أكد الدكتور جاسم المناعي رئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي ان ظاهرة الارتفاع الكبير في أسعار النفط التي تشهدها الاقتصادات العربية منذ عدة سنوات كان لها عدة آثار ايجابية وبعض الآثار السلبية على معظم ان لم يكن كل الدول العربية، مشيراً إلى ان زيادة الإيرادات النفطية ساعدت على تحسين النمو الاقتصادي العربي إلى حوالي 6% خلال السنوات الثلاث الماضية مقابل نسبة لا تزيد على 6,3% خلال التسعينات، مما زاد من توفر فرص الاستثمار ومشاريع التنمية وأدى إلى خلق فرص عمل ساعدت على تخفيف معدلات البطالة، وفي بعض الحالات تحسين مستوى المعيشة.
وأوضح الدكتور المناعي في دراسة حديثة له حول تأثير ارتفاع أسعار النفط على الاقتصادات العربية انه من التأثيرات الايجابية الأخرى ان الفوائض الجديدة في الإيرادات لم تذهب كلها في شكل مصروفات ونفقات مثلما حدث في الفورة النفطية الأولى خلال السبعينات، وكان تعامل الدول النفطية هذه المرة مع الفوائض المالية أكثر حذراً.
مشيراً إلى انه بالرغم من زيادة النفقات على بند الرواتب والأجور وبعض النفقات الاستثمارية على مشاريع البنية الأساسية إضافة إلى زيادة مخصصات قطاعات التعليم والصحة إلا ان الجزء الأكبر من الفوائض المالية وظف بشكل رئيسي في ثلاثة مجالات تعتبر ايجابية كان أبرزها تعزيز المدخرات من خلال إنشاء صناديق الاستقرار المالي وصناديق الأجيال القادمة.
وقدر الدكتور المناعي حجم ما ادخرته الدول النفطية بحوالي ثلث الإيرادات الإضافية التي تراكمت لديها منذ عام 2002، مشيراً إلى ان ما يعكس المستوى المرتفع للادخار بالنسبة للدول النفطية ان فائض الحساب الجاري لديها وصل إلى ما يزيد على 21% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأضاف انه من المجالات الأخرى التي وظفت فيها الفوائض المالية تعزيز الاحتياطيات الأجنبية لدى البنوك المركزية، مشيراً إلى ارتفاع كبير في مستوى الاحتياطيات الأجنبية للدول العربية خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث ارتفعت هذه الاحتياطيات بمقدار الضعف ووصلت إلى ما يتجاوز 500 مليار دولار العام الماضي.
وأشار إلى ان المجال الثالث الذي وظفت فيه الفوائض المالية تخفيض مديونية القطاع العام، حيث انخفض الدين العام بالنسبة للدول العربية عموماً من حوالي 70% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2002 إلى 42% في عام 2006، موضحاً انه في حالة الدول النفطية انخفض الدين العام من حوالي 50% من الناتج المحلي في عام 2002 إلى النصف تقريباً ليصل إلى 25%، وكان ذلك واضحاً بشكل خاص في حالة دول مثل اليمن والجزائر وسوريا وعمان والسعودية والكويت.
وأضاف انه من التأثيرات الايجابية الأخرى للفوائض المالية المترتبة على ارتفاعات أسعار النفط زيادة تحويلات العمالة العربية التي تعمل في الدول النفطية، كما انعكست هذه التأثيرات كذلك في زيادة التجارة والسياحة والاستثمارات البينية.
من ناحية ثانية أشار الدكتور جاسم المناعي إلى ان أهم التأثيرات السلبية لارتفاع أسعار النفط في الدول العربية تتمثل أساساً في التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل كبير أدى إلى تدهور المستوى المعيشي لكثير من الأفراد ويتعدى تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة تدهور المستوى المعيشي للأفراد، حيث ان الأمر الأكثر سلبية هو ان ارتفاعات الأسعار وزيادة التضخم أضعف من القدرة التنافسية لكثير من دول المنطقة في سعيها لاجتذاب الاستثمارات والشركات والأعمال.
