اختار صندوق النقد الدولي الإمارات كنموذج لنجاح التنويع الاقتصادي بعيدا عن النفط مقارنة بالدول الخليجية الأخرى وورد في حيثيات شهادته أن النمو الاقتصادي المبهر في الإمارات خلال العقد الأخير تميز بالنمو السريع للاقتصاد غير النفطي وهو ما جعلها واحدة من أكثر اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي تنوعا.

وجاءت هذه الشهادة في دراسة لصندوق النقد الدولي أعدها مانجال جوسوامي بعنوان الإمارات المتحدة: نموذج للتنويع الاقتصادي في المنطقة سلطت الضوء على تطورات ومنجزات والتنويع الاقتصادي وأفق تطور القطاع الهيدرو كربوني، وعرضت بعض التصورات الخاصة بقضايا سوق العمالة في الإمارات، إضافة إلى التطورات الأخيرة في أسواق الأسهم في دول مجلس التعاون الخليجي، مع تحليل بعض أبعاد أسواق الأوراق المالية في الإمارات.

وبدأت الدراسة بالتنويه إلى أن الإمارات قد شهدت تحولا غير مسبوق صوب الاتجاه نحو تدعيم مكانتها كمركز اقتصادي إقليمي صاعد، وتميزت وتيرة تقليص اعتماد الاقتصاد في الإمارات على النفط بأنه الأسرع بين دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك بناء على مؤشر الاعتماد على النفط الذي يتم حسابه على أساس حصة العائدات النفطية من إجمالي الإيرادات الحكومية وحصة الصادرات النفطية من إجمالي الصادرات.

وورد في حيثيات شهادة صندوق النقد الدولي أن الإمارات تحولت من كونها واحدة من أكثر الاقتصاديات اعتمادا على النفط في عام 1980 بنسبه تبلغ 90 % إلى شغل مكانة أقل الاقتصاديات اعتمادا على النفط في عام 2005، بنسبة تتراوح بين 50 و60 %، وذلك على خلاف دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى التي حققت تراجعا طفيفا في اعتماد اقتصادياتها على النفط.

وتضمنت الحيثيات كذالك الإشارة إلى أن البنيان السياسي لدولة الإمارات أتاح قدرا كبيرا من الاستقلالية لكل إمارة على حدة في اتباع إستراتيجية اقتصادية ترتكز على المزايا النسبية، إذ استفادت إمارة أبوظبي من ميزاتها النسبية في إقامة صناعات كثيفة رأسمال والطاقة مثل الصناعات البتر وكيماوية والأسمدة.

فيما أتبعت دبي التي تتراجع مواردها النفطية إستراتيجية للتنمية لتعزيز مكانتها كمركز تجاري ومالي وسياحي، في الوقت ذاته ، قامت إمارة الشارقة تقليديا بتطوير قطاعات السياحة والصناعات الخفيفة الصغيرة، وبينما يعتبر إنتاج الأسمنت أحد الصناعات القديمة في إمارة رأس الخيمة إلى جانب بروز صناعات أخري مثل صناعات الأدوية تمكنت الإمارات الشمالية من تحقيق تقدم في مجالات الشحن والزراعة والتعدين والزراعة.

وتعتبر إمارة الفجيرة مقصدا سياحيا بسبب اعتدال مناخها، وبشكل عام ، اتبعت الإمارات سياسة نقدية حصيفة على مدى سنوات من خلال الموازنة السنوية غير النفطية وإجمالي الدين وفاتورة الأجور ، ويعتبر الدعم محدودا نسبيا بالمقارنة مع أغلبية الدول الخليجية الأخرى ، كما تعمل أغلب الكيانات التي تسيطر عليها الحكومة مثل مرافق الكهرباء والمياه ومصانع البتر وكيماويات بطريقة تجارية .

مؤشرات التنويع الاقتصادي

وسلط صندوق النقد الدولي الضوء على المؤشرات التي تدلل صحة استنتاجه بأن الإمارات تمتلك اقتصادا يعد الأكثر تنويعا بين دول منطقة الخليج ، و وتضمنت هذه المؤشرات التالي.

أولا : تعززت إستراتيجية التنويع الاقتصادي بعيدا عن النفط بفعل الانفتاح التجاري ، وتوفير بيئة أعمال مواتية ، وهو ما حفز على نمو التجارة والخدمات ذات الصلة كما ساهمت الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية التي شهدتها الإمارات خلال السنوات الأخيرة في تسريع وتيرة نمو الاقتصاد غير النفطي، حيث حفز وجود نظام على درجة عالية من التكامل على مشاركة القطاع الخاص.

