مثلما تفسد السمكة من رأسها، يكاد الفساد يصيب البنك الدولي كله مع انكشاف فساد الرأس «وولفويتز» الذي لم يكتف رأس الإدارة الأميركية بمكافأته على الحرب العدوانية على العراق بتعيينه رئيساً للبنك الدولي، بل زاد على ذلك بالإعلان بلا خجل عن دعمه وتأكيد الثقة فيه والإشادة بخدماته في محاولة للتغطية على انكشاف الفضيحة المالية لأحد أبرز رجاله من صقور المحافظين الجدد.

فبعد أن تدحرجت رؤوس الإدارة الأميركية الواحد تلو الآخر وسقطت في وحل العراق بعد سنوات من الفشل العسكري والتدمير الاقتصادي والإفساد المالي، بداية بوزير الحرب الأميركي السابق دونالد رامسفيلد، ومروراً بنائبه الذي يوصف بأنه مهندس الحرب العدوانية، أصبح رأس وولفويتز جاهزاً للسقوط من جديد على وقع فضيحة الفساد المالية التي تحاصره الآن بعد مطالبة جمعية البنك باستقالته.

والحكاية أن العاشق العجوز وولفويتز الذي يبلغ من العمر63 عاماً الذي بدأ رئاسته للبنك الدولي بالإعلان عن سياسته القائمة على الشفافية لمحاربة الفساد في البنك، وبدعوة الدول النامية إلى ممارسة الشفافية ومواجهة الفساد والإصلاح المالي كشرط للحصول على القروض، سمح لنفسه بلا شفافية أن يمنح صديقته التي كانت موظفة بالبنك ونقلت للعمل في وزارة الخارجية راتباً بغير استحقاق يزيد على راتب وزيرة الخارجية!

وكانت لجنة القيم بالبنك طلبت نقل شاهه صديقة وولفويتز البريطانية من أصل عربي بعد شيوع العلاقة بينهما في أوساط البنك مما يتنافى مع الأصول السائدة من عدم صلاحية عملهما معاً، فتوسط لها بنفوذه لإيجاد وظيفة لها بالخارجية الأميركية بعد أن قرر بلا أصول

أو استحقاق أو اتباع للإجراءات القانونية زيادة راتبها 63000 دولار دفعة واحدة ليرتفع راتبها إلى 194000 دولار معفاة من الضرائب من أموال الجهات المانحة، بينما لا يزيد راتب الوزيرة كوندوليزا رايس عن 186000 تستقطع منها الضرائب!!

وبينما طالبت جمعية البنك الدولي على إثر انكشاف الفضيحة وولفويتز بالاستقالة سارع الناطق باسم البيت الأبيض بتقديم دعم رأس البيت الأبيض محاولاً إنقاذه من السقوط المادي بعد أن سقط بالفعل سقوطاً معنوياً بالفضيحة المالية لأسباب عاطفية لتنضم إلى سلسلة الفضائح التي عصفت بالإدارة الأميركية العسكرية لأسباب سياسية.

ولعلنا مازلنا نتذكر الصورة التي نشرتها الصحافة العالمية مطلع العام الحالي لوولفويتز وهو يزور أحد المساجد التاريخية بتركيا، عندما خلع حذاءه فانكشف جوربه المثقوب، وعلقت الصحافة حينها أن هذا هو رئيس البنك الدولي الذي لم يملك شراء جورب جديد بدلاً من جوربه القديم الممزق!

وربما مازلنا نتذكر تصريحاته الدعائية أثناء زيارته إلى إندونيسيا التي كان سفيراً أميركياً بها في الثمانينات حول استراتيجية البنك الدولي في مكافحة الفساد، حيث قال إن «الفساد هو غالباً السبب الجذري لإخفاق الحكومات في القيام بوظائفها كما يجب، فهو يؤدي إلى ضعف الأنظمة والأجهزة، وتشويه الأسواق...

ومن يدفع الثمن في النهاية؟ إنهم الحكومات والمواطنون». وأضاف قائلاً تعتبر مكافحة الفساد التزاماً طويل الأمد، وإن مكافحة الفساد تتطلب التزام ومشاركة كل من الحكومات والمواطنين. وقال في مؤتمر صحافي عقد في ختام الزيارة، لا أعتقد أنه يوجد في المؤسسات الديمقراطية أو الحرة ما يفيد بأنه يتعين التسامح مع مخالفي القانون.

والمفارقة أن هذه المخالفة القانونية والتي تنطوي على فساد مالي بتأثيرات عاطفية، انكشفت أثناء اجتماع لوزراء مالية الدول الصناعية الكبرى الذين يمثلون القطط السمان في العالم في واشنطن تمهيداً لاجتماع الربيع بين البنك الدولي

وصندوق النقد لمناقشة وسائل مكافحة الفقر في العالم في الوقت الذي تتهم فيه الدول النامية هاتين المؤسستين الدوليتين بالمسؤولية بوصفاتهم الإصلاحية وروشتاتهم الاقتصادية وشروطهم الإجرائية لصالح اقتصادات ومصالح الدول الكبرى بالمسؤولية عن شيوع الفقر في العالم.

وأشارت الصحف الأميركية إلى أن هذه الفضيحة ليست الأولى لوولفويتز بل هناك فضائح أخرى لصالح صديقيه اللذين يعملان معه بالبنك ويحصلان أيضاً على رواتب خيالية. وأشارت صحيفتا «نيويورك تايمز» و«فاينانشيال تايمز» إلى تعداد الفضائح التي ارتكبها وولفويتز، حيث تجاوز مجلس إدارة البنك لوقف تقديم قروض للدول النامية والفقيرة من البنك لأسباب سياسية بزعم مخالفتها لحملة مكافحة الفساد التي يقودها المحافظ اليهودي الأميركي.

مستشار اعلامي

mamdoh77t@hotmail.com