عندما نتحدّث عن الدورة الستين لمهرجان كان السينمائي الدولي؛ فإننا نتحدّث عن الاحتفاء بالسينما، سواء أكانت السينما المستقلة والفنية، أم الرائجة والسائدة. وبقدر احتفائنا بالسينما؛ فإننا لابد وأن نحتفي بهذا المهرجان الذي أعطى للسينما الكثير، ووفّر مناخاً صحياً لينطلق عبر شاشاته مخرجون وممثلون يقدمون أفلامهم وحكاياتهم وصورهم، لتجول بعدها على شاشات العالم، وتُصبح أكثر قابلية للانتشار والتوزيع.
«كان» الذي بدأ مشواره ليلة الأوّل من سبتمبر عام 1939، بعرض فيلم «أحدب نوتردام»، هُجر في صباح اليوم التالي مباشرة بسبب غزو هتلر لبولندا. لكنه يعود هذه السنة وسط أحداث عاصفة يمر بها العالم، سوف ترخي بظلالها على أفلام هذه الدورة بلا شك. ولكن في الوقت ذاته، يبدو «كان» اليوم أكثر تألقاً وازدهاراً، لأنه يعدّ من أهم أسواق الفيلم العالمية، حيث 50% من الصناعة السينمائية ترتبط جذرياً بهذا الحدث السنوي المهم.
لا شيء سهل في «كان»، وما تسمعه أو تراه ليس سوى نوع من الزهو، وذلك عندما يتكدّس النجوم وأصحاب المال والممثلون والمؤلفون والسينما الفقيرة والفنية، وتجارب الصغار والكبار والسوق المصاحبة، وأفلام الانترنت.. تتكدّس كلها في علبة سردين صغيرة هي «كان»، وسنة بعد سنة يصيبك دوار فعلي لهذا الخلط العجيب: ما بين أفلام هوليوود التجارية، وبين كنوز الأفلام الأجنبية الفنية، تذكّر فقط: «رجل من حديد»، «وقائع سنوات الجمر»، «نشيد ناراياما»، عندها تعرف أنهم يتقاسمون الشيء ذاته: سعفة كان الذهبية.
الانحياز للسينما المستقلة
بالتأكيد، عندما نتحدّث عن «كان»؛ فإننا نتطرّق إلى مهرجان يتقلّب وسط بحر من التغييرات السياسية والفنية والاقتصادية الدولية، ومعيار نجاحه أو فشله ـ طوال السنوات العشر الماضية على الأقل ـ مرهون بمدى انفتاحه على الموجات الفنية الجديدة تحت إدارة ومساعدة جيل جاكوب، رئيس المهرجان واللجنة المنظمِّة التي تقف خلفه، وخاصة المدير الفني تيري فريمو.
ولعل الحاجة الماسّة إلى مبدعين مستقلين وأفلام مستقلة، تأتي نتيجة للطلب المتزايد بالقفز خارج نطاق صندوق المجتمع الاستهلاكي الذي يرسّخ بثبات فكرة إقصاء المستقلين بأي شكل، ويتضح ذلك من انتباه المهرجان إلى تزايد عدد الأفلام ضئيلة الميزانية، وخاصة في قسم «نظرة ما». وهذا مهم جداً للمستقلين الحقيقيين، حيث لا يمكن اختصار عالمنا في صناعة الأفلام فقط، ولكن في جميع ميادين حياتنا اليومية العادية نجد أناساً «مستقلين» مستعدين للمخاطرة من أجل تحقيق حلمهم، ليكن فيلماً، أو اختراعاً، أو بكل بساطة: محل خلاّق في زاوية مهجورة.
ومهمة مهرجان «كان» تكمن في ترويج «العروض»، وفي تشجيع ورعاية الإبداع النقي الذي لا يمكن أن ينبثق إلا من «عقل مستقل»، والمستقل هنا هو «المتحرِّر من سيطرة الآخرين». وعندما نختبر هذا؛ فإن المعنى يبدو أكثر عمقاً واتساعاً من المعنى المتعلق بـ «العاطفة الإنسانية»: أين التأثير الجغرافي؟ وهل هو مهرجان أفلام أم تجمع سياسي؟
في الحقيقة: الاثنان معاً، لأن المهرجان ـ كي يدير واجبه المخيف تجاه نفسه لأنه المؤسِّس ـ عليه دائماً مساءلة كل قرار يتّخذه، ليضمن أن نزاهته في اختيار الفيلم تخضع لصرامة أي اختبار، ولاحتفاله الستين، هل ستتوافق هذه المسلمات المستقلة مع الاختبار؟ هل نجد اختيارات أوسع، وتعدّدية وانتقاء؟ أفلام من دول مختلفة، مثل: تركيا، وكوريا الجنوبية، واليابان، ورومانيا، وصربيا، والمكسيك، وروسيا، وهنغاريا... أعضاء لجنة تحكيم من هونغ كونغ، البرتغال، تركيا، موريتانيا. هذه الدول، عليها أن تتواجد وتتوافق مع روح الجماعة في «الاستقلالية».
