بحسب الأرقام الأولية المتاحة عن تطور الصناعة المصرفية العربية لعام 2006 والتي أعلن عنها رئيس الاتحاد الجديد السيد عدنان أحمد يوسف، ان البنوك العربية حققت نموا ملحوظا قارب 20% بحيث وصلت قيمة الموجودات الإجمالية لهذا القطاع إلى 1249 مليار دولار.
وهناك زيادات ملحوظة أيضاً في مؤشرات الودائع الإجمالية بنحو 17% عام 2006 حيث بلغت 756 ملياراً، وفي القاعدة الرأسمالية بنحو 32% مقابل 7, 21% بحيث بلغت 115 ملياراً خلال الفترة ذاتها. وحققت المصارف العربية مجتمعة أرباحاً قياسية بلغت قيمتها نحو 25 مليار دولار عام 2006 مقابل 20 مليارا عام 2006، وبذلك بلغ معدل العائد على الموجودات 2%، والعائد على الأموال الخاصة 7 ,21%.
وفيما يتعلق بعدد المصارف العربية، فقد قال السيد عدنان: يبلغ عدد المصارف العربية اليوم، 450 مصرفا (تجارياً واستثمارياً ومتخصصاً وإسلامياً)، ويعمل فيها أكثر من 000 ,370 موظف، ولديها شبكة واسعة من الفروع يبلغ عددها نحو 15000 فرع.
حيث شهد حجم الصناعة المصرفي العربية تطورا سريعا خلال السنوات الثلاث الأخيرة بحيث أصبح أكبر من حجم الاقتصاد العربي، إذ إن الموجودات المصرفية تمثل نحو 120% من الناتج المحلي الإجمالي للعالم العربي.
ومن الواضح من المؤشرات السابقة أن البنوك العربية تمكنت إجمالا خلال الأعوام الماضية من تحسين بيئة المناخ الاستثماري من جهة، كما عملت هي ذاتها على تطوير نظمها وأنشطة عملها، كما تمت خصخصة عدد من المصارف التابعة للقطاع العام في بعض الدول العربية.
فضلا عن تبني المعايير الدولية في مجال الحوكمة، وإدارة المخاطر، ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والرقابة، والإفصاح المالي بشكل متزايد، وتنامي حركة إنشاء مؤسسات ضمان الودائع وشركات ضمان المخاطر المصرفية.
أيضا من ضمن التطويرات التي أدخلت على البيئة والمناخ الاستثماري في القطاع المصرفي العربي خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، فقد حدث تنسيق أكبر ومتواصل على مستوى السياسات النقدية والمصرفية والأطر الرقابية والإشرافية المصرفية، فيما تم حفز وتشجيع المصارف المحلية في بعض الدول على التوسع إقليمياً وعالميا.
وبعكس النظريات الاقتصادية القديمة التي لم تجدِ في ان تلعب أي دور في النمو الاقتصادي وربما يكون دورا سلبيا في بعض الأحيان أيضا، اهتمت النظريات الاقتصادية الحديثة كثيرا بالدور الذي يلعبه قطاع المؤسسات المالية في التنمية الاقتصادية.
وفي بحث رائد عن أهمية الدور الذي يلعبه القطاع المالي في التنمية الاقتصادية يرى الكابتان جورلي وشو Gurley & Shaw ان أهمية القطاع المالي برزت من خلال ثلاث وظائف رئيسية. الوظيفة الأولى هي بروز النقود كوسيط في المبادلات التجارية بدلا من المقايضة السلعية المباشرة.
والوظيفة الثانية هي دور الوساطة الذي تلعبه النقود بين الشركات والمؤسسات التي تمتلك فائضا نقديا وتلك التي تعاني من عجز نقدي أو مالي. وبموجب الوظيفة الثالثة فان مؤسسات التمويل الوسيطة مثل البنوك وبنوك الاستثمار ومؤسسات الائتمان والأدوات المالية والأسواق المالية سوف تلعب دورا رئيسيا في تقديم خدمات أكثر تخصصا مصممة لتلبية احتياجات مختلف العملاء سواء من حيث الآجال أو الفائدة أو طرق التسديد أو العملة.
إن أهمية القطاع المالي العربي تزداد في حجمها وقيمتها بالمقارنة مع بقية الدول النامية وذلك يعود باعتقادنا لثلاثة عوامل رئيسية. العامل الأول وهو كون الدول العربية تعتمد في تمويل برامج التنمية الاقتصادية على مورد مالي يكاد يجيء من تصدير سلعة واحدة أو عدة سلع محدودة.
