برزت خلال الأيام القليلة الماضية العديد من المؤشرات التي تؤكد أن سياسات إمدادات الغاز باتت تثير خلافاً واضحاً بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، الأمر الذي بات ينذر بالعودة إلى حالة «التناطح» التي كانت تميز علاقات الدولتين إبان حقبة الاتحاد السوفيتي السابقة.

وتأجج الجدل أكثر بعد التقارير التي تحدثت عن جهود تبذلها البلدان المنتجة للغاز، ومن بينها روسيا، لإقامة تجمع على غرار منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك». وكانت لجنة الشؤون القانونية في مجلس الشيوخ الأميركي صوتت بالإجماع منتصف الأسبوع الماضي لمصلحة مشروع القانون الذي يمنع الدول الأجنبية من إنشاء التجمع. ويتيح القانون الجديد للإدارة الأميركية ممثلة بالمدعي العام مقاضاة حكومات البلدان التي تخالف هذا القانون.

واستبعد جاي كاروزو رئيس إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن تشكل الدول المنتجة للغاز مثل ذلك التكتل لان أغلب تجارة الغاز العالمية تتم عن طريق عقود طويلة الأجل. وقال كاروزو «في اعتقادي الشخصي أن ذلك أمر مستبعد لان الغاز في قطاع الغاز الطبيعي المسال يختلف كثيرا عن النفط».

واجتمع كبار مصدري الغاز في الدوحة في وقت سابق هذا الشهر واتخذوا خطوة صغيرة باتجاه تأسيس منظمة على غرار أوبك. وقال كاروزو خلال مؤتمر عن الغاز الطبيعي المسال في برشلونة «اعتقد ان مصدري الغاز سيستمرون في عقد الاجتماعات وإجراء المحادثات لكني أعتقد أن هذا أمر مستبعد وبالتأكيد في الأجل المتوسط».

وأضاف أن أصحاب منشآت تسييل الغاز المكلفة في الدول المنتجة للغاز عادة ما يبيعون من 80 إلى 90 بالمئة من إنتاجهم عن طريق عقود طويلة الأجل. وتابع انه ما لم توجد سوق فورية قوية للغاز الطبيعي المسال لن يكون التكتل عمليا والسوق الفورية ستقتصر على الأرجح على ما بين عشرة و20 بالمئة من إنتاج الغاز وهي النسبة التي سيرغب المنتجون في بيعها في الأجل القصير.

وعلى الفور ردت وزارة الخارجية الروسية على التصريحات الأميركية ان مشروع القانون الأميركي الذي يمنع إنشاء تجمعات للنفط والغاز يعد انتهاكا للقانون الدولي ومبدأ المساواة في السيادة بين الدول. ونقلت وكالة أنباء نوفوستي عن الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الروسية ميخائيل كامينين قوله إن «من حق هذه الدول أو تلك سياديا اتخاذ قرار بشأن تشكيل تجمعات في مجال النفط والغاز». وأضاف «تحاول الولايات المتحدة ليس للمرة الأولى إصدار قوانين تتجاوز شموليتها الحدود الأميركية».

بدوره قال رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الفيدرالية الروسي ميخائيل مارغيلوف أن مشروع القانون الأميركي يعتبر تدخلا مباشرا في الشؤون الداخلية للدول المنتجة للنفط والغاز. وأضاف إن «تطبيق أي قانون أميركي على العالم كله يمثل انتهاكا لحقوق الدول ذات السيادة».

وأشار إلى أن مشروع القانون المذكور الذي يستند إلى قانون مكافحة الاحتكار الذي يعود بدوره إلى ما قبل 117 عاما أثار «استغراباً مفهوماً» لدى شركات النفط والغاز في جميع البلدان.

أما رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما الروسي قسطنطين كوساتشوف فقد شدد على أنه «لا يحق لمجلس الشيوخ الأميركي منع روسيا من المشاركة في أي منتدى بما في ذلك «تجمع الغاز» المحتمل، وأن روسيا ستنطلق من مصالحها الخاصة فقط».

ومن جانبه رأى رئيس معهد الدراسات السياسية بموسكو سيرغي ماركوف في مشروع القانون الأميركي الجديد سلاحا سياسيا لحل المشكلات الاقتصادية. لكن في خطوة أخرى تهدف إلى طمأنة الجيران الأوربيين قال وزير الطاقة الروسي فكتور خريستنكو ان بلاده تعتزم تنويع مسارات نقل الطاقة إلى أوروبا للحد من مخاطر تعطل الإمدادات. وأوضح «اننا ندرس مختلف مسارات نقل الطاقة إلى أوروبا. وسوف يقلل هذا من المخاطر التي تكتنف توريد الإمدادات».

وكانت روسيا أثارت خوف مستوردي الطاقة الأوروبيين مرتين في أكثر قليلا من عام بقطعها الإمدادات في محاولة لإجبار جارتيها من الدول السوفييتية سابقا أوكرانيا وروسيا البيضاء التي تمر في أراضيهما خطوط أنابيب على دفع أسعار السوق للنفط والغاز.

وينمو سوق الغاز الطبيعي المسال بسرعة مع سعي منتجين جدد مثل مصر وغينيا الاستوائية واليمن لبناء محطات لتسييل الغاز في حين تبني الدول المستهلكة محطات لإعادته إلى حالته الغازية. والغاز الطبيعي المسال هو غاز يتم تبريده إلى الحالة السائلة ليمكن شحنه إلى أسواق العالم بناقلات. (وكالات)