عليها أن تختلط مع الكل لتضمن وصول صوتها في كل قرار يُتَّخذ. «دول أخرى» لديها القدرة ـ عبر مرجعية المهرجان ـ على إفساح المجال أمام «مستقلين آخرين» لتوصيل حيوات وثقافات مجهولة بالنسبة للغرب. وهؤلاء المخرجين لديهم قصص كثيرة لسردها بطرقهم المستقلة، وهنا بالذات مكمن الجمال في الفيلم، وجوهر «الاستقلالية».
إن الحجاب الذي يغطي الاستقلالية؛ لا يستر المهرجان فقط، بل يتعدّاه إلى المجتمع، وإن أردنا التواجد في العالم، علينا فهم وقبول حقوق «الدول» في حماية وحفظ مجتمعاتها وثقافاتها المنفردة، ولكن شريطة استيعاب أن «فن خلق الاستقلالية» يعيش ويتنفس فينا جميعاً.
سنة لبنانية
لا يبدو للعرب في الدورة الستين هذا الحضور المطلوب، ويبدو إنهم «استقلوا» عن المهرجان بطريقتهم الخاصة؛ فباستثناء لبنان الذي يشارك بفيلمين في مسابقة «نصف شهر المخرجين»: «كاراميل» للمخرجة نادين لبكي، و«رجل تائه» للمخرجة دانييل عربيد، والفيلم اللبناني القصير «معاً» للمخرج باس بريشة في مسابقة «أسبوع النقاد».
وكذلك الاحتفالية الخاصة بتظاهرة «كل سينمات العالم» التي اختارت لبنان أيضاً لتضعه في دائرة الضوء، بتاريخ 21 مايو، باستثناء ذلك، تبقى مشاركة المخرج الموريتاني عبدالرحمن سيساكو عضواً عربياً في لجنة التحكيم بالمسابقة الرسمية هي المنقذ الأخير في هذه الاحتفالية الستينية.
«مانفيستو» المهرجان
بالتدقيق فقط في ملصق الدورة الستين، الذي صوّره أليكس ماجولي، وصمّمه كريستوفر رينارد، يتّضح هذا الخلط ما بين التيارات والتوجّهات السينمائية المختلفة. سينمائيون يتطايرون في الهواء في قفزة ممتعة نحو مستقبل سينمائي أجمل: من الخلف، وفي الوسط تماماً يأتي المخرج المالي سليمان سيسي، وفي الصف الذي يليه من اليمين، الممثل الفرنسي جيرار ديبارديو، ثم المخرجة النيوزيلندية جين كامبيون، فالممثلة الفرنسية جولييت بينوش، يليها مخرج فيلم الافتتاح الهونغ كونغي وونغ كار واي، وأخيراً الممثلة الإسبانية بينلوبي كروز. في الصف الثالث، يميناً: المخرج الإسباني بدرو ألمودوفار، يليه الممثل الأميركي صاموئيل جاكسون، ثم نظيره الأميركي بروس ويليس.
لجان التحكيم
يرأس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية المخرج البريطاني ستيفن فريرز الذي قدّم للسينما ما يزيد على أربعين فيلماً بدءاً من العام 1968، وكان آخرها فيلم «الملكة» في العام الماضي. فيررز رُشح للأوسكار مرتين، و(34) مرّة لجوائز مختلفة حول مهرجانات العالم، فاز بـ (30) منها. باختياره رئيساً، فإن المهرجان يكرّم السينما البريطانية المتزنة، ولواحد من أهم مخرجيها المعاصرين، يقول فيررز: «عندما أقوم بتحقيق فيلم جديد؛ هناك شيء واحد فقط يشغلني: هل باستطاعتي إنجاز الفيلم؟ أعتقد أنه طالما يتملكني هذا الخوف؛ فإنني بخير».
يشارك في لجنة التحكيم أيضاً: الممثلة ماغي شيونغ (هونغ كونغ)، الممثلة توني كولييت (أستراليا)، الممثلة والمخرجة ماريا دي ميديروس (البرتغال)، الممثلة والمخرجة سارا بولي (كندا)، المخرج ماركو بيلوتشيو (إيطاليا)، الكاتب الحائز على جائزة نوبل أورهان باموك (تركيا)، الممثل والمخرج ميشيل بيكولي (فرنسا)، وأخيراً المخرج عبدالرحمن سيساكو (موريتانيا).
