كحالها في جميع مرافق الإبداع، استفادت السينما الأميركية من المساهمات التي قدمها ويقدمها الوافدون إليها، أو أولئك الذين تمكّنت من اقتناصهم من بلدانهم، ووفرت لهم إمكانيات إطلاق العنان لمواهبهم، وفي غالب الأحيان هم من الطاقات الكبيرة في مجالاتهم المتعددة.
الفضاء الذي تفتحه الولايات المتحدة أمام هذه الطاقات، والفرص التي توفّرها لهم هي أكبر بكثير ممّا تُتيحها لهم بلدانهم، لكن الرحيل المتواصل إلى ما وراء المحيط، يُفقر بشكل متواتر تلك البلدان ويُفرغها من الطاقات التي يمكن أن تساهم في لحظة ما في عملية البناء، لو أُتيحت لها الفرص بطبيعة الحال. هذه الفكرة تواردت في ذهني، وأنا أخرج من العرض الأول لفيلم «ماي بلوبيري نايتس» (أمسياتي العنابية) من إخراج وونغ كار واي القادم من هونغ كونغ، والذي بدأ بهذا الفيلم رحلة الغربة الثانية بعد أن غادر مسقط رأسه بكين، إلى شنغهاي برفقة والديه، وهو لمّا يزال في الخامسة من العمر. «إليزابيث»، التي أدتها المغنية نورا جونس في أول دور سينمائي لها بشكل معقول، تكتشف خيانة حبيبها، وتبدأ برحلة هرباً من الانهيار، قبل رحيلها بساعات تلتقي بالشاب جيريمي (جود لو) وهو صاحب «بار» ولد في انجلترا وجاء إلى نيويورك بحثاً عن الحلم، لكنه انتهى في إدارة هذا «البار» في نيويورك. «جيريمي» إيجابي وصار محطة لكل الخسارات التي يتعرّض إليها الآخرون، وأصبحت زوّادته الزجاجية مخزناً لجميع المفاتيح التي يتركها الخاسرون والمخدوعون لديه قبل رحيلهم.
إليزابيث أيضاً تترك لديه مفاتيح البيت لعلّ حبيبها الخائن يمرّ على ذلك «البار». إليزابيث ليست راغبة في إيصال المفاتيح إلى ذلك الحبيب بقدر ما هي معنية إيصال شتيمة تُصبح خاتمة لتلك العلاقة. وكما يحدث عادة في اللقاء الأول ما بعد الانكسار، والذي يحدد مستقبل صلتك بالأشياء، فإن إيجابية «جيريمي» وموضوعيته تخفف من غضب «إليزابيث»، وتقلل من وطأة الخسارة لديها، يضاف إلى ذلك أن جيريمي يُعدّ فطيرة عنب أزرق لذيذة، تذوقها الفتاة وتذوق في الحلم قبلة رائعة لجيريمي تزيد من استطاعتها على الابتسام للحياة.
إليزابيث لا ترحل في الحال، بل تواظب لأيام على تنأول تلك الفطيرة في الساعة ذاتها من اليوم، إلى الدرجة التي تُصبح فيها زيارتها للمكان جزءاً من اعتياديات النهار لدى «جيريمي» الذي يُعد لها المكان حتى قبل أن تصل ويتناول هو أيضاً بصحبتها كعكة الجبن التي يحبها. يفعلان ذلك كما لو كانا في المنزل. جيريمي يواصل إعداد المائدة ل«إليزابيث» حتى عندما تغادر الفتاة مرتحلة في طول وعرض الولايات المتحدة، ولا يتخلى عن هذه العادة في كل يوم، حتى عندما تعود إليزابيث من رحلتها بعد مئات الأيام تجد الطاولة مُعدّة، كما لو كانت في المرة الأولى وكأن «جيريمي»، بإيجابيته المطلقة، كان واثقاً من عودتها لأن القبلة التي ذاقاها معاً كانت بمثابة الآصرة التي ربطت بينهما، ربما إلى الأبد.
المخرج وونغ كار واي جرّب بهذا العمل أكثر من مُعطى، فهو أنجز عملاً ينتمي إلى تيار ال«رود موفي» لكن دون أن تكون الرحلة بطلاً أساسياً في الشريط، فإليزابيث تقوم برحلة طولها آلاف الأميال، وفي زمن يناهز عاماً كاملاً، من دون أن تتحرك في المكان، ونراها على متن سيارة في طريق العودة فحسب. والمُعطى الآخر الذي جرّبه، بل أكده وونغ كار واي، هو أن بإمكان لحظة صفاء أو حتى حلم قبلة تحويل الغضب الجيّاش الناتج عن حيف حبيب، إلى حالة من الطيبة والإيجابية المطلقة. وقد يبدو الفيلم صيغ بهذه النهاية لتكون بنهاية سعيدة على طريقة الأفلام الأميركية، إلاّ أن حكمة وصفاء الشرق الآسيوي ينبضان في الفيلم ليس في النهاية فحسب، بل في الحوارات التي تجري بين «إليزابيث» و«جيريمي».
