يحمل الأفق الكثير من العلامات المبشرة بمواصلة الاقتصاد الإماراتي مسيرته نحو تحقيق معدلات نمو قوية ومتينة خلال المدى المنظور، الأمر الذي يؤكد أن الرؤية الاستراتيجية للدولة الرامية إلى المحافظة على قوة زخم النمو الاقتصادي، تستند إلى سياسات وتدابير ساهمت في جعل هذه الرؤية قابلة للتحقيق، وفي التوقيت ذاته، أظهرت وجود إرادة سياسية تعمل على توفير المقومات المطلوبة لنجاح استراتيجية التنويع الاقتصادي، وتجسدت هذه الإرادة في إطلاق الكثير من المشروعات في مختلف القطاعات الاقتصادية، وهو الأمر الذي حدا ببعض المحللين إلى توصيف هذه الإرادة بأنها تعد بمثابة شريان حياة لتحقيق الاقتصاد الإماراتي نموا مستداما ومتواصلا.

وتتزين أيضا الأفق بعلامات ومؤشرات تدل على اكتساب النمو الاقتصادي قدرا عاليا من المناعة والصلابة في مواجهة الهزات والقلائل الاقتصادية، وتتفق آراء المحللين على أن نجاح استراتيجية التنويع الاقتصادي قد حصن النمو الاقتصادي من التقلبات التي تشهدها أسواق النفط العالمية، بحيث صار الاقتصاد الإماراتي أقل انكشافا للتداعيات السلبية الناجمة عن أية انخفاضات في أسعار النفط، وبالتالي، وعلى الرغم من ورود توقعات بأن تهدأ وتيرة النمو الاقتصادي في الدول الخليجية خلال العام الجاري نتيجة الانخفاضات في أسعار النفط، إلا أن هناك آراء توقعت بأن يلعب القطاع غير النفطي في الإمارات دورا معوضا لأية تراجعات محتملة في أسعار النفط، وهو الأمر الذي من شأنه المحافظة على ديمومة النمو الاقتصادي، رغم ما قد يشهده من تراجع طفيف. وتبقى المسألة الحيوية في نظر البعض كامنة في امتلاك الدولة الطاقة والقدرة على جلب المفاجآت، حيث برهنت قطاعات عريضة من الأنشطة الاقتصادية غير النفطية على أنها قادرة على جذب المزيد من الفاعلين واللاعبين والاستثمارات الضخمة، وهو ما قاد إلى خلق فرص مهمة لأصحاب الأعمال سواء في الداخل أو الخارج، وساهم في الوقت ذاته في الارتقاء بمكانة الدولة على خريطة اللاعبين الاقتصاديين، حيث نجحت خلال فترة زمنية تقل عن عشر سنوات في تبوؤ مكانة ثاني اكبر اقتصاد خليجي، وشغل المرتبة 37 على قائمة أكبر الاقتصاديات على مستوى العالم.

تواصل النمو المزدهر... انسجم النمو القوي والمزدهر المتحقق خلال عام 2006 مع توقعات المسؤولين والمحللين، حيث قفز اقتصاد الإمارات- بحسب بيان وزارة الاقتصاد المنشور في 19 مارس الماضي - بمعدل 9 .8% في 2006 بفضل النفط والتجارة، محققا ثالث أسرع معدلا للنمو في خلال فترة زمنية تبلغ 5 سنوات، وحظي هذا النمو بدعم من الأداء القوي لقطاعات النفط والصناعة وتجارة الجملة والتجزئة. ومن ثم، جاء هذا النمو القوي معبرا عن استمرارية وتواصل الاقتصاد في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، إذ أنه نما بنسبة 9 .11% في 2003 و7 .9% في 2004، وأظهرت بيانات وزارة الاقتصاد نمو قطاع البترول بنسبة 5% إلى 9 .99 مليار درهم، وقطاع التصنيع بنسبة 13%، وتجارة الجملة والتجزئة 5 .10 بنسبة%، وقطاع البناء بنسبة 16%.

