الاقتصاد يسبق السياسة.. حقيقة لم تكن مطبقة ولا منتشرة خلال الجزء الأول من النصف قرن الأخير، ومع زيادة الفقراء في العالم وظهور المجاعات في أقاليم عديدة من أفريقيا وآسيا، وما نتج عن ذلك من إرهاب أصبح يهدد دولاً عديدة فقيرة وغنية، مع كل هذه السلبيات الخطيرة أصبحت هذه الحقيقة هي الأساس الذي يعتمد عليه العالم في التخطيط العالمي والإقليمي والمحلي،
وأصبح التقدم والتخلف في أي دولة يقاس بقدراتها ومقدراتها الاقتصادية وليس بقوتها السياسية أو العسكرية مثلما كان الحال عليه منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ونشأة الأمم المتحدة. كانت هذه الحقيقة أمام المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد في قطر خلال الشهر الماضي والذي صدر عن طريقه تقرير التنافسية الدولية المبني على القوة الاقتصادية لكل دولة
وهو يعكس الوضع الصحيح لقوة الدولة وكفاءتها الاقتصادية وأداء القائمين على أمورها بل ولكل المواطنين فيها، وهذا التقرير يعتبر مرآة واضحة وغير منحازة للقوة الاقتصادية لكل من الدول الواردة فيه. وبموجب هذا التقرير تبوأت دولة الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى على الصعيد العربي،
وذلك ضمن مجموعة دول المرحلة المتقدمة من التطور، وهو ما أورده أيضاً تقرير التنافسية العربية 2007، حيث ساهمت الإدارة الاقتصادية الرشيدة في توفير البيئة الصالحة المستقرة للاقتصاد الكلي والتي عززت كفاءة المؤسسات العامة، كما تبوأت الدولة المرتبة السادسة على الصعيد العالمي في الاقتصاد الكلي.
وفي حيثيات هذا التقييم المتميز اعتُبِرت دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر البلدان التزاماً بمعايير الشفافية على مستوى الدول العربية، وذلك من واقع الدراسة التي أجرتها منظمة الشفافية الدولية بشأن معدلات الفساد في العالم والتي تعتمد على معايير عديدة - من بينها مدى التزام مؤسسات الدولة والجهاز القانوني بمعايير الشفافية
وتطبيق هذه المعايير في طرح المناقصات بالنسبة لكافة المشروعات القائمة، ومنها أيضاً مدى التعاون والتنسيق بين الأجهزة الإدارية الحاكمة في الدولة التي تشرف على تحصيل أكبر موارد للدولة وتستخدمها في الإنفاق على أفضل بنية أساسية لصالح المواطنين ولمستقبل أبنائهم.
ويهمني أن أذكر بعض المؤشرات التي ساعدت على الوصول الاقتصادي القوي لهذه الدولة الرائدة وجعلتها تحصل على المرتبة الأولى بين الدول العربية والمرتبة السادسة بين دول العالم المختلفة:
ـ الشفافية التي يتصف بها حكامها والمسؤولون الإداريون فيها وكذلك الخبراء الفنيين الذين يديرون دوائرها، بالإضافة إلى الأمانة القومية التي يعملون في ظلها واضعين في اعتبارهم صالح الدولة قبل أي اعتبار آخر - يحترمون شعبهم ويسهرون على راحته ومعالجة مشاكله بكفاءة واقتدار.
ـ الدخل القومي المتزايد للدولة الذي يستثمر في إقامة المشروعات القومية الكبرى وإنشاء البنية الأساسية المتميزة والتي يتحدث عنها الجميع ـ مشروعات وهياكل قوية تساهم في تقدم الدولة وإسعاد المواطنين وذلك بعيداً عن الاهدار والإسراف الذي ينتشر في دول عديدة يتباطأ فيها النمو ويتسع فيها الفقر وتواجه مشاكل اقتصادية عويصة.
ـ الكفاءة الفنية والإجادة العملية في الأداء والنضج الفكري وهي عوامل وضعت في الاعتبار عند اعتلاء المناصب الإدارية كبيرة كانت أو صغيرة، وبالتالي فإن كافة دوائر الدولة تدار بأفضل الأساليب الحديثة وفي ظل معلومات وآليات متطورة، حيث يعكف الجميع على دراستها واختيار أفضل وسائل البناء والتقدم.
ـ المتابعة المستمرة للتطورات الاقتصادية العالمية وللمستجدات التكنولوجية التي تتم على الصعيد العالمي، مع الاستفادة بأحدث ما يصل إليه العلم وبالاستعانة بالخبراء والعلماء الذين يبتكرون هذه المستجدات لصالح البشرية مع تطويرها بما يتناسب مع العادات العربية المحلية.
ـ الاحترام المتبادل والسلوكيات الطيبة والتعاون الخالص بين المواطنين العاديين، وبين المواطنين والرسميين في دوائر الحكومة، وبين المواطنين والأجانب حيث شكلت عوامل ضرورية كانت وراء توسيع نطاق الاستثمار في المشروعات الإنتاجية والخدمية التي تميزت بها الدولة وفي مقدمتها المشروعات الضخمة التي تقوم بها إعمار العقارية والتي لا يوجد لها مثيل في أي دولة في العالم.
