أثار ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية خلال الفترة الأخيرة تساؤلا مهما حول الكيفية التي يمكن للبلدان الإفريقية المنتجة ان تستفيد بها من الفوائض الضخمة في تحقيق توازن تنموي يقود إلى حل للمشكلات المتجزرة في القارة السمراء.

وجاء في تقرير لمجلة التمويل والتنمية التي يصدرها صندوق النقد الدولي، ان هذه الموارد تغري باستخدامها لتحقيق الإصلاحات المفتقدة وتعاني الجابون مثل بلدان أخرى في طريق النمو من أوجه نقص في البنية الأساسية وفي توفير فرص العمل وفي تحقيق الخدمات الاجتماعية الأساسية وخاصة في مجال الرعاية الصحية والتعليم وتعاني من الفقر نسبة متزايدة من السكان نحو الثلث حاليا.

ورأى التقرير ان الحيرة المتمثلة في كيف يمكن استخدام إيرادات النفط ليست جديدة على الجابون ففي خلال فترة الرواج الماضية للنفط ادت العائدات غير المتوقعة وشروط التمويل المواتية إلى الاقتراض على نطق واسع لتمويل برامج الاستثمار الطموحة في البنية الاساسية مما ادى إلى دين كبير خلال الثمانينات من القرن الماضي تجاوز 70% من الناتج الاجمالي

واولئك الذين يساورهم القلق بشأن المرض الهولندي يلاحظون ان هذا النهج ادى وهوما لايثير الدهشة إلى رفع تكاليف الانتاج والى ديون يتعذر سدادها وان يؤخذ في الاعتبار قدرة الاستيعاب في هذا البلد فقد اختارت الجابون الان استخدام مواردها الاضافية لتمويل الانفاق الاقتصادي للبلد في حين تجنب في نفس الوقت جزءا من هذه العائدات لمواجهة اثر الصدمات الخارجية في المستقبل.

ووفقا للتقرير فإنه يستحيل على البلدان الافريقية تحقيق الاهداف الثمانية للتنمية للالفية الثانية بحلول عام 2015 استنادا إلى نقطة البدء الحالية فالنمو الحقيقي لايزال بطيئا في كثير من البلدان فهي عاجزة عن بلوغ نسبةالـ 7 في المائة اللازمة لتحقيق اهداف التنمية للالفية الثانية كما ان خدمة الدين تمثل عبئا ثقيلا على التمويل العام وتستنفد موارد كان يمكن استخدامها في تخفيف حدة الفقر ونتيجة لذلك اصاب الركود المؤشرات الاجتماعية او ساءت.

ورغم ان البلدان الافريقية قامت خلال عدة عقود بتنفيذ برامج تنظيمية هيكلية وحاولت اعادة برمجة ديونها لكنها لم تنجح في تحرير نفسها من الديون وفيما يتعلق بالبلدان المنتجة للنفط فإن النفط الذي لم يكن متوقعا اتاح لها فرصة للتخلص من دورة الديون التي اعاقت تنميتها فترة طويلة

وبناء على ذلك اكتشف عدد من البلدان المنتجة للنفط آليات مبتكرة لإدارة الديون وقد استخدم بعضها فوائض الموازنة لاتخاذ مبادرات من جانب واحد لخفض الدين بغية تقوية حساباتها العامة كوسيلة للتصدي لصدمات محتملة في المستقبل.

وفي الفترة من عام 2002 حتى عام 2005 انخفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي من 97 في المائة إلى 41 في المائة في المملكة العربية السعودية ومن 35 في المائة إلى 14 في المائة في روسيا ومن 47 في المائة إلى 24 في المائة في قطر.

وفي عام 2006 عقدت الجزائر اتفاقية مع فرنسا لسحب كل الموازنة الباقية من الدين الثنائي وسددت ليبيا كل دينها الخارجي تقريبا وقد علمتنا تجارب هذه البلدان دروسا عديدة منها ان سداد الدين في وقت مبكر يحقق فوائد أكبر من تجميع مدخرات تحقق معدل عائد منخفض.