وسبق الإعلان عن هذه الأرقام، تناغم توقعات المسؤولين والمحللين بشأن مواصلة الاقتصاد الإماراتي تحقيق معدل نمو مزدهر وقوي خلال العام المذكور، واتفاق التقييمات بأن الأداء المتين والمتماسك للقطاع غير النفطي سيوفر قوة زخم لانتعاش النشاط الاقتصادي على المستوي الكلي، وذلك على الرغم من هدوء فوران النمو الاقتصادي مقارنة بالأعوام الثلاثة السابقة. من جانب آخر، كانت الشيخة معالي لبنى القاسمي وزيرة الاقتصاد قد توقعت في 22-11-2006 نمو الناتج المحلي للبلاد بنسبة 23% إلى 597 مليار درهم (الدولار يعادل 67 .3 دراهم) العام الحالى مقارنة بنمو الناتج المحلي الإجمالي في عام 2005 بنسبة 4 .26% إلى 1 .132 مليار دولار.وأشارت معالي الوزيرة إلى انه من المتوقع نمو الاستثمارات المحلية العام الحالي بنسبة 25% تقريبا إلى 117 مليار درهم نتيجة المشروعات الكبيرة التي تنفذ في جميع أنحاء البلاد سواء في قطاعات البنية التحتية أو العقارات. وقالت انه من المتوقع نمو صادرات الإمارات في عام 2006 لتصل إلى 514 مليار درهم مقابل نسبة نمو 21% عن 2005 فيما سترتفع الواردات إلى 306 مليارات درهم بارتفاع 3% عن 2005. وقالت أن الصادرات النفطية تشكل 40% من إجمالي الصادرات الإماراتية.

ومن جانب آخر، كان محسن خان مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا في صندوق النقد الدولي قد توقع في تصريحات منشورة في يونيو 2006 تحقيق الاقتصاد الإماراتي نموا حقيقيا نسبته 5 .10%، واستبعد حدوث أزمة في السوق الإماراتي نتيجة لتراجع أسعار الأسهم.

وفي 24 مايو 2006، نشر صندوق النقد الدولي تقريرا عن المشاورات التي أجراها خلال الفترة من 21 مارس إلى 3 أبريل 2006، وورد في التقرير توقعاته بخصوص أفق النمو الاقتصادي على الأجلين القصير والطويل، وتتمثل في التالي :

أولا : من المتوقع أن يظل النمو الاقتصادي محتفظا بقوته وازدهاره في عام 2006، مع استمرار قوة أداء القطاع غير الهيدروكربوني، وارتفاع أسعار النفط بشكل مؤثر، وتوجد بالفعل الكثير من مشروعات البنية التحتية والعقارية في إمارتي أبوظبي ودبي، وتشكل هذه المشروعات مكونا رئيسيا في إستراتيجية التنويع الاقتصادي، كما أنه من المتوقع أن تؤدي الخطط الطموحة لتوسيع الطاقة الإنتاجية في القطاع الهيدروكربوني إلى زيادة الإنتاج النفطي في عام 2006، مع ذلك، فأنه من المتوقع أن تؤدي عملية التصحيح الحاد التي تشهدها أسواق الأسهم وزيادة معدلات الفائدة المحلية على نحو مواز لارتفاع الفائدة الأميركية، إلى كبح الطلب المحلي، أما على صعيد التضخم، فأنه، من المتوقع أن تعمل أسعار العقارات كعامل توازن.

ثانيا: تطل على المدى المتوسط أفقا مواتية، تنهض على التوقعات الحالية ببقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، كما أن الإنتاج النفطي للإمارات سيتزايد ليصل إلى 5 .3 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2011، وسيحظى القطاع غير الهيدروكربني بالمزيد من الدعم من إستراتيجية التنويع، وبالتالي، من المتوقع أن ينمو القطاع غير الهيدروكربوني بوتيرة متواصلة ومستمرة عن معدل يتراوح بين 5 .6% و0 .7% خلال عام 2007، كما أنه من المتوقع أن تستمر موازين الحساب الجاري والموازنة في تسجيل فوائض مؤثرة وضخمة.

وعلى نفس المنوال أعرب بنك «إتش إس بي سي» عن تفاؤله بآفاق الاقتصاد الإماراتي خلال العامين المقبلين، حيث أوضح البنك في تقرير له يوم الأربعاء 17-1-2007 حول «التوقعات الاقتصادية لمنطقة الخليج»، أن معدل النمو الاقتصادي الفعلي سيبقى مرتفعاً رغم تراجعه عن العام الماضي، مشيراً إلى أن النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي غير النفطي سيكون متميزاً بشكل خاص.

وتوقع البنك أن يشهد الاقتصاد الإماراتي نمواً بنسبة 2 .6% في عام 2007، و8 .5% في عام 2008، مقارنة بنمو العام الماضي المقدر بـ 3 .9%.

