هل تحب أن تشاهد «مجنون ليلى» ؟،أجبت سريعا وبلا تردد: أتمنى ثم جاء توضيح للدعوة، لكنها باللغة الفارسية.. هل تعرف الفارسية؟ فرددت: «مجنون ليلى» وغيرها من قصص الحب الشهيرة لا تحتاج إلا أن تعرف لغة واحدة يكفي أن تعرف لغة الحب فهي لغة عالمية يعرفها كل العاشقين في كل أنحاء العالم.

تأنقت وأخذت قلبي معي وذهبت في ليلة حب إلى مسرح دبي الاجتماعي، حيث كانت الفرقة الإيرانية تعرض بالفارسية (مجنون ليلى) بصياغة شعرية للشاعر نظامي، وبرؤية إخراجية استعراضية غنائية للمخرجة الإيرانية الشهيرة باري صابري.وقصة مجنون ليلى معروفة، وقعت أحداثها في العصر الأموي، وأثرت في الأدب العربي وكان لها تأثير أيضا على الأدب الفارسي والتركي والهندي، وتحولت من قصة حب لم تكتمل إلى أشبه بالأسطورة والملحمة، فقد رفضت قبيلة ليلى زواجها من قيس بسبب قوله الشعر فيها، فهام ينشد شعره في حبها، وتزوجت المحبوبة فانطلق العاشق في الصحاري يشدو فيها قصائد الهيام والغرام وأوجاع الفؤاد والفراق، وماتت ليلي دون أن يدري وعندما علم اعتل وانحل وظل يدور وسط الفيافي وبين الحيوانات حتى مات، والسؤال الحائر هنا ـ ولكنه ليس موضوعنا ـ هل لو تزوج قيس ليلى وجميل بثينة وروميو جولييت وغيرهم من أبطال قصص الحب الخالدة، هل كنا سنعرفهم ونقرأ عنهم؟

وتأتي صعوبة هذا النص في مشاهدته سواء على المسرح أو كشريط سينمائي، في أن قصته معروفة وبطله يظل هائما في الصحراء يتوجع ويتألم وينشد الشعر في محبوبته، ويصبح التحدي الفني هنا، كيف تصنع عملا رومانسيا كلاسيكيا دون أن يصاب المشاهد بالملل،

وقد واجهت هذه التجربة منذ سنوات حين عرض في مهرجان القاهرة السينمائي فيلم من إنتاج مغربي مشترك عن نفس القصة، وكانت النتيجة نصف الحاضرين تركوا العرض قبل أن يكتمل، والنصف الآخر ظل جالسا متململا حتى جاءت إشارة النهاية فخرجوا يدعون على العاشقين، وكنت واحدا منهم.

وقد عولجت القصة الشهيرة من خلال نص مسرحي كتبه الشاعر المصري الراحل صلاح عبد الصبور «ليلى والمجنون»، ولكنه أخذ القصة كإطار واسقط الأحداث داخل مضمون اجتماعي وسياسي على الأوضاع المصرية قبل الثورة، كما قدمت كمشهد في صورة أوبريت داخل فيلم سينمائي «يوم سعيد» بطله محمد عبد الوهاب، وكان المشهد من نص مسرحي كتبه أمير الشعراء أحمد شوقي، وآخر المعالجات كانت منذ أسابيع في البحرين بصياغة للشاعر قاسم حداد وموسيقى وغناء وأداء مارسيل خليفة، وقد أثارت ضجة كبيرة بسبب الرقصات التي قدمت.

نعود إلى العرض الإيراني والى صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة فيه المخرجة الإيرانية باري صابري، والتي قالت إنها عملت من خلال «الاحترام الكامل للقوانين المفروضة»، وكأنها تقصد ـ على حد فهمي ـ أن العرض كان ممكنا أن يكون أفضل مما قدم، والحقيقة أن مثل هذه المخرجة صاحبة التاريخ الفني والتقدير العالمي كان ممكنا أن تثري هذا العمل الاستعراضي الغنائي في المقام الأول بكثير من الأفكار حتى تكسر ملل متابعة هذا العاشق الهائم في الصحراء يتوجع ويتألم وينطق شعرا.

فهذا النوع من المسرح يقوم على الإبهار في الضوء والملابس وميكانيزم الحركة وفي التشكيلات والمجاميع وأجهزة الصوت، ورغم كل الجهد فقد انحصرت الأحداث داخل دائرة داخل المسرح فضاقت الحركة وانغلقت، كما كان واضحا التكرار في الأداء الحركي للرقصات،

وهذا التكرار لفت نظرنا في أداء رقصات قيس وليلى والتي كانت أشبه بلطم الخدود، وفي رأيي أن المكسب الوحيد لهذا العرض هو الأداء الصوتي الغني بالمشاعر والأحاسيس والعذوبة من المطرب والمطربة، بالإضافة إلى الفلكلور الإيراني ومهارة العازفين على آلاتهم، ولكني آخذ على المخرجة استعانتها بمقطوعات عالمية وكنسية في قصة حب عذرية عربية.

الجميل في هذا العرض هو ازدحام المسرح بالحاضرين من كل الجنسيات ومن كل الأعمار، والملحوظ كان غلبة العنصر النسائي على الحضور، ولكن كانت الصعوبة أن يستمر العرض لساعتين متواصلتين بدون استراحة، حتي يهدأ العاشق وتستريح المحبوبة، ويتنفس قليلا محبو الفن الرفيع، وتحية إلى الفرقة الإيرانية عشاق الفن وعلى رأسهم المخرجة باري صابري، وتحية إلى مجلس دبي الثقافي الذي يثري الحركة الفنية باستضافته للأعمال الراقية على مستوى العالم.

دبي ـ بدوي شاهين