لم تستطع مخيلتي المتعبة، وأنا أتمشى للمرة الأولى في شارع «الحمرا» في بيروت، الانعتاق من ارث الذكرى، ذكرى أبي الذي كان قد زارها مراراً في الستينات، وحين كان يشاهد الشيخ عمر الداعوق على شاشة تلفزيون دبي، كان يتذكر بيروت الستينات ولقاءاته مع الشيخ الداعوق رحمهما الله .

إرث آخر من بيروت أخذته من أمي..أخوها الذي هو خالي كان من أوائل الذين درسوا في الجامعة الأميركية، الذي أتذكره وهو شيخ كبير في السن، وأول شخص أتعرف عليه ممن حفظوا القرآن الكريم كاملاً عن ظهر قلب بعد أبي.

كانت تقام له الاحتفالات حين يحل موعد سفره إلى بيروت حسب رواية أمي، ومراسم وداع مؤثرة، قبلات وتنهدات ودموع فراق حارة، وتجهيزات من أنواع المعجنات إلى الملابس والمصاريف، وكأنه ذاهب إلى الغزو وليس إلى بيروت، هذه الطقوس كلها لم أشهدها بنفسي ولكن كانت هذه السيرة تفتح كلما جاء ذكر بيروت.

ما أتذكره هو ابنه الذي كان يكمل دراسته الجامعية في جامعة الحكمة في لبنان التي قضى فيها سنتان على ما أذكر قبل ان تغلق أبوابها . كنت أحمل تلافيف هذه الخواطر وأنا أجول في الشارع العريق، أتعب فأستريح على كرسي في مقهى «ستارباكس» أو «كوستا»، نأخذ فنجان قهوة، ونتصفح صحف الصباح الطازجة بعد «ترويقة» مناقيش ساخنة من الفرن المجاور للفندق.

بيروت التي ذكرتني بمدن أوروبية عريقة، كنت أصفها لأصدقاء الرحلة بأنها عبارة عن مدينة أوروبية «معربة» ولكنها حميمة وحنونة.. ذكرتني بأجواء اسطنبول فيها الكثير من أجوائها وصباحاتها وحتى أكلاتها و«اللحم بعجين» الشهي الذي يتناوله الناس هناك وقوفاً في الشارع. أعجبتني هذه الطريقة في التهام «اللحم بعجين» الذي لم أكن أمسك نفسي حين أراه ساخناً يتصاعد منه البخار صباحاً، لحين الوصول إلى غرفة الفندق الكبير والصغير، الطالب والحرفي والمدير وسائق التاكسي والصحافي وماسح الأحذية، كلنا كنا نقف جنباً إلى جنب نلتهم المناقيش صباحاً أمام الفرن.

أريحية الإنسان اللبناني أشرقت علينا منذ اللحظة الأولى لهبوطنا في المطار، رجال الجوازات لا تحس بأنهم متوترون أو متنمرون متحفزون للانقضاض على طرائد، أو ينظرون إليك بريبة كما كان يحصل معي في بعض الدول حتى الأوروبية. شعب لبنان من أشهر الشعوب المثقفة التي تتقن الحديث بأكثر من لغة، ولكن مع ذلك لم ألحظ فيهم محاولة الرطانة معي بأي لغة غير العربية، مع ان لبنان يعتبر من الدول الفرانكفونية، وهذا ما حببني أكثر بهذا البلد.

jaalsanjari@yahoo.com