وفي مقابل انخفاض النمو العام، يتوقع «إتش إس بي سي» أن يصل معدل التضخم السنوي في الدولة إلى 7% خلال العام الحالي منخفضاً إلى 5 .6% في عام 2008. ومع ذلك، يعتبر البنك أن إمكانية ارتفاع معدل التضخم تشكل إحدى المخاطر الحقيقية، وخصوصاً في دبي.

وقال سايمون وليامز، الخبير الاقتصادي في «إتش إس بي سي الشرق الأوسط» أن دولة الإمارات تحظى بمكانة متميزة كقوة اقتصادية راسخة، ليس فقط على مستوى منطقة الخليج، بل وعلى مستوى العالم أيضاً. ظل هدوء أسعار النفط وانخفاض الإنتاج، فإن القطاع غير النفطي سيواصل نموه بقوة. وعليه، فإن الأفق الاقتصادية المستقبلية لدولة الإمارات والشركات الإماراتية لا تزال جيدة.

وقدر بنك «إتش إس بي سي» أن جميع اقتصاديات منطقة الخليج ستواصل نموها في عام 2007، وإن يكن بمعدل أبطأ بسبب تراجع أسعار النفط مقارنة بالمستويات القياسية التي بلغتها خلال العام الماضي ومع بدء منظمة أوبك في خفض معدلات الإنتاج. وقال البنك إن الحكومات في المنطقة ستدفع عملية الإصلاح ببطء ولكن بثبات لإيجاد فرص عمل جديدة وزيادة دخل الفرد في ظل النمو السكاني السريع الذي تشهده دول المنطقة.

وتوقع تقرير صندوق النقد الدولي والصادر خلال شهر سبتمبر في تقرير بعنوان؟ «لنظرة الحالية والمستقبلية للاقتصاد العالمي.. ؟الأنظمة المالية والدورات الاقتصادية» أن تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى من حيث معدل النمو المتحقق خلال العام 2007 وذلك بنسبة 5 .6% بالمقارنة مع 8 .5% عام 2006 تليها البحرين بنسبة 3 .6% عام 2007 بالمقارنة مع 1 .7% عام 2006 ثم الإمارات 8 .5% عام 2007 بالمقارنة مع 5 .11% عام 2006 وهي أعلى معدل نمو خلال هذا العام، وأوضح التقرير أن سلطنة عمان سوف تحقق معدل نمو اقتصادي بنسبة 7 .5% عام 2007 بالمقارنة من 1 .7% عام 2006، تليها كل من قطر والكويت بنسبة 7 .4% بالمقارنة مع 7 .6% و2 .6% على التوالي عام 2006.

شواهد قوة

تزخر الساحة الاقتصادية بالكثير من المؤشرات والدلائل التي تعزز التوقعات باستدامة قوة النمو الاقتصادي في الدولة، خاصة في المجالات المرتبطة مباشرة بالأعمال، وتجلى ذلك في شغل دبي المكانة الثانية على مستوى العالم في مجال بناء المكاتب التجارية، وذلك بعد موسكو التي شغلت المرتبة الأولى، وذلك على الرغم من أن عدد السكان في موسكو يعادل عشرة أمثال نظيره في دبي، وقدر خبراء ان قطاع الإنشاءات في دبي بات يسيطر على 25% من رافعات العالم والتي يمكن ان يلاحظها القاصي والداني وهي تتزاحم في سماء المدينة وتتسابق لتنفيذ مشاريع البناء الهائلة التي لا يزال الإعلان عن الجديد منها مثار دهشة العالم.

وجاءت هذه التقديرات على لسان عادل الشيراوي المدير التنفيذي لشركة «تمويل» المتخصصة في توفير حلول التمويل العقاري، حيث قال: ان حجم مشاريع الإنشاء في دبي فرض أن يستحوذ قطاع الإنشاءات على نحو 25% من رافعات العالم لتتمكن المدينة من انجاز المشاريع العقارية التي تشهد طلبا غير مسبوق من قبل المستثمرين والأفراد المقيمين في الدولة.

وطبقا لخبراء في صناعة المقاولات فإن الرافعات البرجية من أكثر الأدوات الشائعة الاستخدام في المواقع الإنشائية الكبيرة، حيث يصل ارتفاعها عادةً إلى مئات الأقدام في الهواء وطبقا لدراسة فإن عدد الأبراج التي يجري تنفيذها أو تم الإعلان عنها مؤخرا والمصنفة على انها من ناطحات السحاب يصل إلى 7000 بناية متعددة الأغراض بين سكني وتجاري وكشف نيكولاس ماكلين، العضو المنتدب لشركة سي بي ريتشارد إيليس المحدودة للشرق الأوسط، عن حاجة السوق العقاري بدبي إلى مليوني قدم مربع للجم الطلب المتنامي على المكاتب التجارية في المدينة.

