نقلت مجلة فوربز عن صندوق النقد الدولي تأكيده أن العولمة أفادت فقراء العالم ولم تضرهم كما يظن البعض والدليل على ذلك ازدهار اقتصاد كل من الهند والصين أو الفيل والتنين، حيث خرج 200 مليون نسمة من دائرة الفقر المدقع وتحسن مستوى معيشتهم. وانتقل عشرات الملايين في الدول النامية من الطبقة الفقيرة إلى المتوسطة.
وتقول فوربز من المذهل أن حمولات بعض سفن الحاويات التي تجوب بحار العالم تحسن مستوى معيشة ملايين البشر، وهناك أكثر من تريليوني دولار من المساعدات تتدفق على الدول الفقيرة، وهي المبالغ التي ضختها أميركا وأوروبا على إفريقيا وآسيا خلال نصف القرن الماضي.
وخلال السنوات الثماني المقبلة سوف ينتقل نحول مليار شخص في آسيا نحو الطبقة المتوسطة، وفي الصين سوف ترتفع دخول الطبقة المتوسطة ثلاثة أضعاف لتصل إلى 5 آلاف دولار للشخص حسب توقعات دومينك بارتون مدير شركة مكثري فرع شانغهاي.
ومع انتشار ظاهرة الصند (الصين والهند» تتضاءل أعداد الفقراء، وفي التسعينات عندما كان اقتصاد فيتنام ينمو بنسبة 6% سنوياً كان عدد الفقراء 42 مليون نسمة، وينخفض بنسبة 7% سنوياً، وفي أوغندا عندما كان اقتصادها ينمو بنسبة 3% سنوياً خلال ذات الفترة كان عدد الفقراء ينخفض بنسبة 6% سنوياً، وفق أرقام البنك الدولي.
وأطلقت الصين العنان لاقتصادها منذ عام 1978 وبذرت بذور الرأسمالية بين المزارعين الذين أصبح لهم حرية بيع إنتاجهم في السوق بدلاً من تسليمها لجمعيات الحزب الشيوعي، وأدت إصلاحات أخرى إلى إنشاء 22 مليون شركة في الصين يعمل بها حالياً 135 مليون شخص، كانوا سيظلون مزارعين مثل الأجيال السابقة لهم.
** الاستثمارات الأجنبية
وساعد تدفق الاستثمارات الأجنبية التي يعارضها من يطلقون على أنفسهم الاقتصاديين الوطنيين في دفع نمو إجمالي الناتج المحلي الصيني إلى النمو بمعدل عشرة أضعاف منذ عام 1978 ومنذ بداية الإصلاحات تدفق على البلاد 600 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية، منها 70 ملياراً في العام الماضي، وقامت الشركات الأجنبية بإنشاء مئات الآلاف من المصانع الجديدة فيما تتفرغ الحكومة لبناء المناجم وشبكات الكهرباء والمطارات والطرق السريعة لخدمة هذه الشركات.
وأنشأت الصين خلال بناء بنيتها التحتية، المناطق الاقتصادية الخاصة التي ترغب الشركات الأجنبية في بناء مصانع حديثة فيها لتشغيل عمالة أرخص والإعفاء من الضرائب لبضع سنوات وتترك للحكومة إنشاء الطرق والبنية التحتية الأخرى، وأدى كل ذلك إلى رفع صادرات الصين من 970 مليون دولار إلى 974 مليار دولار خلال ثلاثة عقود فقط، وحمولة سفن الحاويات رفعت مستوى معيشة الشعب الأميركي أيضاً. فيمكن شراء جهاز عرض أقراص مدمجة صيني الصنع من متاجر وال مارت مقابل 28 دولاراً، ثم شراء الأقراص ذاتها من أميركا مقابل 15 دولاراً للقرص الواحد.
وزاد دخل الفرد في الصين من 16 دولاراً سنوياً عام 1978 ليصل إلى 2000 دولار حالياً. وتصل أجور عامل المصنع في مدن جنوب الصين إلى 4 دولارات يومياً، ولا يرى المعترضون على العولمة أي فائدة للفقراء في ذلك، رغم أن هذا العامل لم يكن يحصل على هذا الأجر شهرياً قبل الإصلاحات الاقتصادية.
**الطبقة المتوسطة
ويملك أعضاء الطبقة المتوسطة في الصين أجهزة تلفزيون ويسكنون شققاً جديدة ويدخلون أطفالهم مدارس خاصة. واستبدال ملايين الصينيين دراجاتهم الهوائية بدراجات نارية أو سيارات. ووقعت شركة ماكاندونالدز اتفاقية مع سبينوبيك الصينية لإنشاء مطاعم في محطات البترول التي تديرها على الطرق في الصين. وهناك الآن 254 فرعاً لمقاهي ستارباكس تقدم القهوة في أرض الشاي، منها فرع في سوق الصين العظيم وآخر في القصر المحرم ـ الذي تظاهر ضده المتظاهرون أعداء العولمة.