ومشكلات الجابون حادة بوجه خاص ورغم ان عائدات الجابون من النفط تبلغ نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي فإن ترتيبها كان 123 من 177 دولة وفقا لمؤشر برنامج الامم المتحدة للتنمية البشرية لعام 2004.

وتستنفد خدماتها للدين 40 في المائة تقريبا من اجمالي الايرادات وتعوق بشدة قدرة الحكومة على الاستثمار في القطاعات الاجتماعية ونظرا الى ان عائدات النفط متقلبة وان ناتج الجابون يتناقص بالفعل اذ انخفض من 368000 برميل يوميا في عام 1997 إلى 266000 برميل يوميا في عام 2005 فإنه ينبغي تنويع الاقتصاد على المدي المتوسط اذا كان يتعين ضمان النمو المستدام الضروري لخفض حدة الفقر.

وبالنسبة لبلدان مثل الجابون يواصل فيها ناتج النفط الهبوط باطراد فإن الحقيقة المتمثلة في ان عائدات النفط ستهبط في اخر المطاف وارتفاع الأسعار لن يعوض هبوط الناتج إلى مالا نهاية تعني ان العائدات من أسعار النفط المتقلبة يجب استخدامها لتحقيق خفض ملموس في الدين القائم

وهذا الخيار له ما يبرره للغاية لان الجابون ليس لديها برامج لشطب الديون وفي الوقت نفسه لم تعد اعادة برمجة الدين تصلح كحل بديل بسبب تكلفة وتقلص قاعدة الدين التي يمكن اعادة برمجتها وفضلا عن ذلك من الصعب الحصول على مساعدة رسمية للتنمية

كما ان المنح صغيرة نسبيا وقد لجأت الجابون ثماني مرات لنادي باريس دون إحراز خفض شامل لدينها، وفي وسع الجابون الان الخروج من نادي باريس باستخدام نفطها الذي لم يكن متوقعا لسداد جزء من دينها مقدما.

وفيما يتعلق بإنفاق النفط الذي لم يكن متوقعاً اكتشافه، من المهم للغاية تذكر الأخطاء التي ارتكبت عند تنفيذ برامج الإنفاق. والواقع أن الزيادات التي طرأت على أسعار النفط في السبعينيات من القرن الماضي أحدثت هزة في الاقتصاد العالمي.

وقد عانت البلدان الصناعية، التي كانت ضحية اعتمادها على طاقاتها الخاصة، من الآثار التي نجمت من التكاليف المرتفعة للطاقة لفترة طويلة. وقد استفادت البلدان المصدرة للنفط مثل الجابون لبعض الوقت من تدفق دولارات النفط في شكل عائدات صافية وقروض ضخمة، على السواء، قبل أن تصبح ضحية لعجز الحكومة المالي والتضخم السائد..

ونفس الشيء يمكن أن يحدث اليوم إذا أشرفت الحكومات على برامج الاستثمار والتدابير الاجتماعية التي تبرز قدرة اقتصاداتها وذلك استجابة لطلب قوي. وفي الجابون، مثلاً، كانت عائدات النفط المبكرة تصحبها زيادة كبيرة في الاستثمار والاستهلاك.

وقد ارتفعت الأجور وازدادت المنافع دون أي ارتباط ذي مغزى بزيادة الإنتاجية. وفي الوقت نفسه لم يكن لدى الجابون العدد الكافي من العمال الحائزين للمهارات الفردية، ولهذا تحولت إلى العمال الأجانب واستخدمت منهم أعداداً كبيرة، وهذا يعني تحول مقادير كبيرة من الأموال إلى الخارج على حساب المدخرات المحلية، ولا يستطيع أحد أن يجادل في الحاجة إلى اقتناء مدخرات للاستعداد لمواجهة أي هبوط مفاجئ لمساعدة الأجيال القادمة.

