قال محللون إن المشاكل الضريبية والإجرائية عرضت قطاع النفط المكسيكي لخطر كبير. ويوشك حقل كانتاريل المكسيكي الذي اكتشف في مارس من عام 1971، على النضوب، بعد أن كان ينتج 12 مليار برميل من النفط، فيما تسعى شركة بيمكس الحكومية، التي تقوم بإدارته، جاهدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فخلال الفترة الواقعة بين شهري يناير وفبراير من عام 2006، خسر حقل كانتاريل، خمس إنتاجه من النفط.
مسجلاً تراجعاً في الانتاج اليومي وصل إلى 6 ,1 مليون برميل يومياً من مليوني برميل ولقد كان لذلك الأمر وقعه السيئ على صناعة النفط، التي أصيبت بالذهول، فذلك الحقل الذي ينتج برميلاً من بين 50 برميلاً من النفط في السوق العالمية، ينضب بسرعة ما جعل المحللين، يتوقعون أن تتحول المكسيك، إلى دولة مستوردة للنفط في غضون ثماني سنوات.
هذا إلى جانب أن التراجع المستمر في ثاني أكبر حقل في العالم، قد يلقي بظلاله على أسعار النفط العالمية، حيث تكاد الإمدادات لا تلبي الاحتياجات المتزايدة، فضلاً عن إبقاء الولايات المتحدة معتمدة على وارداتها من الشرق الأوسط، ويعتبر تراجع حقل كانتاريل، مسألة عالمية، حيث ان قرابة ربع الانتاج العالمي من النفط، أي 85 مليون برميل يومياً، يجري ضخها من أكبر 20 حقلاً، وفقا لتقديرات وود مكنزي، شركة الاستشارات النفطية التي تتخذ من اسكتلندا مقراً لها.
وإن عدداً من تلك الحقول المكتشفة منذ عقود مضت، يمكن أن يحذو حذو حقل «كانتاريل» وثمة اعتقاد على نطاق واسع، بأن أكبر حقول النفط قد اكتشفت بالفعل، فخلال العقود حتى سبعينات القرن الماضي، اكتشف العالم ثمانية حقول كبيرة، تنتج ما بين 500 ألف إلى مليون برميل يومياً وفقاً لماثيو سيمونز، مصرفي صناعة النفط المخضرم.
وفي سبعينات القرن الماضي، اكتشف حقلان فقط، ومنذ ذلك الحين، فإن حقلاً واحداً وهو حقل كاشاغان في كازاخستان، يحتمل أن ينتج 500 ألف برميل يوميا، وفي الإطار ذاته، فإن 14 حقلاً انتجت أكثر من مليون برميل يوميا منذ عقدين مضيا، فيما تراجع عددها الآن إلى ثلاثة، أحدها حقل كانتاريل المكسيكي.
ويبقى مستقبل الحقلين الآخرين المكتشفين منذ أكثر من 50 عاماً في مهب الريح. ومن جهة أخرى فإن بعض المحللين يتوقعون بأن حقل «حوار» السعودي، أكبر الحقول قاطبة، يمكن أن يبدأ نضوبه التدريجي في غضون عقد أو يزيد.
فيما تظهر بوادر التراجع على حقل «برقان» الكويتي. وكانت شركة نفط الكويت خفضت في شهر نوفمبر من عام 2005 توقعاتها من مستويات إنتاج الحقل المستدامة من 9,1 مليون برميل يومياً إلى 7,1 مليون برميل يومياً.
إن تعويض التدفقات الهائلة ضرب من المستحيل، فالدول الصناعية التي استهلكت إنتاجها من حقولها الكبيرة منذ سنوات خلت عجزت عن الإبقاء على مستوى الإنتاج ذاته، رغم عثورها على عدد كبير من الحقول الأصغر. والاستثمار بكثافة في التكنولوجيا.
وفي عام 1983 استخدمت شركات النفط البريطانية 30 حقلاً لإنتاج 3 ,2 مليون برميل يومياً، وفقاً لإحصائيات رسمية وتستثمر البلاد حالياً 300 حقل. ورغم ذلك فإن الإنتاج يقل عن 5, 1 مليون برميل يومياً. وعلى المنوال ذاته فإن الولايات المتحدة القادرة على الوصول إلى أفضل التقنيات من الشركات الاستثمارية ذاتها، غير أن إنتاج ألاسكا الذي لحقت به أفدح الأضرار بسبب تدني الإنتاج في حقل «بردهوبي» العملاق من مليوني برميل يومياً عام 1988 إلى 900 ألف برميل يومياً الآن.