وتقول سيدة صينية تعمل في مجال الشحن في بكين إن أبواها كانا مدرسين عندما كانا في سنها ويكسبان 30 يواناً (7,3 دولارات شهرياً) بينما راتبها 500 دولار شهريا (4 آلاف يوان) وتعيش في شقة مريحة وتشعر أن أمامها فرصاً في الحياة أفضل من فرصة والديها.
والرأسمالية وحدها ليست كافية لتحسين اقتصاد دول العالم الثالث، بل العولمة هي المفتاح. ومن أهم أسباب تخلف الهند عن جارتها العملاقة الصين في رفع مستوى معيشة شعبها هو أن الأولى تحتفظ بحواجز أمام تدفق المال الأجنبي إليها، حتى بعد تبني الرأسمالية.
ولذلك فإن 77% من الهنود يعيشون على دولارين أو أقل يومياً، وفق أرقام بنك التنمية الأسيوي وهذه النسبة أقل من نظيرتها عام 1995 بمقدار تسع نقاط فقط. وثلث سكان الهند غير متعلمين. وفي عام 1980 كان عدد سكان المدن في الهند أكبر من نظيره في الصين من حيث نسبته إلى إجمالي السكان (23% في الهند و20% في الصين).
وبحلول عام 2005 بلغت هذه النسبة 41% في الصين و29% في الهند.
ومن غير المعقول أن يكون المهندس في بنجالور مثلاً، الذي يكسب 4 آلاف دولار سنوياً، من وجود شركات تقنية أميركية في الهند، يرغب في منع تدفق الاستثمارات الأجنبية على بلاده، بعد أن ساعدته في شراء منزل جديد لأبويه، ومنزل آخر له. ورغم ذلك يقول البعض إن الشركات متعددة الجنسيات تريد استغلال الفقراء لصالح الأغنياء ولقد اتضح من الأرقام أن الفقراء أكثر استفادة من العولمة وهذه الشركات. فلماذا يعارضون العولمة؟
اتساع رقعة المشككين
يزداد عدد الذين يشككون في العولمة كلما زادت فوائدها حتى أن الاقتصاد العالمي سجل معدل نمو في السنوات القليلة الماضية أسرع من الذي سجله خلال عقود سابقة. غير أن الشكوك تزداد حول تدفق السلع بلا قيود وتحرك الخدمات والأفراد والأموال عبر الحدود. محادثات التجارة العالمية متعثرة، والكونغرس الأميركي الذي يسيطر عليه الديمقراطيون يشدد من شروطه للموافقة على اتفاقيات التجارة التي توصلت إليها الحكومة مع بنما وبيرو وكولومبيا، وهي ليست قوى اقتصادية مهمة.
وتقول صحيفة وول ستريت جورنال إن حرية التجارة لم تلق شعبية أبداً. وقد ناضل دوايت ايزنهاور من أجل تحجيم الجناح الحمائي للحزب الجمهوري في الخمسينات. غير أن هناك معارضة ضد حرية التجارة الآن أيضاً خاصة في أميركا. والاقتصاد الأميركي يسجل نمواً منذ أكثر من 5 سنوات، ومعدل البطالة منخفض يبلغ 5 ,4%. فلماذا تزداد الشكوك حول العولمة في الوقت الذي يسجل فيه الاقتصاد العالمي نمواً.
تلعب الأحزاب السياسية دوراً في ذلك. فمثلاً إذا أراد الرئيس الأميركي بوش شيئاً سوف يعارضه الحزب الديمقراطي. لكن ليست هذه الصورة كاملة. فالسياسيون المنتجون يرون انتشار الغضب بين الناخبين حول معدل انتشار العولمة والتغير التكنولوجي. والذين يؤمنون بأن التجارة وسيلة لرفع مستوى المعيشة في أنحاء العالم يكرسون جهودهم لإيجاد رد مقنع للذين يشعرون بالقلق على مستوى معيشتهم ومعيشة أطفالهم.
لماذا الآن:
لم يتم الإقناع في العقود الماضية بحرية التجارة على أساس اقتصادي بل على أساس أنها وسيلة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية. وكان من الصعب إقناع الناس باقتصاديات التجارة الحرة. وحتى أكثر الذين يؤمنون بحرية التجارة يعترفون بأنها تفيد البعض وتضر بالبعض الآخر.
وقال وزير الخارجية الأميركي في حكومة روزفلت جهوداً قبل الحرب العالمية الثانية لخفض التعريفات الجمركية لأنه يعتقد أن التجارة تساعد في تحقيق السلام. وبعد الحرب العالمية الثانية تم إنشاء الاتحاد الأوروبي لتجنب نشوب حرب أخرى بين فرنسا وألمانيا وتابعت أميركا عقد الاتفاقيات التجارية لتكسب الحرب الباردة.
ترجمة: أشرف رفيق