لذلك فانها مطالبة بتعظيم العائد من الموارد التي تملكها حاليا - وهي أساساً موارد مالية - من أجل التعويض عن نضوب تلك العوائد كما الحال بالنسبة للنفط مستقبلا في حالة نضوبه. والعامل الثاني أن تلك العوائد تتعرض باستمرار للتقلبات بسبب عوامل العرض والطلب التي تتحكم فيها في العادة عوامل خارجية. وبالتالي فان أي تقلبات في هذا المورد لأي سبب كان سوف يعرض برامج التنمية للخطر أيضاً.
وبالتالي فان بإمكان مؤسسات وأسواق المال توفير العديد من المنتجات والأدوات التي بإمكانها ان تسد الثغرات الناجمة عن عجز بالتمويل وبالتالي إضفاء الاستقرار على تنفيذ السياسات المالية والنقدية والبرامج الإنمائية. أما العامل الثالث لأهمية دور مؤسسات وأسواق المال فهو رفع كفاءة استخدام الموارد المالية المتوفرة من خلال توظيفها في مشروعات ومنتجات تدر عوائد مجزية.
ولدى محاولة تقييم الأدوار التي يقوم بها القطاع المالي العربي بالمقارنة مع الوظائف التي يقوم بها القطاع المالي عند بلوغه مراحل متقدمه من التطور كالمرحلة الثالثة التي تطرقنا إليها أعلاه، خاصة فيما يخص دوره ـ أي دور القطاع المالي ـ في إضفاء الاستقرار على تنفيذ برامج التنمية .
وتحسين كفاءة استخدام الأموال الفائضة يمكننا ملاحظة غياب عدد من المؤسسات والأسواق والأدوات الضرورية لاستكمال البنية المالية التحتية مما يؤدي إلى وجود بعض الثغرات والضعف في الدور الذي يلعبه القطاع المالي في تنفيذ هذه الأدوار.
ففيما يخص المؤسسات يبرز بشكل واضح غياب أو ضعف دور بنوك الاستثمار على مستوى الأسواق المحلية. ان بنوك الاستثمار تلعب كما هو معروف دورا رئيسيا في تلمس احتياجات المستثمرين المختلفة (سواء الاستثمار في مشروعات حقيقية أو في موجودات مالية).
ومن ثم القيام بمساعدته على دراسة هذه الاحتياجات والوصول إلى تحديد احتياجاتهم بشكل أكثر دقة ومن ثم تجديد عوامل النجاح والفشل وعرض الدخول معهم في تمويلها، والمساعدة في تقديم خدمات التقييم والترشيد والتسويق في وقت لاحق.
وكذلك شركات الوساطة المالية والمؤسسات المسماة Capital Venture التي تتولى رعاية وتمويل أصحاب الأفكار الاستثمارية المبدعة وتسهم في توفير التمويلات الضرورية بهدف طرحها في وقت لاحق للجمهور في اكتتابات عامة.
أما بالنسبة للأدوات والمنتجات، فمن الملاحظ بصورة واضحة ان التداول في أسواق المال العربية يقتصر في الوقت الحاضر على الأسهم بشكل رئيسي حيث تغيب أدوات الدين بأشكالها المختلفة وكذلك أدوات المشتقات المالية. وجميع هذه الأدوات تعكس وظائف مالية مهمة تلبي احتياجات معنية لجمهور المدخرين والمستثمرين وان غيابها يعني وجود ضعف في تلبية هذه الاحتياجات.
وبالنسبة للأسواق، فصحيح ان معظم الدول العربية لجأت إلى تنظيم التداول في الأوراق المالية سواء من خلال إنشاء البورصات أو غيرها من أشكال التنظيم والتنسيق، إلا ان هذه الأسواق لا تزال ناشئة ومحدودة الوظائف والأدوار وتتسم بالصغر نظرا لضآلة عدد الشركات المساهمة ونسبة الأوراق المالية المعروضة والقابلة للتداول أو التي يتم تداولها بالفعل، كذلك محدودية انواع الأوراق المالية المتداولة.
وفي جانب الطلب يلاحظ تركز التداول في أيدي عدد محدود من المستثمرين مما يعرض التداول إلى ممارسات وتحركات قد لا تكون موضوعية ولا تعكس العوامل الأساسية في السوق وإنما العوامل الفردية. كما تفتقر هذه الأسواق الأدوار المتخصصة لصانعي السوق والوسطاء الماليين الذين يقيمون الأسهم ويقدمون استشاراتهم وبحوثهم الفنية. كما ان التشريعات والقوانين التي تحمي مصالح صغار المستثمرين لا تزال بحاجة إلى تطوير واستكمال.
كاتب ومحلل اقتصادي