ما هي الكلمة الأكثر شيوعاً في صناعة التسويق في دبي هذه الأيام؟ شارع الشيخ زايد، أرقام «بارك»، جوزيف غصوب، «ليوبورنيت»، التسويق الفيروسي.. بالتأكيد هذه كلمات شائعة، لكن الأكثر شيوعاً كلمة.. «فيتامين سي».
هناك حالة من الحماسة، التي تصل إلى حد الهلع، يعيشها المستهلك تجاه أي منتج يحمل علامة «الهلال البرتقالي». حماسة لا يعرف أكثر من المسوقين كيف يتم استغلالها بالطريقة الأمثل. ان أي جولة بسيطة في متجر (لا نتحدث هنا عن الصيدليات)، بوسعها ان تكشف لنا عن مئات من المنتجات التي تعد الناس بالكثير من الطاقة والحيوية، إذا ما سربوا إلى شرايينهم هذا الفيتامين. الناس بطبيعتها تحب التزود بالطاقة. وفي دبي، المدينة المزدحمة، وحيث الحاجة إلى الطاقة متجددة لمواكبة الايقاع السريع لطبيعة الحياة، يجد المسوقون بيئة خصبة من أجل ترويج منتجاتهم البرتقالية.
**«سي» علامة تجارية يسعى بعض الشركات إلى ترسيخ علامة «الفيتامين سي» بوصفها علامة تجارية مستقلة عن اسم المنتج أو الشركة التي تصنعه. يتم استخدام الأدوات ذاتها التي تستخدم عادة في بناء العلامات التجارية، من أجل ربط معنى «الفيتامين» بقيم نفسية وسمعة جاذبة. لقد اختارت شركة «بوكا» اليابانية أن تغرق الأسواق الإماراتية بعبوات صفراء وبرتقالية، كتب عليها الحرف سي، مستخدمة حملة تسويقية بارزة.
أمام حديقة الصفا، التي يقصدها عدد كبير من الشرائح المهتمة بالحفاظ على صحتها، عبر ممارسة تمارين المشي أو الركض أو الحركات الرياضية، ثبتت «بوكا» بالونا عملاقا، على شكل عبوة منتجها. انه البالون الأضخم الذي تم استخدامه، عالميا، من اجل الترويج لمنتج ما. بلغ وزنه الحقيقي 500 كلغ، بينما وزنه حين تعبأته وصل إلى أكثر من ستة أضعاف هذا الرقم. انتبه الآلاف، وعلى مدى الأيام القليلة التي بقي فيها البالون في مكانه، إلى العلامة التجارية، وتم ربطها في أذهانهم بقيم تمثل: الطاقة القصوى، التحليق، المستويات القياسية.
الطاقة القصوى للبالون تشبه الطاقة القصوى التي بوسع المستهلك أن يحصل عليها حين يشرب سائل الشركة اليابانية. الفكرة، ربما تكون قد أثمرت، إذ ان المنتج المتواجد في السوق منذ العام 1986، قد نجح في لفت انتباه شريحة جديدة تتمثل بالشباب، الذي يقصد عادة حديقة الصفا، بعدما كان حكرا على شريحة تنظر إليه على أنه دواء ينفع في وقت الإصابة بالزكام وأمراض البرد:
«أردنا أن نظهر وجوها جديدة للعلامة التجارية»، يقول حسين زبيدي، ممثل الشركة في السوق الإماراتي. علينا أن نزور صالات عرض السينما في «مول الإمارات»، أيام الخميس بشكل خاص، لتتأكد من فعالية إقبال الناس على المنتج، فالقارورات الفارغة مرمية في كل مكان تحت المقاعد!
**«سي يجعلنا أجمل»
يحاول المسوقون إذاً، قدر الإمكان، تغيير «السمعة الطبية» للفيتامين وإعطائه وجها استهلاكيا يؤهله لأن يكون منتجا يرافق يوميات المستهلك. هذا يعني، بطبيعة الحال، سوقا أعرض وشرائح متنوعة. ومن أجل مزيد من التأثير، كان لا بد من إيجاد طريقة لتسويق المنتج مختلفة عن بيعه في عبوات تشبه عبوات دواء السعال (لا يحب المستهلكون كل ما يمت بصلة إلى دواء السعال. أليس كذلك؟)، ولا في أغلفة على شكل حبوب تذكر دوما بالمرض وفقدان الصحة.
توصل المسوقون إلى فكرة أكثر جاذبية: لماذا لا يتم تسويق الفيتامين المشتهى على شكل كريمات للبشرة، يتم دهنها في الليل والنهار؟ شركة فارما وورد الكندية، التي تتحضر لإطلاق كريماتها المزودة بهذا الفيتامين في أسواق دبي الشهر المقبل، وجدت الإجابة. تقول رشا بشرى، مديرة تطوير المنتج «سيلير سي»، أنه «منذ العام 1986 هناك تجارب كثيرة من أجل الوصول إلى تركيبة من الكريمات المزودة بهذا الفيتامين يكون لديها القدرة على الثبات على البشرة، من دون أن يحصل تبخر، وقد توصلنا هذا العام إلى إيجاد هذه التركيبة التي تم تسجيلها بوصفها براءة اختراع». توافق بشرى على أن دبي مدينة مثالية للبدء في إطلاق المنتج:
«فضغوطات العمل تجعل الناس هنا متشوقين للتزود بمنتجات توفر لهم الطاقة، وتحمي بشرتهم من مضار التوتر». وترى أن هذه الضغوطات تجعل الناس يلجأون إلى الترفيه عن أنفسهم، بالذهاب إلى البحر والتعرض إلى الشمس الحارقة، أو زيادة معدلات التدخين.