أما المُعطى الثالث الذي أكده هذا الفيلم، فهو أنه قدم مغنيّة مُجيدة مثل نورا جونس كممثلة بقدرة أدائية ما فوق المتوسط وباحتمالات شحذ تلك الطاقة في أعمال لاحقة، على أمل أن لا تكون هذه التجربة هي الوحيدة لها في عالم السينما، كما حدث مع المغنية السويدية بيورغ التي ابتدأت العمل السينمائي في شريط «الراقصة في الظلام» من إخراج لارس فون تريير وفازت بجائزة أفضل ممثلة، لكنها توقفت عن العمل السينمائي، مشيرة أن «التجربة في ذلك الفيلم كانت كافية في هذا الإطار، فأنا مغنية ولست ممثلة».
حكاية انكسار ونهوض «إليزابيث» تتقاطع في الشريط مع ثلاث حكايات للانكسار. بالإضافة إلى حكاية «إليزابيث» ولقائها مع انكسار «جيريمي» الذي هجرته حبيبته الروسية «كاتيا»، ثمة حكاية انكسار الشرطي (أرني) الذي أدّاه النجم الرائع ديفيد ستراتين، وقصة ليزلي (ناتالي بورتمان)، وآرني الذي يعشق طليقته سولين (راشيل ويز) ولا يرضى أن يقتنع بفكرة أنهما انفصلا عن بعضهما منذ أربعة أعوام، وليزلي الغارقة في الترف لا ترضى بفكرة أن يَصدُقَ معها والدها ولو مرّة واحدة في حياته. كلا الشخصيتين تتواجهان مع الموت. النجمان ناتالي بورتمان وديفيد ستراتين أديّا دورين جانبيين رائعين، وأعارا تجربتيهما إلى هذا العمل بشكل جميل.
السينما الخالصة وتحريك المشاعر
من رومانيا التي هدّم كل ما فيها الديكتاتور السابق نيكولاي تشاوشيسكو ودخلت الاتحاد الأوروبي قبل خمسة أشهر فحسب، وصل شريط «أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان» وهو العمل الروائي الثالث للمخرج الروماني كريستيان مونجو المولود في مدينة لاسي الرومانية عام 1968. في هذا الشريط أيضاً قصة صداقة خاصة بين فتاتين تصل إلى العمق بمقدرة عالية على التضحية. يروي الشريط الأيام الأخيرة لحكم الديكتاتور تشاوشيسكو من خلال الرعب المتولّد لدى الفتاتين، وهما تواجهان معضلة كون إحداهن حبلى.
فيلم ينتمي إلى تيار السينما الخالصة أنجز بالاعتماد على تعاليم أباء مدرسة الواقعية الإيطالية الجديدة،من دون فذلكات مونتاجية أو أية محاولة لدغدغة العواطف بالموسيقى. الكاميرا الثابتة وأداء الممثلين الأساسيين الثلاثة، وبالذات الشابة آنا ماريّا مارينكا، إضافة إلى قدرة الحكاية على تحريك المشاعر وشدّها. هذه المفردات الأساسية التي استند إليها المخرج، مواجهاً مظالم حكم الديكتاتورية ومسببات انهيارها، بالطريقة التي شهدناها في ليلة من ليالي رأس السنة الميلادية عام 1989.
ورغم عرض الشريط في اليوم الثاني من المهرجان، فإنه وضع اسم الممثلة الشابة آنّا ماريا مارينكا ضمن الأسماء التي ستناقشها لجنة التحكيم الدولية برئاسة البريطاني ستيفن فريرز كمرشحة لجائزة أفضل ممثلة. فرصها وحظوظها كبيرة لاسيما وأن اللجنة تضم في صفوفها أربع ممثلات والممثل الفرنسي الكبير ميشيل بيكولي وتضم أيضاً مخرجين، مثل البريطاني ستيفن فريرس والإيطالي ماركو بيللوكيو اللذان يعشقان نوعية الأداء الكثيف الذي أدت به مارينكا دور «أوتيليا»

