أسواق صنعاء القديمة ليست مجرد معلم من المعالم التاريخية للمدينة التاريخية وإنما تبقى من أهم الأسواق التجارية التي تدب فيها الحركة منذ الصباح الباكر وحتى ساعات متأخرة من الليل يقصدها المتسوقون من كل مكان رغم انتشار الأسواق الحديثة في كل أحياء المدينة الجديدة.
فالزائر لأسواق صنعاء القديمة وهو يلحظ التزاحم الدائم في شوارع المدينة العتيقة وأمام المحلات والحوانيت التجارية التي ظلت محافظة على طابعها التقليدي تجول في خاطره الكثير من التساؤلات التواقة لتفسير زخم التسوق والحركة الدؤوبة في هذه الأسواق بدكاكينها الصغيرة وواجهاتها الضيقة وشوارعها التي تفتقر للفضاء الواسع كما هو حال الأسواق الحديثة بمنافسها وواجهاتها العريضة فمع كل التحولات والتطور العمراني الممتد خارج أسوار المدينة القديمة والذي تجاوزها بعشرات الأضعاف ظلت لأسواق صنعاء القديمة جاذبيتها تشد إليها المتسوقين والزائرين من داخل البلاد وخارجة على حد سواء. سكان وتجار المدينة القديمة الذين لا يخفون سرورهم من تلك الحركة النشطة في متاجرهم وأزقة مدينتهم يرجعون الإقبال على أسواق المدينة العتيقة إلى عدد من العوامل منها كما يقول علي حسين ان المدينة القديمة تعتبر مركز تجمع سكاني مهما حيث يوجد ما يربو على 14 ألف منزل في مساحة جغرافية لا تتعدى 25 كيلومترا وحوالي 40 سوقا مجاورة لبعضها تمتد على حوالي 5 .2 كيلومتر مربع وتوفر كل متطلبات الزبائن من السلع التقليدية والمصنعة حديثا بالتجزئة والجملة مما يسهل على الزبون الحصول على حاجياته من أماكن متقاربة وبأسعار مناسبة تقل كثيرا عن أسعار الأحياء الجديدة.
ويستطرد حسين مفسرا رواج التجارة في أسواق المدينة القديمة بقوله منذ قديم الزمن تخصص كل سوق من أسواق المدينة العريقة ببيع سلعة معينة او منتج معين يجد المتسوق فيها ضالته سواء أكان تاجر جملة أو تاجر تجزئة أهمها سوق الملح فهو أشهر أسواق صنعاء القديمة وأقدمها على الإطلاق بل إن هذه التسمية أخذت في العقود الأخيرة تطغى على غيرها من الأسواق الأخرى. رغم عددها البالغ 40 سوقا أو أكثر حتى ان هذه التسمية أصبحت في العقود الأخيرة تعني المدينة القديمة الواقعة داخل السور ورغم عدم الاتفاق على سبب تسمية السوق بسوق الملح إلا أن الشائع أنها عرفت بهذا الاسم لاشتهارها بكونها السوق الرئيسية للتوابل والبهارات، والملح وهي من السلع الرائجة قديما ثم هناك أسواق أخرى مثل سوق الجنابي. «الخناجر» سوق القماش، سوق العطارين، سوق الفضة ،سوق النحاس، سوق العنب، سوق الملح، سوق اللقمة، سوق القات، سوق الزبيب، سوق المحدادة، سوق المنقالة، سوق السراجين، سوق المنجارة، سوق الكوافي، سوق السمن، سوق الحمير، سوق المدر (الفخار)، سوق البقر، سوق البشامق وغيرها.
ثمة من يرى أن اتجاه المتسوقين إلى هذه الأسواق مرده إلى وجود تقاليد حسنة في المعاملات التجارية ترسخت منذ أمد بعيد مثل الأمانة، الصدق توفير السلعة الجيدة التي تحوز رضاء الزبون وثقته فضلا عن توفر سلع تخصصت بها تلك الأسواق دون غيرها كسوق العطارين والفضة والنحاس.
بعض الباحثين يرجع تقاليد المعاملات التجارية التي أكسبت أسواق صنعاء القديمة صيتا طيبا إلى ترسخ مجموعة من الأعراف والتقاليد منذ وقت بعيد حكمت المعاملات التجارة والصناعة والحرف في هذه الأسواق وصلت إلى حد تقنينها وتنظيمها بقانون في القرن الثاني عشر الهجري بالقانون المعروف بـــ» قانون صنعاء» الذي تضمن جملة من القواعد نظمت المعاملات التجارية وطرق احتساب الأسعار والموازين والمقاييس ونص على ضرورة وجود شيخ لكل سوق يمثل المهنة التي ينتمي إليها مثل شيح الحدادين، شيخ النجارين، شيخ الدباغين شيخ البساطين ..الخ.
ويكون مسؤولا أمام السلطات المحلية وضامنا عن أعضاء مهنته من غش أو تدليس أو بيع مسروقات واللافت للانتباه أن القانون نص على انتخاب الشيخ من قبل أفراد المهنة التي ينتمي إليها، والشيوخ المنتخبون ينتخبون بدورهم شيخ المدينة صنعاء الذي يضطلع بدور كبير في تأمين السير العادي لعمل السوق مما ساهم في ازدهار النشاط التجاري في أسواق صنعاء القديمة التي ظلت أهم أسواق اليمن الموسمية حتى أن هناك من يذهب إلى أن اسم المدينة اشتق من الصنعة لكثرة الصنع والحرف التي عرفت بها كسوق شهير منذ ما قبل الإسلام، «سوق عكاظ» ،»هجر»، «دومة الجندل» «عدن».
ثمة من يرجع ازدهار أسواق صنعاء القديمة إلى أسباب أخرى سياسية واجتماعية عملت على تشكل هذا الفضاء المكاني والبشري على النحو الذي يبدو عليه اليوم تتركز فيه التجارة والأسواق بكيفيتها الحالية ومن تلك الأسباب أن محيط المدينة ظل محيطا قبليا تسوده الصراعات بين القبائل المتصارعة وغلبت عليه التمردات والصراعات على السلطة مما انعكس على هندسة المدينة وتنظيم أسواقها بطريقة تتفادى الإغارة على تلك الأسواق فحشرت داخل سور المدينة هربا من سطوة القبائل المغيرة واحتماء من بطش رجالاتها ونهبهم لتجارها ومع مرور الزمن تساقرت عادات وتقاليد داخل تلك الأسواق حتى أصبحت بمثابة الحافز النفسي العميق الذي يوجه سلوك المستهلك ويشده إليه .
من الواضح أن الأسباب التي جعلت من أسواق ضاربة في إطناب التاريخ حية على الدوام هي أسباب كثيرة ومتعددة أكسبتها زخم التسوق إلا أن هناك من يرى أن التقاء الرغبة بالتسوق مع الرغبة في التأمل في الفضاء المعماري التقليدي للمدينة تضفي على التسوق متعة فريدة لا يجدها المرء في الأسواق الأخرى فالدكاكين والمتاجر مدعاة للفرجة والتأمل حيث تظل شاخصة بطابعها التقليدي شاهدة على تاريخ المدينة الضارب في القدم والعراقة ولهذا كثيرا ما يكون هذا المكان مقصد السياح والمتسوقين من خارج البلاد وداخلها.


