشر رفع من مستوى الأفلام التجارية لهذه النوعية «البوليسية»، لكنه في النهاية لم يستطع أن يحيد عنها في كل ما فعله باستخدام المصاحبات التقنية.
دبي ـ حسين قطايا

