عندما تحضر السينما، يحضر المخرج أندريه تاركوفسكي حتماً، تحضر روسيا وبارادجانوف، تحضر الطبيعة واللون، الصمت والنار، المرآة والمطر، العشق والإنسانية. لا يمكن أن تُغافل ذاتك، أو تتناساها لأنها تحضر بعنف ورشاقة، كم هائل من العواطف التي تنساب بيسر إليك. تظن أنك تمتلك الحياة، وتعيشها بتفاصيلها، يُخيل إليك أنك أكثر رهافة من سنبلة، وأكثر صموداً من حجر. غير أن ما يحدث هو بالتأكيد غير ذلك، هو مزيج من ألم دفين وحنين متأجّج. هو الذوبان التام لميكانيكا العواطف، حينما تختلط؛ فتتخلّص من خاصية التمييز.
يحدث ذلك عندما تُشاهد الفيلم الجديد «الإبعاد» للمخرج الروسي أندري زياغنتسييف، الذي عرض في المسابقة الرسمية لمهرجان «كان». هذا المخرج الآتي من جذور واضحة جداً لسلفه العبقري تاركوفسكي، يحضر هنا في ثاني إخراج له بعد الفيلم التحفة «العودة» (2003)، الذي خطف جائزة الدب الذهبي في مهرجان فينيسيا الدولي، وأكثر من أربعين جائزة في مهرجانات أخرى، يعود بالقوّة ذاتها، وبالأسلوب السينمائي البحت ذاته التي أسسه تاركوفسكي، ليصدمك بقدرته الإخراجية الهائلة، وبخصوصية اختياره للعلاقات الإنسانية المتشابكة في إطار الأسرة الواحدة. نقول تاركوفسكي، لأن الأسلوب المتّبع هنا هو ذاته، والعناصر ذاتها، حركة الكاميرا والممثلين، المطر والمرآة، الوجوه الناطقة بالتعابير الإنسانية المؤلمة في لحظات صمتها وغضبها. الكاميرا التي تُدهشك وتصدمك أيضاً، عندما تتخلّص من شغبها لتفاجئك بما هو آتٍ في الزمن اللاحق. ربما هي السينما التي تعرف عن الحياة أكثر مما تقوله في الواقع. مشاهد كثيرة في «الإبعاد»، تعرفها جيداً في أفلام تاركوفسكي: من «المرآة»، «حنين»، وبالأخص «ستالكر» في مشهد مرور الكاميرا على ممر مائي معبّأ بالنفايات والأشياء المهملة.
«أليكس» (كونستانتين لافرونينكو) وزوجته «فيرا» (ماريا بونيفي) وطفلاهما يتركان مدينتهما العصرية في رحلة إلى الريف، حيث منزل والد «أليكس» ليقيما هناك. هذه الرحلة التي هي بداية سعيدة ربما لأسرة سوف تجتمع في عزلة مع ذاتها وسط طبيعة خلابة، وفرصة سانحة لتجديد العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة، بعد أن طحنت المدينة الصناعية أو المصطنعة كل العواطف الأسرية، وسحقتها ضمن آلة المدينة المتوحشّة، وآلية الحركة السريعة في المجتمع المدني. هذه الرحلة ذاتها التي ستكشف مدى هشاشة العلاقة بين الزوجين، والسعادة المزيفة أو الوهمية التي كانا يعيشانها أو بالأحرى يمارسانها في حياتهما اليومية.
وسط طبيعة أخاذة، وحركة حياة بطيئة، يصاحبهما إيقاع بطيء وسلس في الإخراج، وسط مطر بارد، تمطر على حياتهما لعنات شرسة تدفعهما إلى تخوم الأحاسيس الخطرة، التي تتناقض مع صمت الطبيعة، وتدفعهما إلى حافة الانهيار، ليس البدني والعاطفي فقط، ولكن إلى حواف الروح المعلقّة على قضبان صدئة ومرتكزة على رمال متحرّكة، ليصبح بقاء أحدهما مصدر قلق مزمن للآخر.
يحدث ذلك عندما تبوح الزوجة لزوجها أنها حامل، وأن الطفل ليس منه. يحدث ذلك عندما يكون وقع الخبر على الزوج أكثر قسوة من المدينة، والمطر لزجاً أكثر من الوحل، والتلال الخضراء أكثر يباساً من دخان المصانع، والصمت أكثر إزعاجاً من صفير مركبات الشرطة. يدخل «أليكس» في دوامة الرجل العصري المتحرّر وسط قبلية الريف المتعجرفة، بين محاولة فهم ما حدث، ومحاولة قتل ما يحدث، بين الزوجة التي يحب، والزوجة التي لا يعرفها الآن. بين الطفلين الجميلين الذي أثمرا من هذه المرأة، والطفلين المشردين بسبب هذه المرأة.
يحاول «أليكس» فهم ما يجري مع نفسه أولاً، وبالحديث إلى زوجته ثانياً، ولكن الحدود التي صنعتها رتابة الحياة الزوجية في المدينة أقوى من فهم سريع لما يحدث هنا في هذا المنزل البدائي الريفي الصغير. هنا على هذه التلة، لا تعرف الحياة هذا النوع المتشابك من العواطف، هي تسير على وتيرة واحدة خالية من «الفضائح»، بينما نبتة الشر قد زرعت، وآن موسم الحصاد.
يقرّر «أليكس» التخلّص من الحمل ليستمر في علاقته الزوجية، عليها أن تجهض الجنين، مقابل الاحتفاظ بأسرتها. «فيرا» لا تمانع قرار زوجها، وتنصاع بطريقة سلسة، ويحدث ذلك سريعاً، يستأجر الزوج -بمساعدة من أخيه ـ من يقوم بذلك خفاءً، ويتم الإجهاض، غير أن النتيجة أكثر مأساوية من الفعل ذاته. تبزغ شمس الصباح على جسد «فيرا» الممدّة وهي جثة هامدة، تموت ويموت الجنين، ويُقتل الرجل والإحساس في «أليكس». يتأوّه لفعله الإجرامي، ويرى «فيرا» بعين أليفة كان قد أغمض عنها منذ اعترافها له.
لا تنتهي الحكاية هنا، بل هي بداية خيط لمعرفة ما حدث فعلاً مع «فيرا»، هل كانت على علاقة برجلٍ آخر؟ هل كان الجنين ابناً غير شرعي؟ هل توفيت بسبب عملية الإجهاض؟ تتكشف هذه الأجوبة عندما تستيقظ مشاعر الندم لدى «أليكس»، ويشرع في مساءلة نفسه، لتأخذ الحكاية أسلوب «الفلاش الباك» المنعكس والمتجذّر في اللحظة الآنية.
فيلم «الإبعاد» ـ المقتبس عن قصّة للكاتب ويليام سارويان ـ كما يقول مخرجه «هو كأي فيلم.. هو عنّا نحن، يشبهنا كثيراً: أناس جميلون وسط ظروف تراجيدية ويائسة»، لا يخلو من الشعر، والسينما الخالصة، العواطف النبيلة، والحس الإنساني المرهف، لا يخلو من الحب والغيرة، الأمومة والنكران، اللون والظلمة، الخيال والواقع
«كان» ـ مسعود أمرالله آل علي