أما لجنة تحكيم الأفلام القصيرة و«السيني فاونديشن»، فيرأسها المخرج الصيني جيا زانغ كي المولود في 1970، ورصيده ثمانية أفلام أنجز أوّلها في العام 1997، بقية الأعضاء تتألف من: الممثلة والمخرجة نيكي كريمي (إيران)، مصممة الأزياء ديبورا نادولمان لانديز (الولايات المتحدة)، الكاتب جيه. إم. جي لوكليزيو (فرنسا)، والمخرج دومينيك مول (فرنسا).
وتتألف لجنة تحكيم قسم «نظرة ما» من المخرجة الفرنسية باسكال فيران، رئيساً، وبعضوية: الممثلة الإيطالية جاسمين ترينكا، المخرج الروماني كريستي بويو، الناقد الأميركي كينت جونز، وبيان كين.
أما لجنة تحكيم «الكاميرا الذهبية»، فيرأسها المخرج الروسي بافيل لونغين، وعضوية المخرجة الفرنسية جولي بيرتوشيللي، والممثلة الفرنسية كلوتيد كورو، ومدير التصوير السويسري ريناتو بيرتا.
المسابقة الرسمية
(22) فيلماً تتنافس على السعفة الذهبية للدورة الستين، (13) منها يدخل مخرجوها للمرّة الأولى في المسابقة الرسمية، منهم التركي فاتح أكين بفيلم «حافة السماء»، والأميركي ديفيد فينشر بفيلم «زودياك»، والفرنسية كاثرين بريلا بفيلم «خليلة قديمة»، والإيرانية/الفرنسية ماريان ساتربي بفيلم التحريك «بيرسيبولس».
من المخرجين الفائزين بسعفة كان الذهبية، يأتي البوسني أمير كوستوريكا بفيلم «أوعدني هذا»، وسبق له أن فاز مرتين، في 1985 عن فيلم «عندما كان أبي في رحلة عمل»، وفي 1995 عن فيلم «أندرغراوند». ويأتي الأميركي كونتين تارنتينو، الفائز في العام 1994 عن فيلم «بالب فيكشن»، بفيلمه الجديد «إثبات الموت»، أما نظيره جويل كوين، فيأتي بفيلم «لا وطن للرجال القدامى»، بعد أن خطف السعفة عام 1991 عن فيلم «بارتون فينك». كما يأتي الأميركي غاس فان سانت، الفائز عام 2003 عن «فيل» بفيلم جديد عنوانه «حديقة مجنونة».
من المخرجين المخضرمين في «كان»، يجيء الروسي ألكساندر سوخوروف بفيلم «ألكساندرا»، والهنغاري بيلا تار بفيلم «الرجل من لندن»، ونظيره أندريه فياغنتسييف بفيلم «الإبعاد»، والكوري كيم كي ـ دوك بفيلم «نَفَس»، واليابانية ناوومي كاواسي بفيلم «غابة صباحية»، والمكسيكي كارلوس ريغاداس بفيلم «ضوء صامت»، والأميركي جيمس غراي في «نملك الليل».
تحظى الولايات المتحدة بنصيب الأسد في المسابقة الرسمية بستة أفلام، ثم فرنسا بثلاثة أفلام، وكوريا الجنوبية بفيلمين، مثلها لروسيا، وفيلم واحد لكل من: هونغ كونغ، تركيا، اليابان، صربيا، رومانيا، إسرائيل، المكسيك، النمسا، هنغاريا.
ربما تكون جنسيات الأفلام غير دقيقة تماماً نظراً للمزج الهائل، والاختلاط المكثّف في الإنتاج، ففيلم الافتتاح مثلاً «أمسياتي العنابية» من إخراج وونغ كار واي من هونغ كونغ، تدور أحداثه في نيويورك، وكاليفورنيا، ونيفادا، بممثلين بريطانيين وأميركيين، وناطق باللغة الإنجليزية.
أما «غرفة الغطس والفراشة» فهو من إخراج الرسّام والسينمائي الأميركي جوليان شنابل، وبطاقم تمثيل فرنسي، ومقتبس عن مذكرات الصحافي والمحرّر الفرنسي جان دومينيك بابي. فيلم «الرجل من لندن» من إخراج الهنغاري بيلا تار، مقتبس عن رواية الكاتب الفرنسي جورج سيمنون، وبطولة البريطانية تيلدا سوينتون.
