أكد بهجت الدرويش أحد المستشارين الرئيسيين لدى شركة بوز الين هاملتون في مجال الاتصالات والتقنية أن الدراسات الميدانية أظهرت وجود علاقة عكسية بين حجم تدخل الحكومات في قطاع الاتصالات وحجم استثمارات القطاع الخاص فيه، فكلما زادت سيطرة الحكومات على القطاع قلت الاستثمارات الخاصة.
مشيرا إلى أن هيئات تنظيم الاتصالات في المنطقة مطالبة ببناء الأطر القانونية والإجرائية الضامنة والتزام الحيادية والشفافية وكذلك بناء الكفاءات الداخلية لاستيعاب التطورات والقدرة على إدارة القطاع. وقال إن قطاع الاتصالات العربي يعج بفرص نمو هائلة وإنه يحتاج إلى تحسين أدائه، وفق نتائج تحليل قامت به بوز ألين هاملتون مؤخرا فإن الإدارة التنظيمية الفعالة هي المفتاح لبناء أسواق اتصالات قادرة على النمو والازدهار.
فنجاح أو فشل قطاعات الاتصالات يتوقف غالبا على وجود الأطر والممارسات التنظيمية الفعالة. فالتجارب العالمية توضح أن التنظيم الفعال يشجع النمو والاستثمار في قطاع الاتصالات، ويعزز الابتكار التقني والخدمي، ويرتبط بأسعار منخفضة وخيارات أوسع للمستهلك مما يؤدي إلى انتشار أكثر للخدمات.
وقال إن المسائل التي تحيط بتنظيم الاتصالات هي مهمة على وجه الخصوص بالنسبة لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. «فمعظم الدول في المنطقة خطت خطوات ملموسة في تحرير أسواق اتصالاتها تدريجيا وإدخال التقنيات الجديدة، ولكن كقاعدة عامة، ما زال هناك مجال تحسين النهج المطبق في السياسة والتنظيم» حسب مكتب الرياض.
«وهذا يساعد في خفض المخاطر التنظيمية التي تحد الاستثمارات وتحول دون تنمية قطاع الاتصالات في المنطقة». وأضاف الدرويش: «أظهرت دراسة في إحدى البيئات الناشئة أن الاستثمارات في الاتصالات المتنقلة أدنى بنسبة 25% والتكلفة الإجمالية للملكية أعلى بنسبة 10%،
وانتشار سوق الاتصالات المتنقلة أدنى بنسبة 30% نتيجة عدم تبني هذه السوق لإطار تنظيم أكثر فعالية»، «وهناك الكثير من الأمثلة حول العالم عن الإدارة التنظيمية التكتيكية أو غير المطابقة لحاجة السوق مما يؤدي إلى تدني القيمة الإجمالية لقطاع الاتصالات».
«تهدف الإدارة التنظيمية الفعالة إلى تأسيس أطر تنظيمية كافية وممارسات تنظيمية ناضجة تحرك تنمية السوق وتعزز استحداث القيمة على المدى الطويل» كما أشار الدرويش. ويبين أن الإدارة التنظيمية الفعالة تتصف بنهج كلي واستراتيجي حيال مسائل السياسة والتنظيم، والتخطيط التنظيمي على المدى الطويل،
وتكليف وفصل واضحين في المسؤوليات الخاصة بين تحديد سياسة السوق وتنظيمه. وبمعنى آخر، يمكن تقييم كفاءة الإدارة التنظيمية بناء على المدى الاستراتيجي الذي بلغته بدلا من التكتيك، ومطابقة هذه الإدارة التنظيمية حسب ظروف السوق السائدة بدلا من نقلها عن أسواق أخرى دون تكييف مناسب.
«يوجد لدى كافة الأطراف المعنية الرئيسية المشاركة في قطاع الاتصالات - الحكومة، الهيئات الناظمة، والمشغلين - أدوار مميزة وهامة يتعين عليهم لعبها بشكل كامل، كما يقول الدرويش. وبمعاينة أدوار هؤلاء اللاعبين الاساسيين الثلاثة، تم تحديد تسع أدوات رئيسية لتطوير التنظيم تساعد في تعزيز نمو الاتصالات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وفي نهاية المطاف، فإن المستخدم النهائي إذا لم يكن هدف الإدارة التنطيمية الفعالة، هو اللاعب الأكثر تأثرا بالناحية الإيجابية منها في شكل أسعار مخفضة، تقنيات متقدمة، وخدمات أكثر تنوعا.
الاستقلال التنظيمي
تعمل الحكومة على المستوى الكلي لتطوير قطاع الاتصالات، والاقتصاد الوطني، والمجتمع ككل. «لتنفيذ مستلزماتها القانونية بشكل أكثر فعالية، فإن على الحكومات منح الهيئات الناظمة السلطة لتحقيق الاستقلال الهيكلي والمالي. ولتحقيق هذا الهدف، لا تقوم الحكومة بإصدار قرار بسياسة ما لاستحداث هيئة تنظيمية مستقلة فحسب،
بل تعطي هذه الهيئة الصلاحية لتعمل بشكل مستقل وفعال». كما يقول فادي الياس الاستشاري من مكتب بوز ألين هاملتون في بيروت. وقد حققت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تقدما ملموسا، ومع ذلك، يمكن للهيئات الناظمة في المنطقة تطوير استقلالهم السياسي والمالي بشكل أكبر.