مشيرا إلى إن النمو الاقتصادي الهائل في الإمارة جعل مئات الشركات تتوجه إليها لكنها قد لا تتمكن من العمل فور وصولها بسبب ما تواجهه من صعوبات كبيرة في الحصول على مكاتب فارغة، وأضاف ماكلين أن تحقيق التوازن بين العرض والطلب في السوق في دبي وحدها يتطلب دخول 10 آلاف وحدة سكنية على الفور.

كما سجل مطار دبي الدولي - بحسب تقرير المجلس العالمي للمطارات - ثاني أعلى معدل للنمو على مستوى العالم، وإذا واصل هذا المعدل في النمو، فأنه من المتوقع أن يتفوق على مطار هيثرو من ناحية نمو عدد الركاب بحلول عام 2011، كما شغل المطار المرتبة ال17 دولياً من بين أكبر 30 مطاراً دولياً في العالم من حيث حجم شحن البضائع، وقال التقرير: إن مطار دبي الدولي تفوق بذلك على مطار هيثرو بلندن .

حيث سجل نمواً في الشحن بنسبة4 .14% وتم تناول 5 ،1 مليون طن من البضائع خلال العام الماضي عبر المطار، فيما حل مطار هيثرو في المرتبة الـ 18 بنصيب 3 ،1 مليون طن، كذالك تفوق مطار دبي الدولي ـ الأكثر ازدحاماً في منطقة الشرق الأوسط، على مطارات عالمية مثل دالاس الأميركي وطوكيو الياباني وبانكوك التايلاندي وبكين الصيني من حيث حجم الشحنات، والبضائع غير أن مطار دبي الدولي لم يتفوق على هذه المطارات من حيث عدد الركاب رغم أنه أكثر المطارات ازدحاماً في المنطقة. واستوعب مطار دبي الدولي 7، 28 مليون راكب ومسافر في العام الماضي.

الإرادة السياسية

ودل هذا الزخم القوي للنمو الاقتصادي على أن الدولة لا تدخر جهدا من أجل تحقيق الريادة في المشروعات التي تقوم بتنفيذها، وتعد هذه الإرادة بمثابة شريان الحياة لنجاح إستراتيجية التنويع الاقتصادي التي تتبناها الدولة والتي تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط، و برز الاندفاع نحو تحقيق قصب السبق على مستوى العالم على أكثر من مجال وصعيد، ويمثل برج دبي تعبيرا حيا عن إرادة سياسية تعمل من أجل الارتقاء على سلم الرقي والتقدم الاقتصادي.

وقد أفادت المعلومات، حتى كتابة هذه السطور أنه في السادس من مايو الجاري، تنازل برج سيراز (Sears Tower) في ولاية شيكاغو أعلى مباني أميركا (ثالث أعلى برج في العالم) عن عرشه لبرج دبي الذي وصل إلى الطابق الـــ 125 ليتجاوز ارتفاعه أكثر من 442 مترا وهو ارتفاع برج سيراز الأميركي الذي أنجز العمل فيه في 1974. وبذلك تحقق »اعمار« العقارية انجازا معماريا مهما مع بلوغ برج دبي المركز الثالث بعد برجي تايبيه في تايوان(509 أمتار) و(بتروناس) في ماليزيا (452 مترا).

وسجل برج دبي رقما قياسياً على صعيد عدد الطوابق التي يحتويها أي مبنى في العالم على الإطلاق حيث كان أقرب المنافسين له برج سيراز الأميركي بعدد 110 طوابق في حين بلغ عدد طوابق برج دبي 125 طابقا حتى الآن وهو في طريقه ليصل إلى ارتفاع يتجاوز 800 متر أي بأكثر من أطول الأبراج في العالم بنحو 300 متر وبعدد طوابق قد يتجاوز الـ 188 طابقا أي بزيادة تصل إلى أكثر من 78 طابقا عن اقرب منافسيه.