وفي هذا الصدد قال مايك رودجرز الشريك في شركة الاستشارات الصناعية بي اف سي انيرجي في هيوستون إن العالم في وضع يحاول فيه الإنتاج من الحقول الأصغر لتعويض الإنتاج من الحقول الكبيرة مثل كانتاريل غير أننا صرنا في دوامة ندور ودور ولا نحرز تقدماً، وفي المقابل فإن هناك بعض المخضرمين في الصناعة أكثر تفاؤلاً، حجتهم في ذلك أن التكنولوجيا والأسعار المرتفعة يساهمان إلى حد كبير في اكتشاف مصادر كبيرة من الوقود الخام غير التقليدي، مثل الرمال القطرانية في كندا.
هذا عدا أن التقنيات ستساهم في تأخير أي انخفاض في إنتاج الحقول الكبيرة باستخراج مليارات البراميل من النفوط الإضافية، التي كانت مكلفة أو يصعب الوصول إليها، ففي تكساس وكاليفورنيا فإن الحقول المكتشفة في أواخر القرن التاسع عشر ما زالت منتجة.
وفي هذا الصدد قال خالد الروضان الزميل الزائر في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إن العالم تمكن من تدبير أمره، اعتماداً على حقول النفط العملاقة خلال العقود العديدة الماضية. ولكن حتى لو كانت هناك نفوط كامنة تحت الأرض، فإن السياسات فوقها تقف حجر عثرة، فالعدد الأكبر من حقول النفط العملاقة المتبقية يقع في بلدان نامية، ويديرها شركات نفط حكومية، وكثير من البلدان مثل فنزويلا وإيران تستنزفها الحكومات بالضرائب التي تحد من قدراتها على الاستثمار في تكنولوجيات جديدة.
وفي المقابل، فإن «كانتاريل»، على غرار حقول النفط العملاقة الأخرى. يفخر بتاريخه الجيولوجي غير العادي، ويقول الجيولوجيون انه قد تشكل بواسطة حجم قضائي اصطدم بشبه الجزيرة منذ قرابة 65 مليون عام، وهو الاعتقاد السائد بأنه العامل الرئيسي في انقراض الديناصورات.
وقد تسبب الاصطدام بإحداث شقوق عملاقة تحت الأرض سمحت بتجمع النفط من ألفيات سابقة في موقع واحد. ولقد بقي الحقل كامناً إلى أن لاحظ الصياد «كانتاريل» تشبع شباك صيده بالنفط في ستينات القرن الماضي. وافتراضاً منه، ان النفط تسرب جراء عمليات «بيمكس» واظب على نقل شباكه المشبعة بالزيت مئات الأميال إلى ولاية «فيراكوز» المجاورة بحثاً عن التعويضات وأخيراً اغتاظ المسؤولون في بيمكس منه بحيث ذهبوا بصحبة «كانتاريل» للتأكد من صحة روايته. ولقد كان الحقل مبهراً.
ولقد مكن تشكل حقل «كانتاريل» من سهولة استغلاله بحيث أن الضغط الأولي في أول حقول بيمكس، أدى إلى إنتاج 36 ألف برميل من النفط يومياً، مقارنة بعدة مئات من البراميل في معظم الحقول. كما أن الحقل يقع في مياه ضحلة نسبياً، حيث يبلغ عمقها 46 متراً.
وتمتاز تلك المياه بهدوئها، حيث يمكن مشاهدة البراكودا وهي تسبح بين المنصات، وليست هناك حاجة لإنشاء منصات بحرية عميقة باهظة الكلفة ولا يحتاج كانتاريل الان إلا لـ 208 آبار لإنتاج ما يوازي ربع الإنتاج النفطي في الولايات المتحدة، في حين تحتاج الولايات المتحدة لآلاف الآبار لإنتاج كميات مماثلة.
غير أن غزارة الحقل، ولدت إحساساً بالخوف، فكما هو الحال في البلدان الغنية بالنفط، فإن المكسيك تعتمد على النفط في انفاقها الحالي، دون أن تلتفت إلى العواقب التي يمكن ان تنجم عن نضوبه ولقد كان حقل كانتاريل، في العام الماضي، مسؤولاً من قرابة 25 مليار دولار، من أصل 53 ملياراً سلمتها شركة بيكس إلى الحكومة. وفي المقابل، فإن فاتورة الضرائب الكبيرة.
خلفت نقصاً حاداً في السيولة لدى بيمكس لاستثمارها في التنقيب عن حقول جديدة لاستبدال حقلها النفطي السائر إلى الترهل، ولقد بلغ إنتاج كانتاريل مليون برميل يومياً بين عامي 1980، ومنتصف تسعينات القرن الماضي، عندما بدأ الحقل في فقدان الضغط تدريجياً.
