كانت ولادة المونتاج السينمائي في العقد الثاني من القرن العشرين، عبارة عن ولادة فعلية لما سمي لاحقاً بالإخراج السينمائي، الذي يتيح لممتهنه السيطرة الكاملة على مشروع النص البصري. أول من استخدم هذه التقنية كان الفرنسي جورج ميلياس، الذي قطع صور النيغاتيف وأوصلها ببعضها، ما أتاح نشوء مهنة جديدة اسمها الإخراج السينمائي مترافقة مع فن جديد في الأصل.

سار ميلياس على خطى الأميركي دايفيد غريفيث، الذي أضاف إلى ما قام به ميلياس بعداً آخر، يتمثل بتحضير سيناريو الفيلم وزوايا اللقطات في كل مشهد ضمن سياق متتابع، يتيح للصورة إنتاج سلطتها الطاغية على المتلقي.

والسلطة هذه في الحقيقة في يد المخرج الذي استفاد من هذه التقنية، ليسيطر بوجهة نظره على أجزاء الفيلم كافة.. تأكد ذلك أكثر مع تطويرات الروسي سيرغي إيزنشتاين على المونتاج، بوصفه الدائرة الحقيقية لصناعة الصورة السينمائية بالكامل، وفي فيلميه «مجزرة الأوديسة» و«الدبابة بوتمكين» إيضاح كامل لنظرية إيزنشتاين حول تحرير الصورة السينمائية من «المسرحة» التي بدأت فيها مع الفرنسيين الأخوين لوميير.

وشهد مطلع الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين جدلاً كبيراً بين السينمائيين، الذين رأى بعضهم في المونتاج حركة تبعد السينما عن روحها الواقعية، وتبدلها إلى منقلب فيه الكثير من المخادعة. قد يكون هذا الوصف صحيحاً للوهلة الأولى، لكنه ليس دقيقاً، أو أنه فيه تعميمات مبالغ فيها.

الإيطاليون في تلك الآونة أنتجوا سينماهم الواقعية المشهودة، كرد على المبالغة في المونتاج.. وبعض النقاد في أوروبا ممن عارضوا المونتاج، أرادوا الاستفادة من واقعية الإيطاليين وأعمالهم المميزة، وخاصة ما قدمه روبرتو روسيليني، لينفذوا إلى مقولة السينما الممنتجة في بعدها أحادية رؤية المخرج المفروضة.. وهذا مسلم به نظرياً.

لكن ما من سينما إلا وتستخدم (المنتجة).. وليس في التقطيع لوحده، فإلى جانبه حركة الكاميرا (ممنتجة) هي الأخرى قبل تقطيع الصورة، حتى السينما التسجيلية التي تنقل الواقع بحرفيته، تستخدم المونتاج لتحقيق نظرية المخرج، مهما حمل الفيلم في قوله المستقل من خلال شخصيات الشريط التسجيلي. وفي كل الأحوال لا يمكن عدم الاعتماد على المونتاج الذي يحرر الصورة من أي حشو، ومن مجانيات لا يستوجبها الفيلم من الذي ليس له سيد سوى مخرجه، لأن السينما في المحصلة هي فنه، وهو صاحب السلطة فيها لوحده، وكل ما يليه من نص وممثلين وتقنيين يأتون في التسلسل خلف بعضهم، يصغون إلى مايسترو واحد.