تؤكد المؤشرات كافة بأن التعهيد بات يؤتي ثماره بالنسبة للبرازيل، أكثر بلدان أميركا الجنوبية تعداداً للسكان، بالإضافة إلى الصفقات المتعاقبة من تقنية المعلومات ولا عجب أن تصبح البرازيل أكثر الرابحين في أميركا اللاتينية، في غمرة هذه الطفرة التعهيدية العالمية.
فقد نقلت «جاب» العام الماضي الأعمال المتعلقة بالحوسبة إلى البرازيل، كجزء من عقد مدته عشر سنوات، بلغت قيمته 1,1 مليار دولار، مع شركة انترناشيونال بزنس ماشين كورب. فضلاً عن إدارة وايرلبول لبياناتها التجارية في هذا البلد، كما أن شركات أصغر حجماً راحت تستخدم البرازيل لتجربة حظها في التعهيد، وذلك للمرة الأولى ونظراً لتداني المناطق الزمنية، والتقارب الثقافي، مع الولايات المتحدة، عن مناطق مثل بنجالور وبكين، فإن مشغلين صغاراً مثل «لازاسكي» وشركات متعددة الجنسية مثل «اكستنتشر»، و«آي بي أم» تراهن على تحول البرازيل وصيرورتها أكبر وجهة في أميركا اللاتينية لأعمال الدعم التجاري الرخيص، وخامس أكبر موقع على المستوى العالمي.
وفي موازاة ذلك، تسعى الشركات البرازيلية، التي تعد صغيرة بالمقاييس العالمية، للحصول على أعمال في الولايات المتحدة، فمنذ عامين أطلقت «بولتيك»، «مبادرة قريبة المسافة» للحصول على أعمال من شركات أميركية وادعت أنها فازت حتى الآن، بعقود عدة قيمة كل منها مليون دولار، متوقعة في الآونة ذاتها أن يكون عام 2007، عاماً مشرقاً بالنسبة إليها.
وفي هذا السياق، قالت صحيفة وول ستريت جورنال، إن فرص البرازيل في سوق التعهيد، هي نتاج فائض لنجاح الهند. فقد حولت شركات هندية كبرى، مثل تاتا جروب، للأعمال الكمبيوترية والمكتبية في الأسواق الخارجية الرخيصة، إلى تجارة كبرى. فهذه السوق التي تبلغ قيمتها 47 مليار دولار، آخذة في النمو بنسبة 20 في المئة سنوياً، بحيث أصبحت سرعتها في النمو، تفوق قدرة الهند على مواكبتها، وفقاً لايفرست جروب، شركة الاستشارات التي تتخذ من دالاس مقراً لها، والتي تقدم المشورة للشركات حول الأسلوب الأمثل للتعهيد.
ومن ناحية أخرى، فإن ميزة البرازيل هي استباق نيويورك زمنياً بساعة أو ثلاث ساعات، اعتماداً على الفترة الزمنية من العام.وذلك مقارنة بإحدى عشرة أو اثنتي عشرة ساعة بالنسبة للهند. هذا عدا التصريحات التي تشير إلى قيم مشتركة في إشارة إلى الفوارق الثقافية التي شابت بعض المشاريع في آسيا. وفي هذا السياق قال بيتر بندور ـ سامويل، المدير التنفيذي لايفرست إن أجل تعني عملياً في البرازيل أجل، بينما قد يقصد بها في الهند، كلا.
وعلى العكس من الهند، فإن البرازيل تمتلك الآن سوقاً محلية لأجهزة الكمبيوتر والخدمات، وفقاً لبعض التقديرات. وهذا معناه أن شركات كثيرة للتكنولوجيا تحظى بوجود قوي في البرازيل. وقد راح بعضها يعيد هيكلة نفسه للاستحواذ على أعمال عالمية.
وعلى سبيل المثال فإن «آي بي أم»، بدأت في عام 2004 في ضخ 100 مليون دولار في العمليات البرازيلية، اعتماداً على مصنع أجهزة الكمبيوتر خارج ساوباولو، عاصمة البرازيل التجارية، ولقد حققت عملية التوظيف نمواً سريعاً منذ ذلك الحين، حيث أضافت «آي بي أم» ألفي موظف العام الماضي في البرازيل، لتصل بعدد العاملين الإجمالي لديها إلى عشرة آلاف موظف، لمناولة وتولي أعمالاً جديدة من عملاء مثل واير بول.