ـ ولا شك أن هذا المستوى الاقتصادي المتميز الذي وصلته دولة الإمارات العربية المتحدة يلقي عليها عبئاً قومياً كبيراً في المنطقة العربية باعتبارها دولة رائدة، فعليها أن تساهم في بث تعاون اقتصادي عربي عملي وصادق، وذلك في ضوء مرحلة جديدة يخططها مؤتمر قمة اقتصادي
كان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي أول من طالب بها في العام الماضي، إيماناً من سموه بأهميتها لكل الدول العربية، وإن شاء الله يتم انعقادها خلال شهور قليلة قادمة وبمساهمة مادية ومعنوية وتنظيمية من الدولة.
ـ إن التقدم الاقتصادي للدول أصبح المقياس الدولي الذي تستخدمه المنظمات الدولية في تقييم الدول المختلفة، والدولة القوية اقتصادياً وإدارياً هي التي تستطيع أن تسعد شعبها وتستطيع أن تتعاون إقليمياً ودولياً في بناء سلام دولي عادل أصبح العالم يفتقده في ضوء حوادث الإرهاب الخطيرة التي يعتبر الفقر من أهم أسبابها،
وإن كان هناك دول كبرى تعتقد أنه يوجد دوافع سياسية لها ويضعون خططهم في محاربة الإرهاب على أساس هذه الدوافع التي لا تستند إلى واقع أو منطق مثلما حدث في العراق. وإذا كان تقدم المستوى الاقتصادي في مختلف الدول والشعوب هو العلاج الفعلي والحاسم للقضاء على الإرهاب ومنعه في المستقبل، فإن الآليات الاقتصادية التي تستخدمها الدول المتقدمة حالياً، وتلك التي في سبيلها إلى التقدم،
ومن بينها الاتفاقيات الدولية التي أنشأت منظمات عالمية أهمها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، هذه الآليات مطلوب منها تغيير استراتيجياتها وأنظمتها وبما يؤدي إلى عدالة اقتصادية دولية تحصل كل دولة في ظلها على نصيبها الاقتصادي العادل الذي يتناسب مع مواردها الطبيعية والمادية ومع جهود وأنشطة المواطنين فيها.
ـ وهي قاعدة أُنشئ صندوق النقد الدولي من أجل تحقيقها، وذلك بما يطالب به من توازن دائم لميزان المدفوعات في كل دولة على حدة وفي كل منطقة إقليمية تضم دولاً مختلفة حتى لا تعتصر دولة مجهود دولة أو دولاً أخرى، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل سعر صرف عادل للعملة المحلية، سعر صرف يتناسب مع القوة الاقتصادية للدولة، لأن سعر الصرف الذي يزيد على القوة الاقتصادية الحقيقية للدولة يؤدي إلى ارتفاع لأسعار صادرات الدولة السلعية والخدمية بالخارج،
وبالتالي يؤدي إلى انخفاض في صادراتها يقدر بنسبة زيادة سعر الصرف عن حقيقته، وبالتالي فإن الصندوق عادة يدخل في مباحثات مع هذه الدولة لخفض سعر الصرف أو زيادته حسب الحاجة وتقرير عقوبات ضدها ما لم تستجب لتوصياته حتى يتفق السعر مع حقيقة قوتها الاقتصادية.
وهناك نموذج خفي لذلك يحدث بين الصين والولايات المتحدة الأميركية التي تطالب المسؤولين الصينيين برفع سعر صرف اليوان حتى لا تنافس الصادرات الصينية المنتجات الأميركية سواء في الداخل أو في الأسواق الخارجية، وقد أصبحت هذه المطالبة ضرورية بالنسبة للأميركيين الذين أهملوا في ظلها الخلافات السياسية السابقة مع الصين والمستمرة منذ ما يقرب من نصف قرن،
وهو ما يوضح أن الأوضاع الاقتصادية أصبحت تفوق الأوضاع السياسية. والعسكرية في الوقت الحاضر وفي المستقبل القريب، فالوزن الاقتصادي للدولة والمستوى المعيشي لشعبها أصبح المقياس الرئيسي لتقييم قوة الدولة ومدى تنافسيتها مع غيرها من الدول.
كما أن ذلك أيضاً يؤكد أهمية وضرورة التعاون الاقتصادي العربي في ظل عمل مشترك موحد، مع الإسراع في خلق منطقة اقتصادية عربية قوية تعيد للأمة العربية مجدها وقوتها وتساعدها في علاج مشاكلها السياسية التي تستنفد الكثير من جهدها ووقتها وتبعدها عن الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي،
وهو ما يتطلب مبادرة قومية من زعماء يؤمنون بتفوق الاقتصاد على السياسة وينجزون تنسيقا اقتصاديا عربيا يستفيد من اقتصاديات الحجم الكبير وينافس الدول المتقدمة اقتصادياً ويعلو عليها.
كاتب ومحلل اقتصادي