دمشق هي أقدم مدن العالم المأهولة. يجد الزائر إليها دلالات كثيرة لكنها تبقى عصية كالحسناء لا تظهر إلا لمن يسعى إليها في جد، وهي كاللوحة التي لا يتذوق سحرها إلا من صقلته الخبر بالفنون وعرف الاستمتاع بها، وتقاطعت فيها طرق التاريخ فجمعت كنوز الحضارة.. قلب دمشق العريقة دائرة يتوسطها الجامع الأموي الذي يضم ضريح صلاح الدين الأيوبي وبالقرب منه خان أسعد باشا ذو القيمة المعمارية الذي جمعت فيه كنوز دمشق. وهناك يترك لك سوق البزورية نكهة خاصة بما يختزنه من تقاليد دمشق. تعبق فيه العطور والتوابل والأعشاب وتزينه علب الحلوى الشامية.
وإذا اتجهت جنوباً رأيت حي القنوات وحاراته المقنطرة وخارج السور ستجد سوق ساروجة والميدان والصالحية والقنوات والعمارة والشاغور وترى فيها آثاراً تاريخية قيمة وبيوتاً جميلة وأضرحة قديمة. ومحطة الحجاز تذكرك بالزمن الذي أنشئت فيه سكة الحديد. وفي محيط التكية السليمانية توجد حديقة الأمة التي عرفت الاجتماعات الوطنية أيام الاحتلال الفرنسي. ولا ينسى الزائر المدرسة الشامية البرانية التي أسستها ست الشام وفيها قبرها وقبر ابنها وزوجها. عرفت دمشق منذ القدم بأنها ملتقى الطرق التجارية القديمة وبوابة الساحل إلى الداخل ودار عز وعاصمة ملك ومركز ثقافي وصناعي وزراعي، ودمشق بلد مضياف ما من غريب قصدها إلا وجد فيها الأمان والمكان والقبول من السكان.
قال عنها محمد بن أحمد المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم:دمشق هي مصر الشام ودار الملك أيام بني أمية فيها قصورهم وآثارهم بنيانها من خشب وطين وعليها حصن أكثر أسواقها مغطاة ولها سوق على طول البلد مكشوف حسن وهو بلد خرقته الأنهار وأحدقت به الأشجار وكثرت به الثمار مع رخص أسعار وثلج وأضداد لا ترى أحسن من حماماتها ولا أعجب من فواراتها ولا أحزم من أهلها.
تقع دمشق على خط الطول 3618 شرقي غرينتش وعلى خط العرض 3321 شمالاً وترتفع عن سطح البحر نحو650 متراً، وتعتبر أقدم مدينة مأهولة في العالم ، واحتلت دمشق منذ التاريخ مكانة مرموقة في شتى الميادين شملت العلوم والثقافة والسياسة والتجارة والصناعة والفن. ويعود نشوء دمشق إلى تسعة آلاف سنة قبل الميلاد وقد اختلفت الروايات التاريخية في تحديد معنى تسميتها والأرجح أنها كلمة ذات أصول كلدانية قديمة تعني الأرض الزاهرة أو العامرة. وقد سميت جلق ومدينة الفيحاء والشام. وأطلق عليها الإمبراطور جوليان «لؤلؤة الشرق» وفي العربية يطلق عليها دمشق الشام وفي اللغة الإنجليزية تسمى Damascus المشتقة من اللغة الإغريقية والتي جاءت أصلاً من الكلمة الآرامية داراميسك التي تعني الأرض المروية.
وتشير الألواح المكتشفة في ايبلا إلى مدينة تقع إلى الشمال منها خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد تدعى دامسكي. وتشير المخطوطات الفرعونية القديمة إليها باسم داميسكا. وقد تمتعت بأهمية عظيمة في الألفية الثانية قبل الميلاد باعتبارها مركزاً للمملكة الآرامية تحت اسم دار ـ ميسك، وأصبحت عاصمة للدولة الأموية في عام 661 الميلادية. وقد اشتهرت دمشق بغوطتها الغناء المروية بنهر بردى.
