قال تقرير حديث أصدره البنك الدولي حول أوضاع أسواق العمالة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إن هذه المنطقة شهدت خلال السنوات الأربع الماضية مستويات قياسية من النمو الاقتصادي. وكان له اثر قوي على أسواق العمل. وازدادت معدلات خلق فرص العمل الجديدة وهبطت معدلات البطالة.
وازدادت مشاركة المرأة في القوى العاملة. ومع أن الصورة العامة ايجابية. فإن الإجماليات الخاصة هذه المنطقة تخفي تنوع النتائج فيما بين دولها. وهبط معدل البطالة الإجمالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين عام 2000 وعام 2005، من 3, 14 % إلى 8, 10% من القوى العاملة ،
مما أدى إلى تضيق الفجوة بين هذه المنطقة ومناطق دول العالم النامية الأخرى. وفي ضوء التوسع الهائل للقوى العاملة، يعتبر انخفاض البطالة انجازاً مرموقاً في هذه الفترة القصيرة ولكن ليست كافة الأخبار من النوع الجيد. فعلى الرغم من هبوط معدلات البطالة في ثماني من اثنتى عشرة دولة تتوفر عنها بيانات،
إلا أنها ظلت على حالها في الأردن وهي آخذه في الارتفاع في الكويت والإمارات العربية المتحدة، ولو من مستويات منخفضة جداً، فعدم الاستقرار السياسي أدى إلى زيادة معدلات البطالة في الضفة العربية وقطاع غزة، وهي مع العراق تشهد أشد مشكلة بطالة في هذه المنطقة.
كما أدى ازدياد معدلات النمو الاقتصادي إلى خلق العديد من فرص العمل الجديدة. ويعتبر هبوط معدلات البطالة وسط ازدياد معدلات نمو القوى العاملة دليلاً على ارتفاع معدلات خلق فرص العمل الجديدة، التي بلغت 5, 4% سنوياً في الفترة 2000 ـ 2005 وهو أعلى معدل بين كافة مناطق الدول النامية على الصعيد العالمي.
فكافة دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الاثنتى عشرة التي تتوفر عنها البيانات شهدت في السنوات الأخيرة ارتفاع معدلات نمو فرص العمل الجديدة - وكان ذلك النمو كبيراً في معظم تلك لدول وتقع الدول الفقيرة بالموارد في ادني درجات سلم خلق فرص العمل الجديدة،
أما الدول الغنية بالموارد فتقع في أعلى درجات ذلك السلم كما هبطت فروقات معدلات البطالة بين الجنسين .غير أن الشباب- النسبة الأقل من فئات العاملين - لم يواكب التقدم الذي أحرزته الفئات العمرية الأخرى. وعلى الرغم من قوة نمو فرص العمل الجديدة،
مازالت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تستخدم سوى نسبة صغيرة من قواها العاملة الممكنة. فمعدل العمالة في هذه المنطقة - أي نسبة العاملين فعلاً من بين من هم في سن العمل من السكان - لا تبلغ سوى 47 % وهى ادنى نسبة على صعيد العالم.
ويؤكد التقرير أن تزايد وجود النساء العاملات قد يكون أهم تحول يؤثر في القوى العاملة في منطقة الشرق الوسط وشمال أفريقيا . ومع انه ليس من المتوقع على نحو معقول حدوث الكثير من النمو في معدلات عمالة الرجال، نظراً لكون معدلات مشاركتهم في القوى العاملة عالية أصلاً،
واصلت معدلات مشاركة النساء في تلك القوى التزايد بسرعة ولو من أساس منخفض. فالدول الغنية بالموارد وباليد العاملة تشهد حالياً أكثر التغيرات وضوحاً. ففي جمهورية إيران الإسلامية، ازدادت مشاركة النساء في القوى العاملة 33% إلى 41% في مدة خمس سنوات، وهذه قفزة غير عادية.
وفي عام 1990 ، كانت معدلات مشاركة النساء في القوى العاملة في إيران دون المتوسط السائد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما ازدادت معدلات مشاركة المرأة في القوى العاملة زيادة كبيرة في الجزائر والجمهورية العربية السورية ومن حيث صافي المعدلات،
كانت الطفرة التي شهدها نمو القوى العاملة في عام 2000 ناجمة بكاملها عن وصول المرأة إلى أسواق العمل في هذه المنطقة ولكن بما أن النساء اقل نجاحاً من الرجال في العثور على فرص العمل تتزايد معدلات بطالة النساء جنباً إلى جنب مع تزايد معدلات عمالتهن. ولا تشكل مستويات التحصيل العلمي العالي أي ضمان للنجاح في سوق العمل ولاسيما بالنسبة للنساء.