افتتاح عنّابي
قلّما يفتتح المهرجان بفيلم في المسابقة الرسمية، ويحدث في هذه السنة أن يكون الفيلم في المسابقة، ومن إخراج رئيس لجنة التحكيم في الدورة الماضية الهونغ كونغي وونغ كار واي. الفيلم بعنوان «أمسياتي العنابية»، ويضم نخبة كبيرة من الممثلين المعروفين: بدءاً من المغنية نورا جونز في أوّل دور تمثيلي رئيسي لها، مروراً بجود لو، تيم روث، ناتالي بورتمان، راشيل ويز، وانتهاءً بديفيد ستراثيرن. يُعتبر الفيلم الأوّل كونه ناطقاً بالإنجليزية، بعد أن قدّم (14) فيلماً بلهجات «الكانتونيز» و«الماندرين»، والرابع له في المهرجان، وقد حصد في عام 1997 جائزة الإخراج عن «سعداء معاً».
يُدير جيرمي (جود لو) مقهى صغيراً في نيويورك، في كل مساء تأتي إليه «إليزابيث» (نورا جونز)، تتّخذ مكاناً بقرب النافذة، تحدّق في اللا مكان، وتطلب قطعة من كعكة التوت البري (العنّاب). في إحدى الليالي، تَبوح لـ «جيرمي» بقصتها: لقد تركها حبيبها في وقت كانت تعتقد أن هجره مستحيلاً.
تختفي «إليزابيث» بعد ذلك، ويكتشف «جيرمي» أنها تركت المدينة في رحلة طويلة نحو بداية جديدة. في الطريق تصاحب «إليزابيث» أشخاصاً عديدين: (ديفيد ستراثيرن، راشيل ويز، ناتالي بورتمان..)، لكل منهم مأزقه الخاص. كتب سيناريو الفيلم وونغ نفسه بالتعاون مع لورانس بلوك، وأدار التصوير الإيراني الرائع داريوش خنجي.
... و«عصر الجهل» للختام
المخرج الكندي دينيس أركاند، المولود في «كيبيك» عام 1941، يعود إلى «كان» هذه المرّة بفيلم الختام «عصر الجهل». أركاند ليس غريباً على المهرجان؛ فقد سبق أن فاز فيلمه «انحدار السلطة الأميركية» بجائزة جمعية النقاد «فيبريتشي» في عام 1986، وفي 1989 فاز فيلمه «مسيح مونتريال» بجائزة لجنة التحكيم، بينما في 2003 يحظى فيلم «غزو البرابرة» بجائزة أفضل سيناريو. أخرج أركاند للآن (24) فيلماً بدءاً من العام 1962، رُشّح مرّة واحدة للأوسكار، وفاز بـ (34) جائزة مختلفة طوال مشواره الفني.
من هنا وهناك...
المخرج الأميركي مايكل مور، الحائز على السعفة الذهبية في العام 2004 عن فيلم «فهرنهايت 11 /9»، يعود هذه المرّة بفيلم وثائقي، خارج المسابقة، بعنوان «سيكو». يدور الفيلم في إطار كوميدي حول 45 مليون أميركي من دون عناية صحية في أغنى دولة في العالم. دروس سينمائية مختلفة ستصاحب هذه الدورة، في السينما يقدّمها المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي.
وفي التمثيل يقدّمها الممثل الإيطالي سيرجيو كاستيليتو، وفي الموسيقى، يقدّمها المؤلف الموسيقي الكندي هوارد شور. الدورة الثالثة من برنامج «كل سينمات العالم» سيحتفي بأفلام من الدول التالية: لبنان، الهند، بولندا، كولومبيا، سلوفينيا، وإفريقيا (غينيا، أنغولا، وكينيا).
سيكرّم المهرجان الممثلة البريطانية جين بيركن بعرض فيلمها الجديد «صناديق»، والمخرج الفرنسي كلود ليلوش بعرض «آثار»، والمخرج الإيطالي أورماندو أولمي بعرض «سنتوشيودي»، والمخرج الألماني فولكر شلوندروف بعرض «أولزان». أكثر من ثلاثة آلاف موزّع وبائع ومشتر من ثمانين دولة سيتوقع حضورهم لسوق كان لمشاهدة أكثر من 1500 عرض سينمائي.
لأوّل سيكون هناك جناح خاص بمهرجان دبي السينمائي الدولي طوال أيام مهرجان كان السينمائي، وذلك في القرية العالمية، ريفيرا، ستاند رقم 135. «أتيليه كان»، هذا البرنامج الذي يساعد مشاريع المخرجين الشباب اختار 15 مشروعاً من دول مختلفة لدعمها لأجل تحقيقها إلى أفلام. من لبنان، هناك مشروع الثنائي خليل جريج وجوانا حاجي توما بعنوان «لا يمكنني العودة للوطن»، ومن المغرب مشروع هشام فلاح وشريف تريباك.
كان ـ مسعود أمرالله آل علي