وتضم عدداً من الأحياء القديمة التي تتواجد داخل أسوار المدينة القديمة ومن أهمها الميدان الشاغور الصالحية الجسر الأبيض المزرعة المهاجرين المالكي المزة ركن الدين باب الجابية باب سريجة. وتنقسم الأسواق فيها إلى قسمين رئيسيين القديمة والحديثة ومازالت القديمة منها محافظة على طابعها التراثي حيث تنتشر فيها الصناعات والحرف اليدوية التي توارثها الأبناء كابراً عن كابر. فهناك المنسوجات المطبوعة بالطرق اليدوية والبروكار والحرير البلدي والعباءات المطرزة بخيوط الذهب والفضة والسجاد والبسط والأواني الفضية والنحاسية المنقوشة وكذلك حفر الخشب وتطعيمه بالصدف وتنزيله بالموزاييك.
إلى جانب الصناعات الجلدية والدباغة والصناعات اليدوية الخزفية والفخارية. ومن أشهر تلك الأسواق سوق ساروجة الذي يعود بناؤه إلى القرن الحادي عشر وسوق الحميدية الذي يرجع بناؤه إلى عام 1863م إبان حكم السلطان عبدالحميد الذي سمي السوق باسمه ويمتد السوق في خط مستقيم من الغرب، حيث موقع باب النصر إلى الجامع الأموي وهو مغطى بأعمدة حديدية مقنطرة تنساب منها أشعة الشمس لتنير ظلمة السوق. وتبيع المحلات المصطفة على جانبي السوق البضائع بمختلف أنواعها من الأقمشة إلى المصنوعات الجلدية والحلويات والبوظة الدمشقية والمشغولات اليدوية المصنوعة من البروكار والأواني النحاسية والفضة المنقوشة. ومن الأسواق القديمة المهمة الأخرى سوق مدحت باشا أو سوق الطويل الذي أنشأه مدحت باشا الحاكم التركي في عام 1878 م.
وهو يمتد من باب الجابية إلى باب شرقي. وهناك أيضاً سوق الحرير الذي أسسه درويش باشا.. وسوق البزورية الذي يمتد من سوق مدحت باشا إلى الجامع الأموي وسوق السروجية والمناخلية والقباقبية. ويحيط بدمشق القديمة سور يعود بناؤه إلى العصر الروماني بني على شكل شبه مستطيل، فأضلاعه ليست مستقيمة تماماً، فالسور عادة يتبع تضاريس الأرض وما توفره من معطيات دفاعية طبيعية، وقد صمم على طراز المعسكرات والحصون والمعاقل الرومانية وزود بسبعة أبواب تربط المدينة بالعالم الخارجي بشبكة من الطرق المرصوفة تخرج منها إلى الاتجاهات كافة وتتوزع كالتالي: ثلاثة منها في الجهة الشمالية وهي باب توما ويقع شمال المدينة وينسب إلى أحد عظماء الروم واسمه توما وقد نزل عليه عمر بن العاص يوم فتح دمشق وباب الجنيق (باب السلام)، ويلي باب توما إلى جهة الغرب وينسب إلى الجنيق وهو اسم رومي، وباب الفراديس (باب العمارة)، ويقال ان سبب تسميته بالفراديس في العصر الروماني ترجع لكثرة البساتين والمياه التي كانت تحيط به.
أما باب العمارة فيرجع إلى القرن الثامن الهجري بالإضافة إلى اثنين في الجهة الجنوبية وهما باب كيسان ويقع عند ساحة البيطرة، وسمي كيسان نسبة إلى نزول كيسان مولى معاوية عند هذا الباب إبان الفتح الإسلامي، وباب الصغير الذي يقع في محلة الشاغور الآن، وسمي كذلك لأنه أصغر من الأبواب السبعة حين بنيت. وكان يسمى أيضاً الباب القبلي ونزل عليه يزيد بن أبي سفيان عند فتح دمشق. وقد دخل منه تيمورلنك سنة1400م . وواحد في الشرق وهو باب الشرقي وقد استمد اسمه من موقعه شرق المدينة. ونزل عليه خالد بن الوليد ودخل دمشق. والباب السابع وهو باب الجابية ويقع غرب المدينة، ويقابل الباب الشرقي وينسب إلى قرية الجابية ونزل عليه أبوعبيدة بن الجراح ودخل دمشق صلحاً.