ويشرح إلياس، «من ناحية أخرى، يجب على الحكومات الإقليمية أن تأخذ في الاعتبار خفض ملكيتها في المشغلين الأساسيين لتشجيع الاستثمارات في قطاع الاتصالات». فالملكية المتدنية لا تمنع الحكومة من توجيه القطاع نحو مسار نمو صحي. وعلى الرغم من أن دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بدأت في تحرير أسواق اتصالاتها في العقد الأخير، فإن على معظمها خفض مستويات ملكية الحكومة فيها.
وقال إلياس: «إن الإجراء الرئيسي الثالث الذي يتعين على الحكومة أخذه نحو إعداد بيئة مواتية لتنمية قطاع الاتصالات هو تحديد مستوى ملائم من الالتزامات المالية لفرضه على المشغلين». فوجود درجة من الالتزامات المالية أمر ضروري على سبيل المثال في شكل ضرائب شركات؛ ومساهمات يمكن استخدامها في تمويل أنشطة الإشراف التنظيمي، وبرامج الأبحاث، وأموال الخدمات الشاملة.
ويكمن المفتاح في أن الالتزامات المالية يجب ان تكون قوية وثابتة بما فيه الكفاية لتمويل هذه الأنشطة بالكامل، ولكن متواضعة بما فيه الكفاية لزيادة جاذبية القطاع وإعادة الاستثمار. وفي الواقع، إن الاتجاه السائد على مستوى العالم هو فرض التزامات مالية اقل على مشغلي الاتصالات، ومع ذلك، يواصل العديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فرض التزامات مالية عالية على الشركات أكثر مما تفعله مثيلاتها المعاصرة.
دور الهيئات
تعمل الهيئة الناظمة كحارس للقطاع. فهي تنفذ السياسات الوطنية، وتضع النظم، وتراقب نمو القطاع وترفع التقارير عنه، وتحل النزاعات بين الأطراف المعنية المتنافسة بما في ذلك المستهلكون. ولضمان نمو السوق والتنمية الشاملة للقطاع، يجب على السلطات الناظمة التقيد بقيم التحريك الرئيسية الأربع: الشفافية، الكفاءة، الاستقلالية، وعدم التمييز. وتمثل هذه القيم الأصول المتبعة في التنظيم الحديث. »إن تحقيق هذه الأهداف لا يكون دائما سهلا،
وعلى وجه الخصوص مع انتقال دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من أنظمة الاحتكار المنغلقة إلى هياكل السوق المتحررة» كما يقول شادي سميرة، الاستشاري في شركة بوز ألين من مكتب بيروت. وسيتم معالجة العديد من هذه المسائل مع مرور الزمن ونضوج منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا وتطور الممارسات التنظيمية على نحو مطابق.
ويجب على الهيئات الناظمة أيضاً التأكد من أن إطار الترخيص لا يقيد نمو قطاع الاتصالات. وعلى العموم، تميل قطاعات الاتصالات المتطورة إلى تبني أطر عمل ترخيص وتنظيم حيادية تجاه الخدمات والتقنية. وفوائد الحيادية لا تحصى ولا تعد، حيث أنها تنزع الامتياز التنظيمي من خيارات التقنية التنافسية
وتسمح للمشغلين بزيادة أنواع الخدمات، وزيادة روافد الإيرادات، وتقليل عدم الكفاءة. ويقول سميرة « لقد تبنت الأردن أيضاً نظام ترخيص محايد، يمكّن من تنمية تشكيلة واسعة من التقنيات والخدمات من قبل المشغلين المرخصين، دون الحصول على موافقة إضافية - شبكة طيئى، شبكة WiMax، الهاتف الواحد (OnePhone)، الاتصالات الصوتية من خلال بروتوكول الإنترنت، وسائط اللعب الثلاثي، التلفزيون المتنقل، التلفزيون من خلال بروتوكول الإنترنت، والبلاك بيري.
إضافة إلى تبني قيم «أفضل الممارسات» الأربعة في تنظيم الاتصالات، يجب أن يكون لدى السلطات الناظمة القدرة على تحديد الممارسات المخلة بالتنافس والصلاحية لفرض عقوبات عليها عند وقوعها. ويضيف سميرة: «للحماية من هذه الممارسات، يجب على الهيئات الناظمة الشروع في تطبيق وإصدار النظم التي تبين أطر عمل الممارسات المنافسة والأسعار العادلة».
ويجب عمل ذلك بالتشاور مع الاطراف المعنية لتشجيع التبني من قبل كافة الأطراف المتأثرة بهذه النظم. ويجب على الهيئات الناظمة أيضاً أن تحدد بوضوح أسواق الاتصالات الرئيسية التي سيتم فيها تطبيق نظم المنافسة، وتحديد أصحاب القوى الأساسية في تلك الأسواق الرئيسية، وتحديد الممارسات المخلة بالتنافس.
