الأهداف التي أنشئ البنك الدولي وصندوق النقد الدولى من أجلها تبدو في وثائقه التأسيسية الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المطلوبة والنبيلة، لكن مشكلة هاتين المؤسستين الدوليتين لاتنبع من نصوص أهداف التأسيس بقدر ماتنتج عن السياسات المغرضة للدول الكبرى التي تمول والتي تسيء توظيف هذه الأهداف بحيث تتحول هذه المؤسسات الاقتصادية إلى أدوات سياسية للمنح والمنع والتحكم في سياسات الدول النامية تحت أغطية تبدو إصلاحية !

يجرى ذلك بالممارسات السياسية التي تتحكم بها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في هاتين المؤسستين من خلال العرف الجاري، بقوة الممول الأكبر، بهيمنة أميركا على تعيين مدير البنك بينما تهيمن أوروبا على تعيين مدير الصندوق، وبالتالي على سياسات الدول لإخضاعها،

سواء بشروط منح القروض لدول نامية، أو بمبررات منعها تحت ححج مختلفة من بينها وجود فساد في الإدارة الحكومية، أو ضعف قدرة الاقتصاد على السداد. ونتيجة للانتقائية وللمعايير المغرضة فضلاً عن الأعباء المتباينة التي ترتبها هذه القروض على اقتصادات هذه الدول، أو بالتقارير غير الدقيقة أحيانا للأوضاع الاقتصادية،

وأخيرا بالفساد الذي يظهر بين الحين والآخر في هاتين المؤسستين وآخر فضيحة «وولفويتز» الذي يعلن أنه يحارب الفساد بينما أدانته لجنة القيم بممارسة الفساد المالي لصالح عشيقته من جيوب الممولين، بدأت بعض الدول النامية ترفض روشتات البنك للإصلاح ولاتسلم بشروط الصندوق للإقراض وتتهم سياسات عهده المؤسسات بافقار الشعوب.

في حين أن أهداف تأسيس البنك تقول إنه يوفر القروض المساعدة لحكومات البلدان النامية لتمويل الاستثمارات وتشجيع النمو الاقتصادي بالاضطلاع بمشاريع البنية الأساسية مثل الطرق والمدارس والمستوصفات وشبكات الري، وبأنشطة من قبيل إعداد المعلمين وتحسين برامج التغذية . كما يمول بقروضه كذلك مايسميه الإصلاحات وذلك بهدف إجراء تغييرات في تركيب اقتصادات البلدان لجعلها أكثر استقرارا وكفاءة وتوجها إلى السوق.

والمفروض أن يمارس البنك سياسته باعتباره شريكا في العمل على فتح الأسواق وتقوية الاقتصادات لا إضعافها، وأن رسالته تتمثل في تحسين نوعية الحياة وزيادة الرخاء للناس في كل مكان، وخاصة أفقر سكان العالم لا إفقارهم، وانطلاقا من أن الأهداف الاجتماعية لا بد أن تعتمد على دعامة من الاستقرار الاقتصادي، فإن عليه جلب المال للمشاريع الانمائية بأدنى الأسعار السوقية للفائدة وعلى إقراض عملائه هذا المال دون شروط علنية أو خفية لأغراض انتاجية لا سياسية.

ان الحاجة إلى إصلاح هذه المؤسسات بالتصدي للفساد والتحيز بما لها من آليات مراقبة ذاتية وبما يمكن أن تتخذه الدول النامية في الحوار بين الشمال والجنوب من مواقف، سواء الرافضة لروشتاته الإصلاحية الاقتصادية بما يزيد الاضطرابات الاجتماعية نتيجة زيادة معدلات الفقر والبطالة الناتجة عن التغيير الهيكلي غير المدروس للهياكل الاقتصادية في الدول النامية باتجاه الخصخصة، وارتفاعات الأسعار بإلغاء الدعم لتحرير السوق تبدو ضرورية.

حيث ان البنك الدولي، في سعيه إلى التخفيف من الفقر، كما تحدد هدفه طبقا لما يشير موقعه، له نحو 7,4 مليارات إنسان ممن يجب أن يستفيدوا من أمواله حول العالم، ومن بين هؤلاء ..

3 مليارات يعيشون على أقل من دولارين في اليوم . و مليار يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم . و100 مليون يبيتون على الطوى كل ليلة. وأكثر من مليار يفتقرون إلى مياه الشرب النظيفة. ومئات الآلاف من النساء يمتن في ظروف متصلة بالولادة وذلك بسبب القصور في خدمات الصحة والنظافة العامة. وما يقرب من 40 مليون طفل يموتون كل سنة من أمراض لها علاجات معروفة.

من هنا كانت مواقف الدكتور مهاتير محمد في ماليزيا الرافضة لروشتات البنك الإصلاحية الاقتصادية، والرافضة لقروض صندوق النقد الدولي عملا أساسيا في انقاذ الاقتصاد الماليزي من الأزمة العاصفة لأسواق المال التي ضربت دول جنوب شرق آسيا.

ومن هنا لم يفاجأ العالم بإعلان الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز انسحاب بلاده رسميا من البنك الدولي (WB) وصندوق النقد الدولي (IMF) بعد أن سددت ما بذمتها لهما، واصفا المؤسستين الواقعتين في واشنطن بأنهما وسائل امبريالية تهدف إلى استغلال الدول الفقيرة.

وقبل قرار شافيز بأيام كان قرار رئيس الإكوادور الاشتراكي رافائيل كوريا طرد ممثل البنك الدولي في العاصمة الإكوادورية «كيتو» بتهمة الابتزاز في بداية حملة في ال22 من الشهر الماضي ضد البنك الدولي الذي تعاقب على إدارته كوادر البنتاجون الأميركي من «ماكنمارا» إلى «وولفويتز»

مشيرا إلى أن الإكوادور ليست مستعمرة لأحد ولن تتساهل مع ما أسماه عمليات الابتزاز التي تمارسها ما وصفها بالبيرقراطية الدولية.وربما عبر شافيز في خطابه بمناسبة عيد العمال عن احتجاج الدول النامية ومعاناتها مع البنك الدولي الذي تابعنا تبعيته لواشنطن بفرض الشروط على مصر لمنع بناء السد العالي تبعا للخطة الأميركية «جاما»،

حيث فساد يحارب الفساد وإفساد يقترح الإصلاح حين قال «لن يكون علينا بعد اليوم أن نذهب إلى واشنطن لطلب أموال من البنك الدولي أو الIMF أو أي أحد». مضيفا أنه «من الأفضل لنا أن نخرج من هذا البنك قبل أن ينهبونا».

كاتب ومحلل اقتصادي