هناك من القيادات من هو مسؤول عن التدهور التدريجي للأمة العربية، تلك هي القيادات الوسطى التي تقود الأجهزة العاملة والمؤثرة في المنطقة العربية، كبيرة كانت أو حتى صغيرة، وخاصة منها الأجهزة الاقتصادية والاجتماعية لأن هذه الأجهزة هي التي تحرك كافة العاملين العرب في المنطقة العربية

وتدفعهم إلى الإنتاج المثمر الذي يغطي حاجة الشعوب العربية دون عجز في الموازنة العامة أو في ميزان المدفوعات ولا حتى في الميزان التجاري، خاصة وأن العجز يعني أننا ننتج أقل مما نأكل، ونعيش في مستوى يفوق مستوياتنا المادية، وننفق أكثر من إمكانياتنا الإنتاجية، وهذا يؤدي إلى وجود عجز عربي ومشاكل اقتصادية عويصة يصعب علاجها.

وعلى سبيل المثال أذكر أن ميزان المدفوعات الكلي في الدول العربية حقق فائضاً قدره 3 ,52 مليار دولار عام 2005 فإذا خصمنا منه صادرات النفط الخام في العام المذكور وقدرها 328 مليار دولار فيكون العجز الصافي 7 ,275 مليار دولار،

بينما في عام 2001 كان الفائض الكلي في موازين مدفوعات الدول العربية 2 ,14 مليار دولار وإذا خصمنا منه صادرات النفط الخام في ذلك العام وقدرها 4, 127 مليار دولار يكون العجز الصافي 2, 113 مليار دولار أميركي، أي أن العجز قد تضاعف خلال أربع سنوات فقط،

وهي رؤية يتعين تحليلها لأنها تعني جوانب عديدة من بينها أن الدول النفطية العربية مازالت تعتمد في حياتها على إنتاج البترول الخام بالرغم من التوجهات التي يطرحها كبار الاقتصاديين العرب بضرورة تنوع مصادر الإنتاج وتصنيع النفط الخام بدلاً من تصديره خاماً،

ومن بينها أيضاً أن الدول العربية مازالت في مجموعها تعتمد في حياتها على السلع الغذائية المستوردة من الخارج بالرغم من توافر الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة في السودان وفي غيرها، وعلى سبيل المثال بلغت واردات السلع الأجنبية إلى المنطقة العربية في عام 2005 حوالي 1 ,314 مليار دولار بينما كانت 5 ,157 مليار دولار فقط عام 2000 أي أن استهلاكنا من الواردات الأجنبية قد تزايد بأكثر من الضعف.

إن القيادات العربية المتوسطة هي المسؤولة عن التدهور الاقتصادي الذي ينتشر في المنطقة العربية، لأن رسالة كل قائد في قطاع معين أن لا يكتفي بتأدية عمله، وإنما عليه أن يقضي الجزء الأكبر من وقته في كيفية تنمية القطاع بحثاً وتخطيطاً وإنتاجاً واستهلاكاً،

وفي دراسة كيفية قيادة الذين يعملون في القطاع الذي يقوده لكي ينتجوا بكامل جهودهم وبالشكل الذي يؤدي إلى تحقيق أقصى إنتاج ممكن وعدم ضياع الوقت فيما لا يفيد إنتاجاً ولا ينفع بحثاً، وهو ما لا يمكن أن يأتي إذا لم يستخدم الآليات والنظريات والأفكار والتكنولوجيا الحديثة التي تعمل على التطوير والتحديث المستمر والذي يضارع وينافس المنتجات في المؤسسات الخارجية.

وفي محاضرة ألقاها توم مكارثي الخبير العالمي في مجال الإدارة والأعمال عن القيادة الناجحة في الوطن العربي وهي المحاضرة التي نظمتها الجمعية الاقتصادية الكويتية بالتعاون مع شركة ليدرز انتربرايز في أواخر مارس الماضي،

استرعى الانتباه بعض النقاط المهمة التي ذكرها عن مفهوم القيادة بين الإداريين في الإدارة الوسطى وطبيعة الرسالة التي يتعين القيام بها في دفع الأنشطة الاقتصادية وتطوير الأعمال، ويهمني أن أذكر فيما يلي بعض هذه النقاط والتي إذا تم تطبيقها في المنطقة العربية فإنها يمكن أن تنتقل إلى وضع اقتصادي أفضل:

ـ ضرورة أن يواجه القائد الإداري التحديات التي تعترض طريقه في العمل وأن لا يهدف إلى مجرد حصوله على راتبه الشهري، وبالتالي عليه أن يوسع رقعة طموحاته ويخرج عن دائرة التفكير الضيق وأن يحبب عنصر التحدي لدى الموظفين التابعين للقطاع الذي يشرف عليه ويقودهم لخلق أسس إيجابية للإنتاج والإبداع والتفوق، وهي مقومات تقف وراء النجاح في كل المؤسسات، خاصة منها المؤسسات العملاقة التي يكون لها تأثير كبير في اقتصاديات أي دولة.

