تعاني مدينة ديترويت ـ أيقونة صناعة السيارات الأميركية من النزيف بسبب انخفاض أرباح شركات السيارات الثلاث الكبرى. ويتأثر العاملون بصفقات الحيازة والاندماج وإفلاس شركات قطع الغيار والمكونات. وتتفوق شركة تويوتا اليابانية على جنرال موتورز في المبيعات داخل أميركا وتعاني شركة دايملر كرايزلر معاناة أكبر.

وتقول صحيفة «نيويورك تايمز» إن تراجع نشاط شركات السيارات الأميركية يمزق الغرب الأوسط. فعندما يتم تسريح العمالة أو خفض أجورها يعاني الأطباء الذين يعالجونهم والمتاجر التي يشترون منها والصيدليات التي يصرفون أدويتهم أيضاً.

وتساءلت «نيويورك تايمز» عن أسباب ذلك، وأجابت بأن الأجور مبالغ فيها والرعاية الطبية ومزايا التقاعد تثقل كاهل الشركات. غير أنه ليس هذه كل المشكلات. فأجور العاملين في صناعة السيارات الأميركية أكثر قليلاً من نظرائهم في اليابان وأقل من زملائهم في ألمانيا. وهناك في الواقع تكلفة مرتفعة لمزايا التقاعد والرعاية الصحية في ديترويت.

وهناك معاشات التقاعد أيضاً في الدول الأخرى بل ويحصل هؤلاء على ميزات تقاعد أكبر. لكن تكلفة العمالة لإنتاج السيارة في تلك الدول تبلغ عشر سعرها. وفق بحث أجراه فيل ديموث الذي أشار إلى أن تكلفة العمالة من السيارة أو الشاحنة يبلغ ألفي دولار فيما تكلفتها الإجمالية 24 ألف دولار.

لكن هذه الأرقام تقريبية، وترتفع تكلفة العمالة إذا أضيفت قطع الغيار أو المكونات، لكن نفس الشيء ينطبق على الدول الأخرى أيضاً. وقد تكون تكلفة العمالة في سيارات ديترويت أعلى قليلاً من نظيرتها في اليابان أو ألمانيا، غير أن الزبون لا يغير رأيه في شراء سيارة لأن هناك أخرى أرخص منها بنسبة 5% فقط.

ويقول خبراء اقتصاديون ذلك في أماكن أخرى لكن الواقع أن الزبون يختار السيارة لأنها تبدو أفضل أو ذات أداء أعلى أو متقنة الصنع مقارنة بغيرها. وبهذه الميزات اعتادت السيارات الأميركية أن تسيطر على السوق العالمية. وكانت سيارات الخمسينات والستينات رائعة وقوية وسريعة. فغالبية السيارات الأميركية كانت حسنة المظهر وقوية الأداء في الوقت نفسه. فلا حاجة لاستيراد سيارات ألمانية، وكان إنتاج ديترويت هو حلم كل أميركي.

لكن هذا الوضع تغير الآن. وأصبحت السيارات الأميركية بدون شكل مميز. وذكرت الصحيفة أن سيارات يابانية تتفوق على نظيرتها الأميركية في نقاط القوة الأميركية ذاتها، وهي الشكل والقوة والأداء. وفقدت ديترويت ميزة الكمال في التصميم وتشطيب السيارة.

وبعبارة أخرى ليست المشكلة مجرد تكلفة الأجور وميزات التقاعد والرعاية الصحية، لكن المشكلة أن الإدارات في الشركات توقفت عن الاهتمام بالسيارات التي يحلم بها ويريد أن يقودها الأميركي.

والسيارات اليابانية والألمانية حتى لو كانت تنتج في أميركا تبدو أفضل شكلاً وأداء وقوة ويمكن الاعتماد عليها أكثر من سيارات الثلاث الكبار الأميركية. لكن عندما تطرح ديترويت موديلاً يريده المستهلك مثل كرايزلر 300 أو كاديلاك اس تي اس لا يستطيع الوكيل الاحتفاظ بهذه السيارات لأنها تخرج من باب وكالته بسرعة رهيبة.

فكيف تعود ديترويت لسابق عهدها. يجب أن نسأل الذين يصنعون سيارات كورفيت والذين صمموا كرايزلر 300 وكاديلاك اسكلايد وتطلب منهم تصميم سيارات جديدة. يجب توظيف اخصائيين في مراقبة الجودة من شركات يابانية للعمل في ديترويت، كما وظف اليابانيون ادوارد دينج ليستفيدوا من خبرة مراقبة الجودة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية.

إنه ليس خطأ العاملين حتى ولو كان اللوم يلقى عليهم، لأنهم كبش الفداء في هذه الحالة. وليس الخطأ خطأ الإدارة، فقد حان الوقت لتوظيف من يصممون وينتجون سيارات يحلم الأميركي بقيادتها. ولم يفت الأوان بعد، فإذا كانت كاديلاك تستطيع ذلك، فالكل يستطيعون، فالأميركيون لا يزالون يثقون في ديترويت، كما قالت الصحيفة.