ثانيا: قاد قطاع الخدمات في قطاعات السياحة والنقل والاتصالات عملية النمو السريع في التنويع الاقتصادي ، وقد ساعد النفاذ إلى وعاء يحوي على موارد عمالة ضخمة تتميز بأجور تنافسية في تطبيق إستراتيجية التنويع الاقتصادي، حيث أنه بحلول نهاية عام 2004، استحوذت العمالة الوافدة على 5 .91% من إجمالي الوظائف في الإمارات.

ثالثا: تعتبر الإمارات المتحدة واحدة من الدول الأعضاء في الصندوق والتي تمتلك سجلا تاريخيا في مجال انخفاض التعريفة الجمركية والحواجز الغير جمركية أسوة بسنغافورة وكوريا الجنوبية وهونج كونج واستراليا ، وفي عام 1997، بلغ متوسط التعريفة الجمركية في الإمارات 8 % بالمقارنة مع متوسط لمنطقة الشرق الأوسط نسبته 19% وفي عام 2004 تراجع معدل التعريفة الجمركية في الإمارات إلى 5% بالمقارنة مع متوسط إقليمي نسبته 12%.

رابعا: نمت حصة الصادرات الغير النفطية (بما في ذلك إعادة التصدير) من الناتج المحلي الإجمالي ، وهو ما عكس السياسات التجارية المتبعة ، حيث ارتفعت هذه الحصة من مستوي أقل من 10 % خلال مطلع الثمانينات إلي ما يزيد على 35 % في الوقت الراهن ، وتجاوزت بذلك حصة الصادرات النفطية من الناتج المحلي الإجمالي .

خامسا : تطور هيكل صادرات الإمارات من الاعتماد على الصناعة المحلية القائمة على منتجات مثل البتر وكيماويات والأسمدة والألومونيوم إلي صناعة تعتمد على منتجات أكثر تنوعا مثل الإليكترونيات والماكينات الخفيفة ومعدات النقل ، وتأتي هذه المنتجات أساسا من صادرات المناطق الحرة .

سادسا: تعد الإمارات الأكثر تنوعا في الصادرات الغير نفطية بالمقارنة مع دول مجلس التعاون الخليجي ، فيما عدا البحرين، وتظهر المؤشرات التجارية التي قامت بتجميعها لجنة التجارة في الأمم المتحدة أن الإمارات حققت أداء جيد في منتجات رئيسية مثل تكنولوجيا المعلومات والأجهزة الإليكترونية والصناعات الأساسية والماكينات الغير اليكترونية ومعدات النقل والكيماويات، ونما كذلك التوظيف في القطاع الغير نفطي بمتوسط سنوي نسبته 7,8%، وزاد إجمالي الاستثمارات الثابتة في هذا القطاع بمتوسط سنوي نسبته 9% خلال الفترة 1991 - 2004 .

آليات التنويع الاقتصادي

انتقلت الدراسة في موضع آخر إلي تناول الآليات التي اعتمدت عليها الإمارات في تنويع اقتصادها بعيدا عنة النفط .

من جانب ، قادت مناطق التجارة الحرة بشكل أساسي عملية التوسع السريع للصادرات الغير هيدروكربونية ، وتستضيف هذه المناطق أعدادا ضخمة من الشركات الدولية التي تعمل في أسواق الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية ، وبرهنت هذه الأسواق على أنها تتمتع بالجاذبية نظرا لانتفاء القيود على الملكية الأجنبية واسترداد رأسمال والأرباح.

كما تعمل هذه الشركات في بيئة أعمال متحررة من الضرائب وتتمتع ببنية تحتية من الطراز العالمي ، وتحتضن المنطقة الحرة في جبل على في الوقت الحاضر ما يزيد على 2200 شركة تحقق عائدات إجمالية تزيد على 8 مليارات دولار . وتقدم المنشآت الموجودة في المناطق الحرة خدمات تخزين وتوزيع المنتجات، وينشط القسم الغالب من هذه الشركات في تجميع المنتجات الإليكترونية والمصنعة والهندسية الخفيفة ، علاوة على مراكز توزيع مركزية .

ومن جانب ثان، وطدت الإمارات من موقعها كمركز رئيسي لإعادة التصدير في المنطقة، ونتيجة لذلك، نمت تجارة إعادة التصدير من 5 .5 مليار دولار في عام 1990 إلى 4 .27 مليار دولار .