ولقد انسحب ذلك على الحقول جميعاً. إذا أنها بدأت بضبط طبيعي عال، كونها كانت دفينة تحت طبقات عميقة من الصخور. ولكن، ومنذ لحظة فتح البئر في الحقل، واستخراج النفط، يبدأ الضغط في الانخفاض، مثل تنفيس الهواء من المنطاد.
ولذلك، فإن بيمكس بدأت منذ عام 1998، في حقن كميات ضخمة من النتروجين في الحقل، منتجاً أكثر من ضعف ذروته، حيث بلغ إنتاجه 3,2 مليون برميل يومياً في عام 2004. ولقد اعتبر القرار نجاحاً تكنولوجياً غير أنه أدى إلى تجفيف الحقل بسرعة وآذن بمرحلة نضوب متسارعة.
الأموال والتكنولوجيا يحولان دون زيادة الاحتياطي
بات نقص الأموال والتكنولوجيا حائلاً دون السيطرة على النضوب، فلم تكن لدى الشركة أي معدات في منصات كانتاريل، لفصل الماء عن النفط. ولذلك فإنه عندما تسربت المياه من باطن الأرض إلى الآبار، اضطرت بيمكس لإغلاقها. وأغلقت الشركة كل بئر ارتفع فيه منسوب المياه بين 3 ـ 5% من النفط، وعلى العكس من ذلك، فإن ثمة آباراً في تكساس، أمكن فيها الإنتاج بوجود 99% من المياه.
وفي هذا الصدد قال جوستا فوهيرنانديز، رئيس التخطيط في الحقل، إن المياه أخذتهم بغتة، مضيفاً أنهم يسعون إلى السيطرة عليها. وقال جوستا فوهيرنانديز: إن الشركة طورت المنصات لمعالجة محتويات المياه ما بين 8 ـ 9%.
وتقوم بتركيب مصانع فصل إضافية للمياه هذا العام. الأمر الذي سيسمح لها بإعادة فتح المزيد من الآبار، وكانت بيمكس، حفرت العام الماضي أولى آبارها الأفقية في الحقل، وهو أمر تستخدمه شركات النفط الغربية منذ ثمانينات القرن الماضي.
وتقوم على الحفر في البئر بصورة عمودية كالآبار الارتوازية، ثم الانتشار أفقياً، ممتدة أميالاً سامحة لمنصة واحدة باستخراج النفط من منطقة واسعة، وتزمع بيمكس حفر المزيد من الآبار هذا العام. وتقول «بيمكس» إن تلك الخطوة التي تمثل جزءاً من استثمار قيمته 4 ,2 مليار دولار في الحقل هذا العام،
ستعمل على إبطاء انخفاض الإنتاج في الحقل بحدود نصف معدله العام الماضي، وعوضاً عن 400 ألف برميل يومياً، فإن بيمكس تأمل في خسارة 200 ألف برميل من الناتج اليومي نهاية العام، وتقول الشركة إن كانتاريل، سيواصل انخفاضه بمعدل 10% سنوياً، حتى 600 ألف برميل في عام 2013.
ومن جهة أخرى، تأمل بيمكس في تخفيض حدة انخفاض حقل كانتاريل خلال السنوات الثلاث المقبلة. بتطبيق تقنية حقن النتروجين ذاتها في ثاني أكبر حقولها الإنتاجية كو ـ ما لوب ـ زاب، وهي مجموعة ثلاثة حقول تقع على مرمى البصر من منصة كانتاريل، غير أنه، بالرغم من تصنيفه ضمن الحقول العشرين الأولى في العالم، سيبدأ انخفاض إنتاجه بحلول عام 2011، وفقاً لمصادر بيمكس.
والواقع أن ثمة كمية كبيرة من النفط متبقية في المكسيك، خصوصاً في المياه العميقة القريبة من الخليج، غير أن قوانين المكسيك تمنع بيمكس من إقامة تحالفات مشتركة مع شركات استثمارية خاصة، من شأنها مساعدة الشركة في معرفة كيفية التنقيب في المياه العميقة، وتسعى بيمكس في الوقت الراهن، للإبقاء على إنتاج كانتاريل قدر المستطاع.
ومن جهته قال بنجامين ميلو، مدير منصة الكال سي إن الشركة تشتري تكنولوجيا جديدة من شركات خدمات عالمية، مضيفاً أن الحقل كان سخياً، وهناك كميات دفينة من النفط، لكنها لن تدوم إلى الأبد.
ترجمة: وائل الخطيب