ومن الآثار السلبية كذلك المضاربات في الأسهم والعقارات، حيث ان زيادة السيولة بشكل كبير أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في التعامل بالأصول المالية والعقارية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعارها بشكل غير طبيعي نتج عنه فيما بعد حركات تصحيحية حادة ومؤلمة كما نشهدها اليوم في عدة بورصات عربية.
ومن التأثيرات السلبية الأخرى لارتفاع أسعار النفط ما تعانيه الدول العربية غير النفطية من ارتفاع فاتورة استيراد المنتجات النفطية، الأمر الذي اضطر بعضها إلى رفع أسعار المحروقات مما ترتب عليه ردود فعل اجتماعية غاضبة. وأضاف انه من التأثيرات السلبية الأخرى لارتفاع أسعار النفط احتمالات تراخي جهود الإصلاح حيث ان زيادة النفقات الجارية خاصة فيما يتعلق بالأجور والرواتب والمنح والإعانات قد تضعف سياسات الترشيد وتقلل من أهمية الانضباط المالي وتزيد من هيمنة القطاع العام.
وأكد الدكتور المناعي في دراسته ان الظروف الحالية تمثل فرصة كبيرة لتنفيذ كثير من الإصلاحات الاقتصادية التي قد يصعب إجراؤها وتقبلها شعبياً عندما تكون الظروف الاقتصادية صعبة وليست على ما يرام، مشيراً إلى وجود حاجة إلى مزيد من تنظيم وتطوير الأسواق المالية العربية لتأكيد دورها في تعبئة المدخرات لتمويل المشاريع والاستثمارات المنتجة وتوفير فرص الاستثمارات المجدية والحرص على ألا تكون مجرد مكان للمضاربة والكسب السهل والسريع.
ويتطلب ذلك قواعد وإجراءات متطورة حتى نضمن توظيف المدخرات في الاتجاه الصحيح وحماية صغار المستثمرين من التلاعب وتسريب المعلومات وتضارب المصالح والحرص على فصل الجانب الرقابي عن عملية إدارة البورصات، كما يتطلب هذا أيضاً عدم السماح لشركات ومؤسسات وهمية بتداول أسهمها في البورصات.
مشيراً إلى انه من المتعارف عليه الا يسمح بإدراج أسهم أية شركة دون ان يكون قد مضى عليها حد أدنى من سنوات العمل الجاد والملموس والمربح الذي يبرر قدرتها في جذب مدخرات وأموال المستثمرين، كذلك ينبغي الحرص والتأكيد على ضرورة الالتزام بالإفصاح والشفافية لضمان حصول المستثمر على المعلومات الكافية والسليمة التي تمكنه من اتخاذ قراراته الاستثمارية وفقاً لدراسة ومعلومات مطمئنة، اننا نعتقد بضرورة إلزام الشركات التي ترغب في إدراج أسهمها في البورصة ان يكون لها تصنيف ائتماني من مؤسسات التقييم المعتمدة والمعترف بها.
وأضاف ان هناك حاجة إلى مزيد من التحسين في مناخ الاستثمار حيث ان درجة الحرية الاقتصادية والشفافية ومستوى الحكم الصالح والجدارة الائتمانية وتكاليف وإدارة الأعمال في الدول العربية لا تشجع كثيراً على الاستثمار في العالم العربي، مشيراً إلى انه وفقاً لمؤشر مؤسسة Heritage Foundation للحرية الاقتصادية فقد وجد ان هناك 13 دولة من 20 دولة عربية تعتبر ضعيفة أو ضعيفة جداً في مجال الحرية الاقتصادية.
كما انه ووفقاً لمعايير المنظمة العالمية للشفافية ومستوى الفساد، هناك ست دول عربية فقط وضعها مقبول والباقي دون المستوى، اما فيما يخص مؤشر الحكم الصالح الذي أعده البنك الدولي فقد احتلت الدول العربية مراتب متواضعة.
وقال انه على صعيد الجدارة الائتمانية وجد ان هناك حتى الآن عدد قليل من الدول العربية يتمتع بدرجات استثمارية، اما فيما يتعلق بظروف وبيئة الأعمال فسواء تعلق الأمر بالإجراءات أو الحد الأدنى من رأس المال المطلوب لمباشرة أي أعمال أو إجراءات التوظيف والفصل أو قوانين الإفلاس وغيره، فان بيئة الأعمال في الدول العربية تعتبر مكلفة وغير مشجعة، مما يؤدي إلى ضعف جاذبية الدول العربية لرؤوس الأموال والاستثمار، الأمر الذي يتطلب ان تعطي هذا الوضع الاهتمام اللازم في الإصلاحات المطلوبة.