ومع ذلك، مازالت السرية تحيط بمدى ارتفاع البرج، وتدور التخمينات أنه من المقدر أن يصل عدد طوابقه إلى 160 طابقاً كحد أدني، ومرة أخرى، يعود السبب وراء عدم الكشف عن عدد الطوابق أن الدولة تريد الاحتفاظ بقصب السبق في امتلاك أطول برج في العالم، ومن شأن تسريب مثل هذه المعلومات، أن يجعل بعض الدول المنافسة في منطقة الشرق الآسيوي أن تعمل على تفويت مثل هذا السبق عن طريق بناء برج أكثر علوا.

وتنطوي تلك الشواهد المعبرة عن قوة النمو الاقتصادي على أمر بالغ الأهمية بالنسبة لبعض المحللين، ويتمثل في امتلاك الدولة الطاقة والقدرة على تحقيق المفاجأة، حيث أظهرت قطاعات عريضة من الأنشطة الاقتصادية غير النفطية قدرة ضخمة على جذب المزيد من الاستثمارات الضخمة، وهو ما يؤدي بدورة إلى خلق فرص ضخمة لأصحاب الأعمال سواء في الداخل أو الخارج.

ويعتبر النمو السكاني محركا قويا لاستمرار انتعاش حالة الازدهار الاقتصادي، وبحسب البيانات وزارة الاقتصاد المنشورة في 31 يوليو 2006، وصل العدد الإجمالي للسكان في الدولة أربعة ملايين و104 آلاف و695 نسمة.، و أظهرت البيانات أن العدد الإجمالي للسكان في الدولة ارتفع بنسبة 74 .8% عن العدد الذي تم تسجيله في آخر إحصاء للسكان في عام 1995 والذي بلغ مليونين و411 ألفاً و41 نسمة بزيادة بلغت مليوناً و93 ألفاً و654 نسمة.

ومثل هذا النمو بشقية السكاني والاقتصادي حول الإمارات إلى «أرض الفرص»، وعزز التوقعات بأن تتواصل مسيرة الازدهار الاقتصادي خلال المستقبل المنظور.

الإمارات تحقق نمواً مبهراً

وصف صندوق النقد الدولي أداء الاقتصاد الإماراتي بأنه يعبر عن أداء قوي ومبهر، واستعرض ملامح هذا النمو في النقاط التالية :

أولا : في عام 2005، من المقدر أن تسجل موازين الحساب الجاري والميزانية فوائض ضخمة، وهو ما يعكس أسعار النفط المرتفعة، ومن المقدر نمو الناتج المحلي بنسبة 5 .8%، مع نمو القطاع غير الهيدروكربوني بنسبة 11%، والقطاع الهيدروكربوني بنسبة 1 .2%، كما أنه من المتوقع أن يصل معدل التضخم بناء على مؤشر سعر المستهلك إلى 8%.

ثانيا : قادت إستراتيجية التنمية المتجهة إلى الخارج والسياسات المالية الحصيفة إلى إحراز نمو اقتصادي مبهر على مدى سنوات، وأدت إلى تراكم ضخم للأصول المالية الخارجية، وعكس هذا النجاح إدارة إمارة أبوظبي لثروتها النفطية بشكل حصيف، واندفاع إمارة دبي القوي نحو التنويع الاقتصادي، وبالتالي، تسلط كافة المؤشرات الضوء على حقيقة مؤداها أن السياسات الاقتصادية الليبرالية التي اتبعتها الإمارات المتحدة سوف تتسارع وتيرتها ويتسع نطاقها خلال الفترة المقبلة.

ثالثا، تعتزم الإمارات العمل على خلق بيئة اقتصادية مواتية، من خلال تنفيذ إصلاحات من شأنها زيادة مشاركة القطاع الخاص. حيث أصدرت إمارة دبي قانون العقارات الذي يجيز الملكية الكاملة للأجانب في مناطق محددة سلفا، فيما تعمل مع القطاع الخاص على توفير بنية تحتية وخدمات أخرى، كان من المألوف والمعتاد توفيرها عن طريق القطاع العام، وقامت كذلك إمارة الشارقة بإطلاق مناطق صناعية حرة، إلى جانب استفادتها من جذب المشروعات المتوسطة والصغيرة، وفي الوقت نفسه، انتهجت إمارة أبوظبي برنامجا لخصخصة المرافق، ورشدت كذلك سياستها المالية، وأعلنت مؤخرا عن خطة تنمية متوسطة الأجل التي سيجري تنفيذها بالمشاركة مع القطاع الخاص.