ولقد كانت صانعة الأجهزة تدفع إلى «اي بي ام»، لتقديم الدعم الخاص بأجهزة الكمبيوتر المكتبية في البرتغال، لفرعها البرازيلي ولذلك فإنها عندما قررت في عام 2005 تعهيد الإدارة في بعض عملياتها الحاسوبية في الولايات المتحدة، فإنها حطت في البرازيل، وفقا لما قاله برينت جلندنغ نائب رئيس واير بول لأنظمة المعلومات العالمية.
غير ان شركات التعهيد، ترى من جهتها أن جل ما سمعت به كثير من الشركات الأميركية عن البرازيل شهرتها في كرة القدم، وموسيقا السامبا وحواريها التي تتخبط تحت دوامة العنف. وفي هذا الصدد، قال جيمس بير جاميني مدير تنفيذي سابق في لوسنت تكنولوجيز الذي اطلق مؤخرا في شركة البرمجيات دتيان لابز خارج ساوباولو، ان اول سؤال يتبادر الى الذهن هو هل الأجواء فيها آمنة، يعقبه تساؤل آخر حول موعد السفر الى ريو.
ولإزالة ما شاب صورة البرازيل لجأت الحكومة ومنظمة التجارة الجديدة «براسكوم» الى تكليف شركة الاستشارات اي تي كيرني بوضع خريطة طريق للصناعة البرازيلية، واطلقت سلسلة من العروض في مؤتمرات ولشركات في الولايات المتحدة العام الماضي. ويتحدث استشاريو القاعة الآن باستفاضة عن البرازيل ويتوقعون أن يكون عام 2007 العام الذي تنتزع فيه البرازيل الاعتراف بها كوجهة عالمية للتعهيد.
ومن المفارقة العجيبة ان ينهض قطاع التكنولوجيا من ارث عابه ماض تخللته الفوضى، فقد أعاق حظر فرض خلال ثمانينات القرن الماضي على استيراد بعض اجهزة الكمبيوتر التجارية عملية التصنيع المحلية، ولمواكبة التضخم اضطرت البنوك لتطوير أنظمة كمبيوتر متطورة وكحصيلة لذلك غصت البلاد بعبقريات برمجية فاقت ما في البلدان الإقليمية المنافسة، فالعمال المكسيكيون المهرة اتجهوا شمالا نحو الولايات المتحدة.
كما ان عدد سكان الارجنتين بالرغم من تفوقهم علميا، لا يتجاوز 40 مليون نسمة مقارنة بسكان البرازيل البالغ تعدداهم 190 مليون نسمة مما ترك البرازيل في رأس قائمة الاختيار للتوظيف في الشركات الكبرى، ومراكز التعليم حيث يمكن للعاملين مراقبة أنظمة الكمبيوتر وتدوين البرامج وتلقي المكالمات..
ولقد بدأت الشركات الهندية مؤخرا في الانتقال إلى البرازيل. ففي شهر يونيو الماضي، دفعت وايبرو تكنولوجيز التابعة لشركة وايبرو في بنجالور بدفع 50 مليون دولار لشركة برمجة برتغالية وظفت خلالها 70 شخصا في البرازيل، وفي حين لا تقل البرازيل رخصا عن الهند، فإن الأجور تبقى اقل بكثير عما هي في الولايات المتحدة.
وفي هذا الصدد قال لازارسكي الذي اطلق شركة برمجياته في البرازيل، «برازيل اوتسورسنغ» منذ عامين ونصف بانه لجأ الى ذلك كطريق لكسب دولارات اميركية في الخارج، حيث يقوم بتحصيل 25 دولاراً في الساعة لقاء نشر صفحات في المواقع، وبرامج قواعد المعلومات لعدة عملاء اميركيين، وهو ما يعادل ضعف ما يكسبه في بلاده، ولكنه يبقى اقل من نصف ما يكلفه المبرمج الأميركي. ويقول لازارسكي في هذا الصدد انه يكسب الضعف، رغم انهم يدفعون النصف.
ومن ناحية أخرى فإن البرازيل لم تبق رخيصة كما كانت في السابق حيث تضاعفت القيمة الحقيقية للعملة البرازيلية مقارنة بالدولار منذ 2003 نظرا لحالة الاستقرار التي شهدها الاقتصاد البرازيلي.
ترجمة: وائل الخطيب