وقد اهتم قاطنو دمشق بعملية جر المياه إليها لإرواء سكانها، ففي العصر الروماني جرت مياه الشرب إلى المدينة بواسطة قناة ما زالت بعض أقسامها قائمة حتى اليوم في حي القنوات. وأقام بعض الأهالي أسبله في الطرقات ومداخل الشوارع والبيوت وأوصلوا إليها المياه على نفقتهم الخاصة، وأهمها سبيل البريدي وسبيل أبو الشامات وسبيل جامع العريشة وسبيل جامع الشيخ يعقوب وسبيل الدرويشية وهو بالوجهة الشمالية من جامع درويش باشا الواقع في حي الدرويشية. وتمتاز دمشق بمعالمها التاريخية والأثرية ومنها الحمامات.
فقد كان للحمام في دمشق أهمية خاصة في الحياة الاجتماعية وكانت له طقوس وعادات خاصة به، ففي الأعراس تدعو أم العروس أقاربها وأقارب العريس إلى الحمام كما كان مقصداً للاستشفاء، وقد تفنن الدمشقيون بالحمامات وجعلوها آية فنية فرصعوا جدرانها بالقيشاني وأرضها بالرخام. وعقدوا على أطراف قبابها وقرنها عقود الجص النافرة ذات الرسوم والتزيينات المختلفة، ومن أهمها حمام النوفرة، حمام نور الدين، حمام الجوزة في سوق ساروجة، حمام الورد، حمام القرماني في سوق العتيق، حمام العمري، حمام الخانجي قرب سوق الهال، حمام الملك الظاهر في باب البريد، حمام نور الدين في البزورية وحمام السروجي في الشاغور.
وتتوزع في مدينة دمشق القديمة داخل السور خانات كثيرة قامت في الماضي بدور مهم كمراكز للتجارة وتوزيع السلع، وكان الخان يحتل في المحاور التجارية موقعاً مميزاً رئيساً ينفذ إلى داخله من السوق مدخل واسع يفتح ويغلق بباب كبير. ومن أبرز الخانات خان أسعد باشا العظم وخان جقمق وخان الزيت وخان الرز.
البيت الدمشقي
أما البيت الدمشقي القديم فهو مؤسسة معمارية متميزة تنسجم مع فن العمارة الشرقية فهو يعكس الحاجات الاجتماعية ويراعي التقاليد الإسلامية ويتماشى مع المواد الأولية للبناء المتوفرة في غوطة دمشق وما جاورها وهو في الوقت نفسه غني بأنواع الفنون اليدوية والمهارات الإنسانية وهو أصم مغلق ومكشوف نحو الداخل على فناء واسع فيه الخضرة والأشجار والعرائش والورود والماء الجاري، تصطف حوله الحجرات الواسعة والقاعات الفسيحة المستوفية لمتطلبات الراحة وتتوسطه النوافير والفسقيات، واستخدمت في تلك البيوت مواد البناء المعروفة آنذاك مثل الطين والخشب والحجارة والرخام والجص والخشب المحفور والألوان، وكان الباب الدمشقي يصنع من الخشب المفلف بالزنك.
ويدخله الزائر من الخوخة وفي الطريق يمر بدهليز من الأشجار يصل به إلى فسحة ضخمة مفتوحة إلى السماء تزينها الأشجار والنباتات الشامية العريقة كالنانرج وشجر التوت والخمسية واللباد والليمون الحلو والحامض والفل والياسمين ومن مفردات البيت الشامي الليوان وهو قاعة ضخمة زين سقفها بالزخارف الخشبية المنفذة بعدة أشكال. وله كوى تستخدم لوضع الشمعدانات ومصابيح الكاز، وفرشت أرضها بالطنافس والبسط ومن مفردات البيت الشامي أيضاً القنصلية ولها مرآة بيضوية الشكل. الجامع الأموي
لا شك أن الجامع الأموي هو أهم رموز دمشق على الإطلاق، فقد أقيم على أرض مقدسة شغلت بمعابد الديانات المختلفة التي تعاقبت على هذه الأرض عبر العصور التاريخية. وذكر ابن كثير أن الوليد بن عبدالملك أنفق على الجامع أربعمئة صندوق في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار أي خمسة ملايين وستمئة ألف دينار ذهبي.
