مهرجان «كان» السينمائي، على عراقته، ليس الأعتق تاريخياً بين مهرجانات أخرى عالمية كبيرة. لكن «كان» انطلق كبيراً.. ولا يزال. في دورته الستين، التي تفتتح فعالياتها في 16 مايو الجاري وتستمر 11 يوماً، يزداد «كان» شباباً، ولا تنال من هامته السنون، يتقدم في «العمر» ويبقى يافعاً.
في كل دورة من دوراته، يقال: هذه الدورة الأكثر نضارة في تاريخه.. قول يتكرر مع كل دورة، و«كان» لا يكرر.. إنه على الدوام، يضيف ويفرش لعشاق الفن السابع سجادة حمراء هي الأطول بين سجادات تشبهها في العالم، ومن يسر فوقها من الفنانين لابد وأن يعود إليها. فهذا المهرجان صديق حقيقي لكل محبي السينما وصناعها على حد سواء. المخرج الانجليزي ستيفن فريرز يترأس لجنة تحكيم المسابقة الكبرى، وإلى جانبه الممثلة الصينية صاحبة الجوائز العديدة ماغي شيونغ، والممثلة الاسترالية طوني كوليت، والمخرجة والممثلة البرتغالية ماريا دي ميديروس، والروائي التركي أورهان باموك الحائز على جائزة نوبل للآداب، والممثلة والمخرجة الكندية سارا بولي، والسينمائي الفرنسي ميشال بيكولي، والمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو (شاهدنا له في الآونة الأخيرة فيلم باماكو)، والمخرج الايطالي ماركو بيللوشيو.
فريرز المشهور بأفلامه الاجتماعية المليئة بالسياسة، والذي أطلق عليه الجمهور الانجليزي لقب «سيد الملكة» بعد شريطه الآسر «الملكة»، لن تكون مهمته سهلة لاختيار الفيلم الذي سيحمل السعفة الذهبية، وأمامه 21 فيلماً اختارتها لجان المشاهدة المؤلفة من خمسين مختصاً بالفن السابع، من بين 1550 شريطا من أنحاء العالم.
ولم يكن للسينما العربية الحظ ـ كما العادة ـ أن تحظى باشتراك فيلم واحد، واقتصر الحضور على بضعة أعمال قليلة من الجزائر ولبنان تعرض على هوامش المهرجان، مثل اللبنانية نادين لبكي وفيلمها «كارمال»، وفيلم الجزائري مهدي شارف «كيرتوشي غولواز»، واشتراك المخرج المصري يوسف شاهين بفيلم جماعي من إنتاج المهرجان في دورته الستين بعنوان «سينمات خاصة»، وإلى جانبه المخرج الفلسطيني إيليا سليمان.
وفي المسابقة الرئيسية 21 فيلماً، يفتتح عروضها فيلم من رومانيا بعنوان «أربعة أشهر، وثلاثة أسابيع ويومان» من إخراج كريستيان مينغيو، يليه من شرق أوروبا الحاضر الدائم في «كان» و«برلين» و«البندقية»، ألكسندر سوكوروف بشريط طويل تحت عنوان «الكسندرا». وسوكوروف حائز على جوائز عدة من «كان» منها جائزة أفضل سيناريو عن فيلم «مولوخ» في العام 1999، ورشحت أعماله خلال السنوات العشر الأخيرة للسعفة الذهبية ولم يساعده الحظ لكي ينالها.
فاتح إيكين المخرج التركي الأصل والمولود في مدينة هامبورغ الألمانية، يتوقع له أن يحمل معه شيئاً من الجوائز الفرنسية عن شريطه «من الضفة الأخرى»، وهو الحائز على الدب الذهبي من مهرجان برلين العام 2004. الأميركي كوينتين تارانتينو حاضر بشريطه «دليل الموت»، ويضفي لمسة مميزة على المهرجان بإخراجه غير التقليدي. من النمسا يشترك مخرج شاب مغمور إلى حد ما بفيلم «استيراد وتصدير».
الفرنسيون حاضرون بقوة في مهرجان بلدهم من خلال أعمال مستقلة في الإنتاج أو مشتركة.. كاترين بيريا في فيلم رومانسي على الطريقة الفرنسية بالطبع، بعنوان «المغرمة العتيقة»، وبيلا تارب في «الرجل من لندن» (إنتاج مشترك)، وجوليان شابيل في»غرفة الغوص والفراشة»، ورفائيل ناجاري بالاشتراك مع إسرائيل بفيلم معنون باللغة العبرية «تهليم»، ومن إنتاج مكسيكي فرنسي مشترك «الضوء الصامت» للمخرج كارلوس ريغيديز. وهناك أفلام أخرى فرنسية ضمن المسابقة وخارجها، بعضها هامشي وبعضها الآخر الكلام الإيجابي عنه يسبقه.
آسيا هذا العام حضورها معقول ومقبول، خاصة وان من يرفعها في ستينية «كان» كبارها أمثال لي شانغ دونغ الكوري الشمالي في فيلم «سر الشروق»، وهذا فيلمه الرابع لكنه صاحب مكانة كبيرة في عالم الفن السابع، وكل عمل من أعماله يؤسس لسينما لا تستكين إلى أسلوب أو نمط..
أفلامه هي: «السمكة الخضراء»، «النعناع كاندي»، «الواحة»، الذي نال عنه الأسد الذهبي في مهرجان البندقية منذ ثلاثة أعوام. الصيني المولود في هونغ كونغ يأتي بجديده «الليالي العنابية» أيضاً باشتراك إنتاجي فرنسي، ناومي كاوسي اليابانية المتخصصة في أفلام الرعب تقدم «غابة ماغاري» وهي حائزة من «كان» على جائزة الكاميرا الذهبية في العام 1997.
الأميركيون حصتهم كبيرة في المهرجانات السينمائية الأوروبية الثلاثة:(كان وبرلين والبندقية) خلال السنوات العشر الأخيرة. فإلى جانب تارنتينو يأتي جيمس غراي ب«نمتلك الليل»، ويشترك الأخوان جويل واثين كوين بفيلم واحد تحت عنوان «لا وطن للرجل العجوز». يبقى الحديث عن فيلم «زودياك» للمخرج دافيد فينشر، الذي يرتعب منه كل من يشترك في المسابقة.
فهذا المخرج الفذ، «الراديكالي» بمفهومه للسينما إذا صح التعبير، اقتحم عالم السينما في الثامنة من عمره متدرباً على كاميرا (8 ملليمترات) برعاية جورج لوكاس صاحب السباعية السينمائية المشهورة «حرب النجوم»، وفي العام 1995 قدم تحفة سينمائية لا يمكن تجاوزها.. «سيفن» المحفوظ في ذاكرة السينما. وليست أفلامه الأخرى أقل قيمة، ومن شاهد عروض «زودياك» الخاصة من النقاد، يقول إن فينتشر سيخرج من «كان» وبين كفيه الذهب الفرنسي، في إشارة إلى «السعفة الذهبية» أرفع جوائز مهرجان «كان».
دبي ـ حسين قطايا