ومن جانب ثالث ، لعبت خدمات تسهيل التجارة دورا رئيسيا في تعزيز التجارة الغير نفطية ، حيث ساهم التشغيل الكفء للموانئ وإدارة الجمارك بحد أدني من العقبات اللوجستية والإجراءات الإدارية في نمو النشاط التجاري والخدمات التجارية ، وذلك من خلال توفير خدمات عالية الجودة تتعلق بالنقل والتمويل والمعلومات والاتصالات ، ومن ثم ، أدي توافر بنية تحتية على درجة عالية من الجودة إلي تخفيض تكاليف الأعمال في الأنشطة ذات الصلة بالتجارة، وتخليص السلع جمركيا على نحو سريع، إذ تستغرق عملية إعادة التصدير يوما واحدا في ميناء جبل على.

ومن جانب رابع ، أصبحت السياحة أحد الصناعات الأسرع نموا في قطاع الخدمات ، وأضحت دبي مقصدا لسياحة الترفيه، وساهمت أحداث وفعاليات على غرار مهرجان دبي للتسوق وبطولة دبي لسباق الخيل في انتعاش وازدهار السياحة ، ويزور دبي في الوقت الراهن ما يزيد على 5 ملايين سائح سنويا، وتستهدف صناعة السياحة استقطاب ما يزيد على 15 مليون سائح بحلول عام 2010، وزاد عدد الركاب المسافرين عبر مطار دبي الدولي من 22 مليون شخص في عام 2000 إلي ما يزيد على 40 مليون شخص في عام 2004، ومن المتوقع أن تسهم مشروعات كبري على غرار دبي لاند ومدينة دبي الطبية وجزر النخلة في تحقيق المزيد من النمو للاقتصاد الغير نفطي.

مناخ الاستثمار والأعمال

ورافق - بحسب الدراسة - الاعتماد على هذه الآليات في تطبيق إستراتيجية التنويع الاقتصادي بعيدا عن النفط، توفير بيئة أعمال تعمل بشكل كفء، واقتصاد يتميز بالاستقرار، وإطار عمل تنظيمي على أحدث المقاييس، وهو ما دعم التنظيم الكفء لعملية الإنتاج وتوزيع السلع على نحو يستجيب لطلبات المستهلكين.

وقيم صندوق النقد الدولي بأن تصورات ومدركات مجتمع الأعمال العالمي تتسم بالمواتية من زاوية تقدير المخاطر المالية والاقتصادية والاستثمارية ، ودلل على صحة هذا التقييم بإشارته إلي إعطاء الدراسات المسحية المتنوعة للإمارات مرتبة عالية ليس من واقع مقارنتها بدول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الشرق الأوسط ككل فحسب ، ولكن كذلك من واقع مقارنتها بالدول الأخرى على الصعيد العالمي.

حيث سجلت الإمارات نجاحا في معظم المجالات ذات الصلة بالمناخ الاستثماري والتي حددها البنك الدولي من واقع دراسته المسحية التي وشملت استطلاع آراء 26 ألف شركة من 53 دولة نامية ، ووفر تجميع بيانات لدراسة مسحية من مصادر متعددة خاصة الدراسة المسحية لآراء المدراء التنفيذيين العرب، ترجمة صادقة لوضع بيئة الأعمال والاستثمار في الإمارات المتحدة.

بنية تحتية

ورصد الصندوق أوجه خصائص بيئة الأعمال والاستثمار في الإمارات، وما تشتمل عليه من عناصر بنية تحتية من السياسات والأطر واللوائح التنظيمية ، وذلك على النحو التالي:

أولا: استمرارية السياسات: اتبعت الإمارات المتحدة على نحو متواصل ومنتظم سياسات ليبرالية قائمة على السوق والتي شكلت أرضية صلبة لنجاحها في تنويع اقتصادها بعيدا عن النفط.

ثانيا: استقرار الاقتصاد الكلي : حافظت الإمارات على استقرار الاقتصاد الكلي على مدي العقود القليلة الماضية نظرا لإتباعها إدارة حصيفة لأوضاع الاقتصاد الكلي، وهو ما مكنها من تحقيق تراكم مؤثر للأصول ، ورصد مؤشر بيئة الاقتصاد الكلي استقرار اقتصاد الإمارات على المستوي الكلي ، وصنف ترتيبه ضمن فئة الدول التي تشغل المراتب الخمس عشرة الأولى ومن بينها سنغافورة والمملكة المتحدة وسويسرا.