وتحتل أسواق العمل في هذه المنطقة حالياً موقعاً متطرفاً بين مناطق دول العالم النامية. فهي لديها أعلى مستويات نمو القوى العاملة، وأدنى مستويات مشاركة المرأة في سوق العمل ـ وما عدا منطقة أفريقيا جنوب الصحراء ـ اصغر القوى العاملة فئات عمرية فصورة الأوضاع العمرية للقوى العاملة في هذه المنطقة سائرة على وجه السرعة نحو الاقتراب
مما هي في منطقة جنوب آسيا ومنطقة أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي، ولكن ستواصل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مواجهة تحد فيما يتعلق بخلق فرص العمل اكبر مما تواجهه أية منطقة أخرى ما عدا أفريقيا جنوب الصحراء وبحلول نهاية العقد القادم من السنوات،
ستكون معدلات مشاركة المرأة في القوى العاملة قريبة من المعدلات القائمة في منطقة جنوب آسيا. ولكنها تظل في ذلك الحين هي الأدنى بين كافة مناطق دول العالم النامية. وستظل المعدلات الكلية المشاركة في القوى العاملة هي الأدنى في أية منطقة من مناطق دول العالم النامية.
ويضيف التقرير ان خلق فرص العمل الجديدة سيبقى من بين الأولويات في المستقبل المنظور بالنسبة لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فما هو المطلوب للتحدي الماثل في خلق العمالة؟ يجب أن تأتي الغالبية العظمى من فرص العمل اللازمة من داخل اقتصادات هذه المنطقة .
ولكي تتحول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى نمط قوامه النمو العالي في خلق فرص العمل الجديدة الذي يعززه ازدياد الإنتاجية ، من الضروري أن تظل معدلات النمو الاقتصادي قوية وأن تزداد أيضاً. وعادة يشير ارتفاع مرونة العمالة في هذه المنطقة إلى قوة عملية خلق فرص العمل الجديدة في أوقات النمو الاقتصادي السريع،
ولكن حسبما اشرنا أعلاه فإن معظم فرص العمل الجديدة ظهرت في أنشطة منخفضة الإنتاجية. أي أن هذه المنطقة تعاني من مأزق كمية فرص العمل مقابل نوعية فرص العمل. فمن شأن استمرار الضغوط السكانية أن يدفع باتجاه الكمية. ولكن إذا رغب صانعو السياسات في بقاء تحسن صورة وأوضاع العمالة بعد أي هبوط قد تشهده أسعار النفط.
الاستثمارات لم تسهم في حل المشكلة
يقول التقرير ان الزخم الجديد الذي شاهدناه على فرص الاستثمار الجديدة لم يغير بعض الخصائص التقليدية لفرص العمل في هذه المنطقة، فمرونة العمالة على سبيل المثال ما زالت غالية، مما يدل على أن معدلات نمو إنتاجية اليد العاملة ما زالت منخفضة. ومن جهة أخرى اخذ الطلب على اليد العاملة في القطاع العام يتباطأ وأصبح يتم في القطاع الخاص خلق معظم فرص العمل الجديدة، وبصورة رئيسية في قطاع الخدمات.
ومع أن قطاع الخدمات يتيح أكثر فرص العمل الجديدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما زال قطاع الزراعة يسهم بدور مهم ففي جمهورية إيران الإسلامية، على سبيل المثال قام قطاع الزراعة بخلق نصف فرص العمل الجديدة في الفترة الأخيرة،
بينما أتاح في جمهورية مصر العربية والمغرب خمسين اثنين وفي الجزائر خمساً واحداً. ويمكن إرجاع التوسع السريع في عمالة النساء في هذه الدول إلى توسع العمالة في قطاع الزراعة وقطاع الخدمات منخفضة المهارات (في الجزائر)، مما يعني أن النساء لا يحصلن حقيقة على فرص العمل الجيدة.
وعلى الرغم من العلاقة السلبية بصورة عامة بين معدلات نمو العمالة ومعدلات نمو الإنتاجية في هذه المنطقة، هنالك عدة دول تقوم بخلق فرص عمل جديدة في قطاعات تشهد ازديادا في الإنتاجية أيضاً. فالتوسع في خلق فرص العمل في قطاعات الخدمات - وبدرجة محدودة في قطاع الصناعة - ترافق مع بعض الزيادة في الإنتاجية في بعض الدول.
ولكن هنالك العديد من حالات خلق فرص عمل ترافق مع هبوط الإنتاجية، ولاسيما في الدول التي شهدت أعلى معدلات نمو فرص العمل الجديدة فقطاعات الزراعة في كل من إيران ومصر والجزائر شهدت جميعها هبوطاً في الإنتاجية مع ازدياد العمالة فيها.
المنامة ـ حسن العالي