ولهذا السبب أقامت الجابون «صندوق الأجيال القادمة» في عام 1998 وساهمت فيه بانتظام منذ عام 2003. ولكن مثل هذه الاستراتيجية تتطلب الاختيار بين الادخار محلياً بمعدل متوسط من العائدات والاستثمار في الصكوك المالية العالمية التي يحتمل أن تغل عائدات كبيرة وإن كان ذلك ينطوي على مخاطر جسيمة..والتجارب متباينة فيما يتعلق بالبلدان التي اختارت إنشاء صناديق للأجيال القادمة في نطاق نظمها المصرفية المحلية.

وعلى العكس، فإن البلدان التي اختارت الاستثمار في الصكوك المالية الأجنبية من خلال مدراء للحوافظ ذوي سمعة جيدة دولياً تحصل الآن على عائدات مالية مرتفعة من القروض والاستثمارات التي استغلتها، والتي تسهم في تحقيق فوائض في حساباتها الجارية.

وقد قرر رئيس الجابون، وهو يأمل في تحقيق مساهمة أضل من ثروات النفط الوطنية في تنمية البلد، تخصيص جانب كبير من عائدات النفط، تخصيص جانب كبير من عائدات النفط، لعدد كبير من مشروعات تنمية البنية الأساسية. وتختص معظم المشروعات بإنشاء بنية أساسية للنقل، وتقوية نظم الصحة والتعليم، وتشجيع تنمية القطاع الخاص لإرساء أساس التنمية المستدامة.

ويعكس هذا الاتفاق الأولويات التي حددت من وثيقة استراتيجية الجابون للتنمية وخفض عدد الفقراء. وتحاول أيضاً الجابون دعم الشفافية وحسن التصرف في صناعات التنقيب للحصول على المعادن. وهذا هو السبب في أنها اختارت الانضمام إلى «مبادرة صناعات التنقيب والشفافية» في عام 2004، وهي مبادرة تستهدف متابعة تقوية تخفيض عائدات استخراج النفط من المناجم.

فرصة نادرة لتصحيح التوازنات الهيكلية

أسفر ارتفاع أسعار النفط أخيراً وما ترتب على ذلك من عواقب مالية غير متوقعة إلى إعطاء البلدان الإفريقية المنتجة للنفط فرصة نادرة لتصحيح أو خفض عدم توازناتها الهيكلية. ونظراً لمدى التحديات التي يتعين التغلب عليها لتحقيق أهداف التنمية للألفية الثانية، ليس أمام البلدان سوى قليل من الخيارات إلا أن تستثمر جزءًا كبيراً من ثروتها التي لم تكن متوقعة في البنية الأساسية الاجتماعية والإنتاجية.

غير أن مدى الإنفاق ينبغي أن يتلاءم مع قدرة الاقتصادات على استيعاب برامج الإنفاق الإضافية الكبيرة، فإذا كانت القدرة ضعيفة نسبياً، فإنه ينبغي على البلدان أن تنحي جانباً بعض الأموال بدلاً من استخدامها لتلبية بعض المطالب الاجتماعية العاجلة وأحياناً الملحة.

ومن ثم فإنها اختيار الربط الملائم بين الإنفاق والادخار ينطوي على الأهمية لأنه سيحدد العائد الذي يمكن للبلد أن يتوقعه من ثروة النفط. وفيما يتعلق بالمبالغ التي يمكن ادخارها، فإن الخيار المتعلق بتخصيصها للصناديق الخاصة بالأجيال المقبلة في النظام المصرفي المحلي قد يعطي عائدات مالية منخفضة نسبياً. وثمة خيار أكثر جاذبية، وهو استثمار المدخرات في صكوك مالية عالمية، والتعجيل بسداد قيمة الدين المرتفع التكلفة.