ثالثا: معدل الضرائب : تمتلك الإمارات بيئة ضرائبية مواتية بدرجة عالية وهو ما شجع أصحاب الأعمال على القدوم إليها خاصة في المناطق الحرة ، حيث ينتفي في أغلب الأحوال وجود ضرائب على الدخل أو الشركات.

رابعا : تكلفة التمويل : تعتبر تكلفة بدء نشاط ممارسة الأعمال منخفضة بالمقارنة مع المتوسط الإقليمي، وذلك بناء على الدراسة المسحية للبنك الدولي حول داء أنشطة الأعمال: كما أنه من السهل نسبيا النفاذ إلي التمويل المصرفي ، وذلك على الرغم حداثة عهد أسواقها المالية.

خامسا: تنظيم سوق العمل ، تعتبر الصعوبات التي تواجه الشركات في توظيف وتسريح العمالة أقل صرامة وتشددا بالمقارنة مع مثيلتها في دول المنطقة. وذلك استنادا إلي الدراسة المسحية التي أجراها البنك الدولي حول ممارسة أنشطة الأعمال.

سادسا: النظام القانوني والمحاكم: تأسس في عام 1994 مركز التوفيق والتحكيم التجاري الذي تطور ليصبح الآن مركز دبي للتحكيم الدولي وهو هيئة مستقلة دائمة غير ربحية تهدف إلى توفير خدمات التحكيم التجاري وتسوية النزاعات التجارية عن طريق التحكيم. كما يهدف المركز أيضاً إلى تأهيل فريق من المحكمين الأكفاء الملمين بأصول وإجراءات التحكيم الدولية. وبوصفه مركزاً مهنياً متخصصاً يسعى المركز إلى توفير آليات مرنة ومحايدة لحل وتسوية النزاعات.

وتشمل الخدمات التي يقدمها المركز الإشراف على إجراءات التحكيم في النزاعات التجارية، وتعيين المحكمين واختيار مكان التحكيم وتحديد أتعاب المحكمين والموفقين. ويقوم مركز دبي للتحكيم الدولي باختيار أفضل وأكفأ المحكمين. كما يوفر المركز أيضا المعلومات والبيانات اللازمة حول المحكمين والموفقين من مختلف الجنسيات وخلفياتهم القانونية.

ويحتفظ مركز دبي للتحكيم الدولي أيضاً بدليل للخبراء المعروفين بمعرفتهم الواسعة وتجاربهم العملية الثرية في مجالات تخصصهم.

سابعا: الإدارة الضريبية تشغل الإمارات المكانة الأولي على مستوي المنطقة في تيسر إجراءات العمل الضريبي وتدني العوائق الاستيراد الغير مرئية وذلك بحسب الدراسة المسحية لآراء المديرين التنفيذيين والتي أجراها البنك الدولي، وعلي المستوي العالمي تشغل الإمارات المرتبة الرابعة بعد سنغافورة وهونج كونج وأيسلندا.

ثامنا: سياسات العمالة: تنتهج الإمارات سياسة عمالة تتميز بالمرونة، وهو ما شكل سببا رئيسيا لنجاح إستراتيجية التنويع الاقتصادي بعيدا عن النفط ، إذ أتاحت هذه السياسة إمكانية النفاذ إلي إمدادات عمالة بأجور تنافسية دولية. وتعتبر سياسة العمالة من أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في الحفاظ على تنافسية الاقتصاد غير النفطي.

واختتم صندوق النقد الدولي شهادته باستنتاج رئيسي مؤداه أن الإدارة الحصيفة للثروة النفطية والانفتاح التجاري ووجود ببيئة أعمال تعمل بكفاءة عززت ودعمت الكثافة العالية للتكامل التجاري والتنويع بالمقارنة مع دول مجلس التعاون الخليجي وأن دبي لعبت دورا مهما في هذا المجال، ومع ذلك، ينطوي المستقبل على تحد رئيسي يتمثل التحدي في البناء على ديناميكيات التنويع الحالية من خلال المزيد من التحرر الاقتصادي بما يتجاوز إمارة دبي والمناطق الحرة.

وذلك عن طريق تقليص القيود على الملكية الأجنبية والتقوية الإضافية للمناخ الاستثماري ومع قيام إمارة أبو ظبي الإمارة الرئيسية بتطبيق سياسة الخصخصة فأن هذا من شأنه أن يوفر حيزا للإصلاحات المستمرة لتحسين المناخ الاستثماري وتدعيم مكانة الإمارات كمركز أعمال رائد في المنطقة.

دبي ـ مجدي عبيد