رابعا : قاد النمو السريع لأسواق المال وزيادة التدفقات الرأسمالية إلى جعل الارتباطات بين القطاعين المالي والعقاري أكثر تعقيدا، وهو ما يملي ضرورة جمع المعلومات على نحو ملائم ومتسع النطاق، بما يسمح بالمتابعة الشاملة للتطورات الاقتصادية، وفي توقيت ملائم.

خامسا : تم تنقيح معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للقطاع غير الهيدركربوني لعام 2004 برفعة من 10% إلى 6 .12%، وهو ما يشير إلى حدوث نمو أكبر مما كان متوقعا، ومن المقدر في عام 2005 أن يسجل القطاع غير الهيدروكربوني نموا نسبته 11%، فيما يسجل القطاع الهيدركربوني نموا نسبته 5 .2%، وبالتالي سجلت أعلب القطاعات الاقتصادية معدلات نمو عالية تاريخية.

سادسا : رافق النمو القوي للطلب المحلي صعود معدل التضخم، وقدرت الأرقام الأولية الرسمية في عام 2005 معدل التضخم بناء على مؤشر سعر المستهلك بنسبة 5%، ولكن يقل هذا التقدير عن تقديرات السوق لمعدل التضخم، ورغم ذلك، ومع تطورات أسعار السلع غير القابلة للتداول مثل أسعار الإيجارات والخدمات، فضلا عن الزيادات الضخمة في العرض النقد (34%)، وارتفاع أسعار المنتجات البترولية، في ضوء كل هذه الاعتبارات، من المقدر أن يبلغ معدل التضخم 8%، وقد زاد المتوسط السنوي للتضخم في الإمارات مرتين عن مثيلة في دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى خلال الفترة 2003 - 5002، نتيجة للنمو الضخم للإنتاج المحلي الإجمالي غير النفطي.

سابعا : ساهم الصعود الكبير في أسعار النفط والنمو القوي للصادرات الغير هيدروكربونية، في تسجيل ميزان الحساب الجاري في عام 2005 فائضا ضخما بنسبة نمو بلغت 5 .14% من الناتج المحلي الإجمالي ، وواصلت المناطق الحرة تحقيق توسع في نشاطها، مع لعب إمارة دبي أدوار متزايدة كنقطة دخول مهمة لمنطقة مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي، زادت الواردات بنسبة 27% لتصل إلى 81 مليار دولار، عاكسة بذلك، قوة الطلب المحلي في الإمارات، كما استمر تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة على نحو قوي، ومن المقدر أنها وصلت في عام 2005 إلى 11 مليار دولار.

ثامنا: شهد عام 2005 تطورات ائتمانية ونقدية على خلفية استمرار مستويات السيولة العالية وزيادة النشاط الاقتصادي وازدهار أسعار الأصول، وحافظ النمو النقدي العريض على نمو القوي عند مستوى 34%، وقاد هذا النمو بشكل رئيسي نمو ائتمان القطاع الخاص بنسبة 5 .44%، خاصة قروض الإنشاءات التي نمت بنسبة 32%، وبنهاية 2005، استحوذ الائتمان المباشر لأسواق الأسهم والقروض العقارية على 40% من إجمالي القروض الشخصية، وباستبعاد الائتمان المباشر لأسواق الأسهم، نما العرض النقدي بنسبة 27%.

تاسعا: في أعقاب التراجع في أسواق الأسهم الإقليمية والذي بدأ في أواخر عام 2005، انعكس مسار تدفقات رأسمال خلال الشهرين الأوائل من عام 2006، وتراجع صافي الأصول الأجنبية في النظام المصرفي بقيمة تبلغ 30 مليار درهم، مع تقليل المستثمرين الإقليميين لانكشافهم إزاء أسواق الأسهم في الإمارات.

عاشرا : زاد انكشاف المصارف لقطاع العقارات المزدهر وأسواق الأسهم، وكنسبة من إجمالي الائتمان، زاد الإقراض لقطاع الإنشاءات ليصل إلى 12%، كما زاد الإقراض المباشر لأسواق الأسهم ليصل إلى 6%، وزادت القروض الرديئة بنسبة 4 .2% في عام 2005، ولكن تراجعت نسبتها من إجمالي القروض إلى 3 .8% مقابل 5 .12% في عام 2004، وتضاعفت أرباح البنوك إلى 1 .5 مليارات دولار في عام 2005، وزاد دخل البنوك من مصادر غير تلك المتعلقة بالفائدة بنسبة تزيد على 112% لتمثل حوالي ثلث الدخل الإجمالي للمصارف، وجاءت معظم هذه الزيادة من رسوم وعمولات الاكتتابات العامة الأولية.