ـ أن يهتم القائد بتنويع أفراد فرق العمل من خلال تعيين عاملين من بلدان وثقافات متعددة وأن يعمل على توحيد أهدافهم وجعلهم يعملون بروح فريق العمل المشترك، كما يتعين عليه قياس أداء العاملين وتقييمه لأن ذلك سيؤدي في النهاية إلى تحقيق الهدف المنشود والذي يتلخص في رفع مستوى أداء العمل وزيادة كمية إنتاجه بحيث يكون إنتاجاً جيداً وبتكلفة تناسبه لا تؤدي إلى رفع الأسعار عن السلع التي تنتجها وحدات إنتاجية أخرى في الداخل أو الخارج.

ـ أكد في محاضرته أن يكون مكان العمل أحد الأماكن التي تثير المتعة بغرض ربط العاملين بعملهم، موضحاً أن ذلك سيساهم في رفع مستوى الأداء، مع تركيز القادة على عوامل الإطراء والثناء وتكريم العاملين الجادين وذلك بدلاً من التركيز على توجيه اللوم والتوبيخ ومحاسبة الأخطاء أو العقاب بالخصم من المرتب أو الإنذار بالفصل وغير ذلك من السلبيات.

ـ تبين من استطلاعات الرأي أنه ليس هناك قياديون يتطلع إليهم أفراد المجتمع سواء في الاقتصاد أو الثقافة أو الرياضة أو السياسة، وأن المجتمع العربي يفتقر إلى الشخصية القيادية القدوة كتلك المتوافرة في المجتمعات الأوروبية التي يتطلع إليها الفرد ويتحفز من خلالها، وأنه يتعين تعزيز إمكانات أفراد المجتمع بالمهارات القيادية في المجالات المختلفة.

ـ يطالب بخلق قادة لهم قدرات وأساليب وممارسة وتجارب، وعلى الشخص القيادي أن يملك صفات شخصية أو كاريزما وتكون لديه رؤية مستقبلية مع تعزيز هذه القدرات ومعالجة نقاط الضعف بالصفات القيادية الأصيلة التي تأتي من متابعة التطورات العملية القيادية سواء من الداخل أو من الخارج عن طريق المؤتمرات والندوات والملتقيات القيادية وتنظيم الاجتماعات الدورية.

ـ ذكر أن هناك دراسة تشير إلى أن المواطن العربي بشكل عام يفتقر إلى وجود شخصية قيادية يتطلع إليها لتكون له قدوة وتشجعه وتحفزه لكي يقوم بأداء أفضل وينتج بكميات أكثر، وأنه لابد من مساعدة القادة لكي يكون لهم رؤية واضحة ومؤثرة كقادة، مع تعليمهم كيفية الاتصال بفرقهم وذلك بطريقة تصل بالأداء إلى أقصى مستوياته وأحسن حالاته.

أقول إن القيادات الإدارية المتوسطة في الدول العربية هي التي تستطيع أن تنمي الدول العربية وتنقل اقتصادياتها من التخلف إلى التقدم وتحميها من العدوان وتوصلها بالوضع الحضاري التي كانت عليه الأمة العربية في العهد الإسلامي الأول والذي أعطاها القيم والمبادئ الدينية التي ساعدتها على التقدم والتي كان إهمالها فيما بعد سبباً في التردي الذي انحدرت إليه الدول العربية وجعلتها تتلقى طعنات الأعداء بدعوى القضاء على الإرهاب والتطرف.

ومن هنا فإن المهمة الأولى للملوك والرؤساء العرب الذين وقفوا مع السلام والقوة في مؤتمر قمة التضامن بالرياض أواخر الشهر الماضي هي كيفية تغيير القيادات التي أدت إلى التقهقر والتدهور العربي في الخمسين سنة الأخيرة،

وجعلت الأمة العربية تنهار إلى المستوى الذي نشاهده حالياً في أغلب الأقاليم العربية، حيث لا يمر يوم واحد لا نسمع فيه عن مئات القتلى بها وما يتبع ذلك من تشريد لأسر وجماعات وهدم مجتمعات كانت يوماً تعيش في أعلى المستويات المعيشية.

واقتراحي لهذا التغيير هو تشكيل مجموعة خبراء عرب على مستوى كبير من الكفاءة والأمانة والإيمان، تقوم بوضع خطة التغيير للإصلاح العربي الخالص في المؤسسات الحيوية التي تعتمد على قيادات وسطى تستطيع أن تدفع الأمة العربية إلى التنمية المستدامة والتقدم العربي المنشود،

وهو ما تبين في توصيات مؤتمر قمة الرياض التي تطالب بإعطاء أولوية قصوى لتطوير التعليم ومناهجه في العالم العربي بما يعمق الانتماء العربي وبما يعمق الانتماء العربي المشترك، ويستجيب لحاجات التطوير والتحديث والتنمية الشاملة.

كما أن ذلك يؤكد أيضاً ما ورد في توصيات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية التي أصدرها المؤتمر العام التاسع عشر المنعقد بالقاهرة خلال الأسبوع الأخير من مارس الماضي، خاصة فيما يتعلق بضرورة تشجيع الجهود التي تهدف إلى إيجاد فرص عمل مناسبة

لمواجهة البطالة وسوء أحوال المعيشة لدى طوائف كثيرة من المجتمع، بالاعتماد على ما تخصصه الدول الإسلامية الغنية من الصناديق والبنوك واستثمار مؤسساتها في مشروعات إنتاجية وخدمية لصالح هذه الطوائف.

مستشار وكاتب اقتصادي مصري

y_elmasryooo@hotmail.com