وفي الحالتين يؤذي هذا الأمر البشرة ويجعلها بحاجة إلى كريم مرطب ومفيد». عبأت الشركة الكندية منتجها في أشكال مختلفة من العبوات، تختلف باختلاف الاستخدام: «هناك كريمات للرقبة والوجه وأخرى لمحيط العين»، وتختلف درجة الفيتامين في كل منها. أما الرجال الذين لا يحبون أن يظهروا آثار الكريمات على وجوههم، فلهم شكل السائل الذي لا لون له.
**«سي» أو «سيليسيوم»؟
لكن ياسر ذكرى، مدير التسويق في شركة متروميد، البلجيكية، صاحبة المنتج «برفكت سكين»، يعتقد أن «فيتامين سي» ليس وحده القادر على معالجة البشرة من مضار الأكسدة التي تسببها اشعة الشمس، أو تعرضها لبيئات رطبة وجافة تتبدل باستمرار. يقول: «الأهم ان يحتوي المنتج على مواد تنشط طبقة الكولاجين في خلايا البشرة، وهي الطبقة المسؤولة عن الحماية من التجاعيد المبكرة. هذه المواد تشكل الفيتامين سي.
إضافة إلى فيتامينات أخرى مثل «ايه» و«أي»، ولكن الأهم من ذلك مادة تسمى سيليسيوم». يشرح ربيع صباغ، ممثل شركة دكسيل في منطقة الخليج، والمسؤول عن تسويق «برفكت سكين» مكونات المنتج: «مادة السيليسيوم استخراجها مكلف للغاية، فهي مادة عضوية متواجدة في الطبيعة، وتضمنها الشركات عادة في منتجات حماية البشرة وترميمها بدرجات قليلة، لكي تتحاشى التكاليف، لكن شركتنا تنتج هذه المادة بنفسها، لذلك نضمنها في الكريمات بتركيز يصل إلى 60%».
ولكن، هل هناك ضرر فعلي من استخدام منتجات كريمات الفيتامين سي؟ يجيب ذكرى: «بالطبع لا، لكن ما قصدت قوله ان الفيتامين سي ليس وحده الذي يجمل البشرة».
ولكن كيف سيتم إقناع الناس باستخدام منتج السيليسيوم العضوي؟ يقول صباغ: «عبر حملة تسويقية تستهدف بشكل خاص الأطباء الذين ينصحون المترددين على عيادتهم باستخدام المنتج نظرا لمزاياه». وفي الوقت الذي يتراوح فيه سعر المنتج البلجيكي بين 100 و150 درهما، يباع المنتج الكندي بأسعار تتراوح بين 150 و400 درهم. أما مشروب طاقة الشركة اليابانية «بوكا» فلا يتجاوز سعره الدراهم الخمسة. فإن تشاركت كل المنتجات بعنصر قوتها «الفيتامين سي»، إلا ان تنوعها يبقى ضروريا من أجل توسيع السوق ومخاطبة عدد متزايد من الشرائح.
العنب عنب والبرتقال برتقال
* يسعى المسوقون الى تصنيف منتجات «فيتامين سي» على أنها منتجات طاقة، نظرا للأرباح الكبيرة التي حققها هذا السوق. فعالميا، ومنذ أن بدأ النوع النمساوي في الانتشار، تم طرح أكثر من 170 نوعاً مماثلا تحت إغراء ارتفاع الإقبال والمبيعات، لترتفع نسبة النمو فيما بين عامي 2000 و2005 أكثر من 130%، ليبلغ حجم سوقها في الولايات المتحدة فقط وعام 2005 تحديداً، وفق تقارير المحلل الاقتصادي ديفيد مورس من مجموعة مينتيل لأبحاث السوق بالولايات المتحدة، أكثر من 83 ,1 مليار دولار.
* يسعى المسوقون إلى إهمال الأخبار «السلبية» التي تظهر بين حين وآخر حول منتجات «فيتامين سي»، وآخرها إدانة محكمة في نيوزيلندا بفرض غرامة على واحدة من أشهر شركات صناعة العصائر في العالم بعد أن كشفت فتاتان تضليلها للمستهلكين بشأن مستويات فيتامين سي في مشروب تنتجه من العنب الأسود. واختبرت الفتاتان انا ديفاثان وجيني سو المشروب وسط مزاعم إعلانية بان «مشروب العنب الأسود به أربعة أمثال مستوى فيتامين سي الموجود في البرتقال»، ليتضح بعد ذلك انه لا يحتوي على أثر للفيتامين.
* وفي أبوظبي، أوقفت الهيئة العامة للخدمات الصحية لإمارة أبوظبي، قبل فترة، بيع مستحضر «ليمسي» أقراص فيتامين سي 500 مليغرام، من إنتاج إحدى الشركات الهندية في أسواق الإمارة وذلك لوجود أخطاء في المعلومات المسجلة على عبوة المستحضر وفي نشرته الداخلية باللغة العربية والإنجليزية، وطلبت الهيئة من هذه المنشآت إعادة جميع العبوات إلى الموزع المحلي، وذلك إلى أن يتم تدارك هذه الأخطاء. وذكر تعميم أصدرته الهيئة إلى جميع المنشآت الصيدلانية في إمارة أبوظبي أن هذه الأخطاء تحول دون الاستعمال الصحيح للمنتج من قبل المرضى.