النفط «قلب» النمو الاقتصادي

استقطب النمو الضخم للنشاط الاقتصادي في الإمارات اهتمام المحللين والخبراء، واسترعى انتباههم أن مصادر الانتعاش لم تعد مستمدة فحسب من العقارات والمشروعات العقارية الضخمة، بل أضحت المسألة المثيرة للاهتمام تتعلق بتطور أسواق المال وصناعة المال.

ويشغل النفط مكانة القلب بالنسبة لهيكل الاقتصاد الإماراتي، حيث انه يعد المصدر الرئيسي للنمو الاقتصادي، وساعدت أسعار النفط المرتفعة على تسجيل الناتج المحلي الإجمالي مستويات نمو قياسية إذ إن العوائد الهيدركربونية تسهم بحوالي 35% من الناتج المحلي الإجمالي، كما إنها تسهم بحوالي 80% من إجمالي عوائد الدولة، و 90% من إجمالي حصيلة الصادرات، ومازالت أسعار النفط في حدود 60 دولاراً للبرميل.

ومن المتوقع أن تستمر هذا الأسعار قوية لبعض الوقت في المستقبل، في ضوء تراجع إنتاجية الدول خارج أوبك، واستمرار تعطش أسواق النفط العالمية، وبناء على هذه التوقعات، أطلقت الدولة برنامجاً استثمارياً بعدة مليارات من الدولارات لزيادة الطاقة الإنتاجية إلى 5 .3 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2010.

وعلى غرار حكومات الدول الخليجية الأخرى، وظفت الدولة عائداتها النفطية على نحو حصيف وعقلاني بشكل أكبر مقارنة بالطفرة النفطية في السبعينات، وكانت تلك هي إحدى الاستنتاجات التي خلص إليها صندوق النقد الدولي في تقريره الصادر عن صندوق النقد الدولي، كما كانت إحدى التفسيرات التي أوردتها مؤسسة موديز انفستورز سيرفيس لرفع تقييماتها السيادية للدول الخليجية الست في اكتوبر الماضي والذي تضمن رفع التقييم الطويل الأجل للسندات الحكومية بالعملة الأجنبية لدولة الإمارات من إيه 1 إلى أيه أيه 3. ويختلف وضع الإمارات عن الدول المجاورة لها.

حيث جرى تشجيع وتطوير قطاعات بديلة لقيادة النمو، وتوسعت القاعدة الاقتصادية وطرأت عليها الكثير من التحسينات، وهو ما قاد إلى نتائج مبهرة، حيث نما القطاع الغير النفطي بمعدل سنوي نسبته 10% سنويا على مدار السنوات الثلاثة الماضية، ومن المتوقع أن يحقق نفس مستويات النمو خلال عامي 2006 و 2007.

وتحفل الساحة بالعديد من المشروعات العقارية قيد التنفيذ، فيما تتسارع وتيرة إعادة الهيكلة الاقتصادية القائمة على المشاركة بين القطاعين العام والخاص، والدفع ببرنامج الخصخصة إلى الأمام، وقادت جهود التنويع الاقتصادي إلى دخول الدولة في قطاعات جديدة مثل التصنيع والسياحة والخدمات المالية، وواكب ذلك، إطلاق مشروعات في مجال الخدمات اللوجيستية والتكنولوجيا الحيوية، كما توسعت استثمارات القطاع الخاص على الصعيدين الداخلي والخارجي، وذلك بناء على خلفية التحرر الاقتصادي ومعدلات الفائدة المنخفضة والتي تتحدد بناء على الربط مع عملة الدولار الأميركي.

وتسارعت كذلك وتيرة الاستثمارات الخارجية والتي توفر صمام أمان ضد التقلبات الاقتصادية الإقليمية والعالمية، حيث تمكنت العديد من الشركات في الدولة من الاستحواذ على حصص في الشركات العالمية، كما نشطت هذه الشركات في أسواق السندات والعقارات، وبالتالي، تمتعت الإمارات بمركز أصول خارجي ضخم ومتنام، حيث أفاد مصرف الإمارات المركزي بأن الأمارات سجلت صافي أصول أجنبية قيمتها 8 .166 مليار دولار بحلول نهاية عام 2005.