في حين قدرت تكاليف إعادة بنائه عقب حريق عام 1893م بسبعين ألف ليرة ذهبية (عثمانية) حينذاك. يبلغ طول المسجد 157 متراً وعرضه 100 متر ويتألف من صحن عرضاني مكشوف تبلغ أبعاده (121 x48) متراً وتحيط به من الشرق والغرب والشمال أروقة محمولة على أعمدة عالية، وفي الجنوب من الصحن يقع الحرم الذي يبلغ طوله 136 متراً وعرضه 37 متراً، ويتألف من ثلاثة أجنحة ممتدة من الشرق إلى الغرب يفصل بين كل منها صف من الأعمدة ومن جناح معترض متوسط يصل بين المحراب وصحن الجامع ويعلو الجامع جملون مرتفع تتوسطه قبة النسر وللجامع ثلاث مآذن وهي المئذنة الشرقية وتسمى مئذنة عيسى أو المئذنة البيضاء والمئذنة الغربية ومئذنة العروس القائمة وسط الجدار الشمالي، وقد أقامها الوليد وطلاها بالذهب،
وتعد أقدم مئذنة إسلامية ما زالت قائمة. وللجامع أربعة أبواب هي باب القوافين وكان يسمى باب الزيادة وباب العنبرية وباب الساعات ويقع في الجدار الجنوبي وباب البريد من جهة الغرب وباب العمارة أو الباب الشمالي وباب النوفرة وهو أكبر الأبواب ويقع إلى الشرق وسمي باب جيرون وباب اللبادين. وفي داخل الحرم أربعة محاريب هي محراب المالكية ومحراب الحنفية ومحراب الشافعية ومحراب الحنابلة، وإلى الشرق والغرب من الجامع أربع صالات اثنتان في كل جهة كانت تعرف باسم المشاهد، وهي مشهد عثمان في الجهة الشمالية الغربية ومشهد عروة في الجهة الجنوبية الغربية وهو بيت الوضوء اليوم ومشهد أبوبكر في الجهة الغربية الجنوبية ثم مشهد الحسين في الجهة الشمالية الغربية. ويقع في القسم الشرقي من الحرم قبر النبي يحيى وفوقه قبة. كما يضم ضريح صلاح الدين.
ومن المعالم الأخرى التي تزخر بها دمشق قصر العظم الذي بناه أسعد باشا العظم وقلعة دمشق ومكتب عنبر الذي شيده الثري الدمشقي يوسف عنبر عام 1876م ثم استولت عليه الحكومة العثمانية لدين لها عليه وحولته إلى مكتب عنبر (أي مكان الكتابة) وبذلك كان أقدم مدرسة في سوريا. ولا يمكن الحديث عن دمشق من دون الحديث عن غوطتها الغناء وهي الأراضي المشجرة المحيطة بمدينة دمشق والمتداخلة فيها والتي تروى من نهر بردى وفروعه أو من الأقنية والآبار وتبدأ من خانق الربوة فالمزة فداريا فصحنايا وأشرفية صحنايا ثم سبينة وحوش الريحانة والشفونية وحوش مباركة وحوش الأشعري وحوش المتبن وحوش خرابو والفضالية وبيت نايم ويحدها شمالاً جبل قاسيون، كما يشرف عليها من الجنوب جبل المانع وتمتد إلى الشرق منها منطقة المرج.
ومن الأشجار المثمرة التي تمتاز بها غوطة دمشق المشمش الذي يصنع منه القمردين والجوز والعنب والتفاح والزيتون والدراق والتين والسفرجل واللوز والرمان. كما تنتشر فيها زراعة أشجار الحور والصفصاف والدلب ومن أهم التلال الأثرية فيها تل الصالحية أو تل فرزات وتل الأسود وتل أبوسودة وتل العظم في حوش الريحانة. وجسرين وعين ترما. ومن المزارات الموجودة فيها مقام السيدة زينب ومقام إبراهيم الخليل في برزة ومسج المقداد بن الأسود في ببيلا وقبر الأشعري شرقي حمورة.
إعداد: وائل الخطيب