الوصول للموارد
الدور الرئيسي الأخير الذي يقع على عاتق الجهات التنظيمية هو ضمان الوصول الملائم لكافة المشغلين في سوق الاتصالات إلى الموارد الضرورية - كلا من البنية التحتية والمستهلكين. فمن ناحية، تحتاج الهيئات الناظمة إلى تقرير النهج الصحيح لإدارة البنية التحتية للدولة.
وتقع نماذج البنية التحتية بشكل عام في واحد من شكلين اثنين: نموذج الفصل الافتراضي، والذي يحتفظ فيه المشغل الأساسي بالسيطرة على البنية التحتية، ونموذج الفصل الهيكلي الكامل والذي يتم فيه إدارة البنية التحتية للمشغل الأساسي من قبل شركة مستقلة هيكليا وتشغيليا.
ويمكن أن يكسب النموذج الأخير اهمية متزايدة في المستقبل. ويضف سميرة: «إن الفصل الهيكلي الكامل هو أكثر تعقيدا نوعا ما في التطبيق من الفصل الافتراضي، والذي غالبا ما يرفض تبنيه المشغلون الأساسيون. وعلاوة على ذلك، فإن فوائد هذا النوع من النظام لا يمكن تحقيقها إلا بعد اكتمال تحرير سوق الاتصالات».
ومع ذلك، وعلى المدى الطويل، فإن تبني الفصل الهيكلي الكامل يجذب الاستثمارات في القطاع ويشجع شركة البنية التحتية على الإبقاء على البنية التحتية مطورة من أجل جذب العملاء. من ناحية أخرى، يجب على المشغلين الجدد في سوق الاتصالات إذا ما أرادوا النجاح
ليس فقط أن يكونوا قادرين على الوصول إلى البنية التحتية ولكن أيضاً إلى العملاء. ويمكن أن يكون تنظيم الوصول الفعال إلى العملاء خاضعا لأربعة مبادئ: الربط البيني بين الشبكات العادل والموقوت، وقابلية حمل الأرقام، فك الحلقة المحلية، واختيار الناقلة.
وأخيرا الأطراف المعنية في البيئة التنظيمية هم في الواقع مشغلو الاتصالات أنفسهم. يقول سميرة: «إن انخراط المشغلين بشكل فعال في عملية التنظيم هو أمر هام، فهم لديهم خبرة عملية لعمليات السوق والتقنيات الحديثة، والوصول المطلوب إلى موارد البنية التحتية والعملاء». ومن هذا المنطلق، يجب عليهم التركيز على (1) بناء إمكانات الإدارة التنظيمية الفعالة ضمن مؤسساتهم، (2) التواصل بشكل استباقي ومكثف مع الهيئات الناظمة.
نمو الشرق الأوسط
يقول كريم صباغ، نائب رئيس شركة بوز الين للاتصالات والتقنية والإعلام في الشرق الأوسط الذي يتخذ من دبي مقرا له: «هناك فرصة كبيرة الآن للتنمية الكاملة لقطاع الاتصالات في المنطقة، تحرير قيمته السوقية بالكامل، وبالتالي زيادة المساهمة الشاملة للقطاع في الاقتصاد الإقليمي». في عام 2006، تجاوز نمو إجمالي الناتج المحلي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نمو بقية العالم بنسبة 2% تقريبا.
ومن عام 2000 إلى 2005، تجاوزت معدلات النمو السكاني لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل ثابت المعدلات في بقية العالم. إضافة إلى ذلك، يلاحظ معدلات اختراق متدنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (خاصة بالنسبة للإنترنت والنطاق الواسع) والذي يُترجم مرة أخرى إلى وجود مجال كبير للنمو.
وعموما، يقول صباغ: «إن مشاركة القطاع الخاص في البنية التحتية في المنطقة في ازدياد، فقد قفزت من حوالي 6, 1 مليار دولار في عام 2002 إلى 7, 6 مليار دولار في عام 2005». ويشير كذلك إلى أن «الافتقار إلى الإدارة التنظيمية الفعالة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - وتأثيرها على عملية حساب المخاطر للمستثمرين المحتملين - قد يزيد العوائق الرئيسية أمام الاستثمارات الجديدة.
إن تشجيع هذا الاتجاه نحو مشاركة القطاع الخاص وتحرير السوق يتطلب إجراء حريصا من جانب اللاعبين الرئيسيين الثلاثة في قطاع الاتصالات - الحكومات، الهيئات الناظمة، والمشغلين. ويقول صباغ: «وأخيرا، ومع عمل الأطراف المعنية معا لتأسيس أطر عمل وممارسات تنظيمية فعالة تصبح البيئة ناضجة ومواتية لاستثمارات وابتكار متزايدة، وتبنِ أكثر ومعدلات استخدام أعلى». وتكون الحصيلة النهائية مساهمة أعلى في الاقتصاد الشامل والتنمية الاجتماعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.