فيما قفز فائض الحساب الجاري ليصل إلى 25% من الناتج المحلي الإجمالي، وأنه من المتوقع أن ينمو هذا الفائض ليبلغ 28% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2006، ولا تأخذ هذه الأرقام في حسبانها أنشطة هيئة أبوظبي للاستثمار التي عملت منذ ثلاثين عاما كصندوق ادخار لصالح الأجيال المقبلة في الإمارة.

ووفقا لتقديرات بنك ستاندارد تشارترد فإن هيئة أبوظبي للاستثمار تستثمر عوائد أبوظبي من النفط وتدير محفظة تتراوح قيمتها بين 450 مليار دولار وخمسمائة مليار، ومثل هذا التنوع في مصادر الدخل، من شأنه أن يقوي مناعة الدولة ضد التقلبات في أسواق النفط العالمية.

سياسات مكافحة التضخم

تنطلق المخاوف حيال تزايد وتيرة نمو التضخم من وجود إدراك بأن الإمارات تحتاج إلى مكافحة التضخم عن طريق اتباع سياسة نقدية فعالة تهدف من خلال رفع أسعار الفائدة إلى ضبط حجم السيولة المتداولة والحد من الإنفاق مقابل تشجيع الادخار من دون إلحاق أضرار بالطلب، إذ انه إذا ترتب على مثل هذه السياسة إبطاء في النمو الاقتصادي فإن ذلك أهون من ترك النمو ضحية لاستفحال التضخم مع كل ما يترتب عليه من أضرار بالغة تتعدى الاقتصاد إلى مجالات عديدة أخرى، بما في ذلك الحد من القدرة التنافسية للاقتصاد إقليميا وعالميا.

وتنشأ الضغوط التضخمية عن عملية النمو الاقتصادي المتسارع، بما يفضي إلى ارتفاع الطلب في مواجهة استجابة العرض الضعيف نسبيا، وبالتالي تبرز أهمية اتخاذ التدابير الاقتصادية التي تهدئ الاقتصاد وتعزز العرض من الضغوط التضخمية، مما يقود في نهاية المطاف إلى تعزيز الأداء الاقتصادي القوي الحالي للإمارات.

وتجلت هذه المخاوف في الدعوة التي أطلقتها معالي الشيخة لبنى القاسمي وزيرة الاقتصاد والتخطيط في بداية إبريل الماضي إلى القطاع التجاري والصناعي وأصحاب الشركات والمؤسسات الخاصة بمراعاة الأهداف النبيلة لمكرمة صاحب السمو رئيس الدولة التي تقضي بزيادة الرواتب والأجور وعدم اتخاذ أي خطوات لزيادة أسعار السلع والخدمات مؤكدة إن ارتفاع الأسعار ظاهرة تلازم النمو الاقتصادي وتزايد قوة الطلب ولا يمكن التأثير فيها عن طريق الدعوة والمناشدة.

وتشكل تكلفة السكن - بحسب وزارة الاقتصاد - أهم مكون في مؤشر الأسعار، وتبلغ نسبتها 1 .36 من 100 في المؤشر، بمعنى آخر تقدر تكاليف السكن بنسبة 1 .36% من مصروفات الأسرة، إذ يتألف مؤشر الأسعار الرسمي من تسعة مؤشرات مكونة له، يمثل كل واحد منها مجموعة من البضائع والخدمات التي تستهلكها الأسرة في العادة.

يتم احتساب وزن هذه المؤشرات وفقاً لأهميتها في «سلة التسوق» التي تشكل متوسط المصروفات الأسرية خلال العام، وتضم المكونات الأخرى المهمة كلاً من الموصلات والاتصالات بنسبة 9 .41% والغذاء والمشروبات والتبغ بنسبة 4 .14% والخدمات الترفيهية والتعليمية والثقافية بنسبة3 .10%.

ولعل الإدراك العام بأن تكلفة الإيجارات تشكل السبب الرئيسي المسئول عن ارتفاع معدل التضخم، هو ما دفع المسئولين في الدولة إلى جعل جهود مكافحة التضخم تبدأ من معالجة ظاهرة الارتفاعات الصاروخية في أسعار الإيجارات، وهو ما تبدى بشكل جلي في تصريحات معالي الشيخة لبنى القاسمي وزيرة الاقتصاد بإشارتها إلى أن الحكومة تدرس قوانين جديدة تهدف إلى احتواء التضخم عن طريق الحد من ارتفاع الإيجارات وتعزيز المنافسة.

دبي ـ مجدي عبيد