زيادة مستوى الشفافية والاندماج
طالب الدكتور جاسم المناعي بزيادة مستويات الإفصاح والشفافية حيث مازالت دول عربية عديدة لا توافق على نشر تقرير صندوق النقد الدولي حول أوضاعها الاقتصادية والذي يتم إعداده وفقاً للمادة الرابعة الخاصة بالمشاورات الدورية مع الصندوق، كذلك فان عرض ميزانيات الدول العربية يتم حتى الآن وفي كثير من الحالات بطريقة مبهمة وغير شفافة، موضحاً ان موضوع درجة الشفافية والإفصاح ينطبق على الشركات والمؤسسات وان ثقافة تصنيف الجدارة الائتمانية لم تتطور بعد في منطقتنا، الأمر الذي يعكس نوعاً من التردد في التجاوب مع الشفافية والإفصاح المطلوبين.
ودعا إلى تفعيل السياسة النقدية العربية لكي تتعامل بشكل أفضل مع ارتفاع التضخم وتغير أسعار الصرف العالمية واختلاف وتباين الدورات الاقتصادية التي تشهدها الاقتصادات العربية، مشيراً إلى ان تجربة الفورة المالية التي شهدتها الدول العربية المنتجة للبترول نتيجة للارتفاع الكبير في أسعاره، وما ترتب عليها من سخونة الأنشطة الاقتصادية والارتفاع غير الطبيعي وغير الصحي لأسعار الأصول وبخاصة المالية والعقارية وما ترتب على ذلك من زيادة كبيرة في تكاليف المعيشة وارتفاع مستويات التضخم التي وصلت إلى 7% .
ويشير إلى الحاجة المتزايدة لإعادة النظر في وضع السياسة النقدية لممارسة دورها الطبيعي في التعامل مع الدورات الاقتصادية ومكافحة التضخم وتحقيق استقرار الأسعار، موضحاً ان مستوى تدفق السيولة ونمو معدلات عرض النقود التي قدرت بالمتوسط في حدود 20% سنوياً لم تكن متحفظة للحد من مضاعفات سخونة الاقتصاد ومجابهة خطر التضخم، حيث ارتفع حجم الائتمان بشكل كبير خلال السنوات الثلاث الماضية من 36% إلى أكثر من 46% من الناتج الإجمالي المحلي.
وأوضح ان المفارقة الملفتة للنظر انه في حالات الرواج الذي يكون هناك حاجة إلى التخفيف من سخونة الاقتصاد يلاحظ ان منح الائتمان يتزايد بشكل مخيف في هذا الوقت الذي يشح فيه مثل هذا الائتمان الذي تكون هناك حاجة ماسة إليه خلال أوقات الكساد وضعف النشاط الاقتصادي اما الملاحظة الأخرى في هذا الشأن فهي عدم وجود مبادرات أو محاولات لتعقيم الاقتصاد على اثر التدفقات المالية الهائلة التي ترتبت على ارتفاع الفوائض المالية، وذلك حتى يمكن التخفيف من حدة ارتفاع الأسعار وفورة الأنشطة الاقتصادية خلال هذه المرحلة.
وأشار إلى احتمال تدهور كبير في سعر صرف الدولار نظراً لتفاقم عجز الحساب الجاري الأميركي الذي وصل إلى مستوى غير قابل للاستمرار ومثل هذا الاحتمال إذا ما تحقق فان من شأن ذلك ان يزيد كثيراً من المستوى المرتفع الذي وصلت إليه معدلات التضخم حالياً، كما ان من شأن ذلك إضعاف القوة الشرائية للأفراد وامتصاص جزء كبير من الفوائض المالية من خلال ارتفاع فاتورة الاستيراد وإزاء هذه المعطيات أكد ضرورة تفعيل السياسة النقدية.
أبوظبي ـ عبدالفتاح منتصر
