لا يستبعد بعض الباحثين المهتمين بدراسة القيادة أن تكون القيادة متوارثة جينياً فلا يسع المرء تعلم أصولها، ويجد آخرون أنها اختراع لا اكتشاف، وأنها أداء تلقائي لا توصيف له. ومنهم من يدرجها صنفاً من أصناف الفنون الجميلة. وموضوع هذا الفن يتمثل بخلق رؤية استراتيجية للجماعة التابعة وتعيين توجيهاتها الحالية وتحديد مصيرها.

فتكون مهمة القيادة تنسيق العلاقات القائمة بين هوية الجماعة من جهة، وبين الرؤية الاستراتيجية لمسارها من جهة أخرى، والبحث عن كيفية تحقيقها، وهوية الجماعة ليست انعكاساً للواقع، إنما هي بناء تعمل القيادة على إنشائه بواسطة العدة الأسطورية والمصادر المتضاربة لرواية نشوئها وتاريخها.

أما الرؤية فيتم تصميمها في المخيلة لا بالاختبار؛ لذا فهي أقرب لأن تكون لوحة تشكيلية منها الى أن تكون صورة فوتوغرافية، والتكتيكات التنظيمية التي تنفذها القيادة تنتمي الى فئة «العمل في الميدان»، فلا تخضع للحسابات الدقيقة. ويتم إرسال هذا كله وتلقيه عبر التواصل بالإقناع القائم، أساساً، على الفنون الأدائية: مسرح المهارات الكلامية.

إن بلقيس لم تكن امرأة عادية، أو ملكة حكمت في زمن من الأزمان ومر ذكرها مرور الكرام شأن كثير من الملوك والأمراء، كان لها شأن عظيم جعل قصتها مع النبي سليمان ـ عليه السلام ـ تذكر في القرآن الكريم. إن الملكة بلقيس ما كان لها هذا الشأن العظيم لولا اتصافها برجاحة العقل وسعة الحكمة وغزارة الفهم.

كما أنها عرفت بحسن المشاورة إلى جانب البراعة في المناورة، فهي لم تكن كبقية الملوك متسلطة في أحكامها، متزمتة لآرائها، لا تقبل النقاش أو المجادلة، بل كانت كما أجرى الله على لسانها «قالت أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون».

وذلك على الرغم من أنه كان بمقدورها أن تكتفي برأيها وهي الملكة العظيمة صاحبة الملك المهيب. فهي ببصيرتها النيّرة كانت ترى أبعد من مصلحة الفرد، فهّمها كان فيما يحقق مصلحة الجماعة. ومن أمارات فطنتها أيضا أنه لما ألقي عليها كتاب سليمان علمت من ألفاظه أنه ليس ملكاً كسائر الملوك.

وأنه لابد وأن يكون رسولا كريما وله شأن عظيم؛ لذلك خالفت وزراءها الرأي عندما أشاروا عليها باللجوء إلى القوة، وارتأت بأن ترسل إلى سليمان بهدية، وكان المراد من وراء هذه الهدية ليس فقط لتغري وتلهي سليمان ـ عليه السلام ـ بها، وإنما لتعرف أتغير الهدية رأيه وتخدعه؟

هنا، في الشرق الأوسط، بدأت تتبدى العملية الطويلة الواعدة من التغيير الديمقراطي. وقد بدأ ملايين الناس يطالبون بالحرية لأنفسهم وبالديمقراطية لبلدانهم. هناك من يقول إن الديمقراطية للرجال فقط. والواقع أن العكس هو الصحيح: فنصف ديمقراطية لا يكون ديمقراطية.

وكما قالت إحدى القائدات السيدات: «المجتمع كالعصفور، له جناحان، والعصفور لا يستطيع الطيران إذا كان أحد جناحيه مكسورا».. ومن ضمن ما قيل عن قيادة المرأة: «أنا أمارس القيادة كالرجال؛ أجد نفسي مضطرة لإعطاء الأولوية للوصول إلى الأهداف لا لإعلاء العلاقات الإنسانية. وهو ما يثير التباساً لدي، لأنني أدّعي أنني أعمل تحت مظلة التنمية البشرية».

وأيضا «النساء، بعامة، لا يملكن ثقافة شمولية؛ تستغرقهن التفاصيل فيبرعن في قيادة محددة بموضوع معين»، وتقول أخرى «لعل تراجع اهتمامنا بالموقع أمام اهتمامنا بالقضية، وتفضيل مصلحة الجماعة على المصلحة الفردية، هو ما يميز أسلوبنا عن أسلوب الرجال»، وتدعي أخرى أن «الرموز الأكثر مسالمة في العالم هم رجال لا نساء»، وفي اعتقاد البعض أن «المرأة غير المشبعة عاطفياً في حياتها الخاصة تنتهج، ربما، نهجاً قيادياً متسلطاً أكثر من الرجال».

باحث قانوني واكاديمي

dr.jamal@dc.gov.ae