أثار فيلم (300) ضجة كبيرة في صحافتنا اليومية العربية التي اتخذت موقفاً سلبياً من الفيلم وحملته أكثر مما يحتمل، وقد يكون ذلك بسبب الأحداث السياسية الساخنة التي صاحبت فترة عرض الفيلم والمتعلقة بالطموح النووي الإيراني والمعارضة الاميركية لحصول إيران على التقنية النووية، وخاصة أن أحداث الفيلم تدور حول محاولة الإمبراطورية الفارسية السيطرة على اليونان في العام 450 قبل الميلاد، وكيف قام 300 من الإسبرطة بالتصدي لهم ومنع الفرس من احتلال اليونان على ضوء الاتفاقية بين الاسبرطيين واليونانيين لتوفير الحماية لهم.

وعلى الرغم من هذه الضجة التي صاحبت هذا الفيلم إلا أنها كما يبدو أصبحت مرادفة مع كل إنتاج جديد لهذه القصة التاريخية التي تتبع قصة الملك ليوناديس و 300 من رجاله الذين دافعوا عن ممر ثيرموبيلي الضيق وهو المعبر الوحيد أمام الفرس لدخول الأراضي اليونانية، بعد تدميرهم الأسطول البحري اليوناني، ففي هذه القصة المأخوذة من سلسلة كارتونية لفرانك ميلر وهو واحد من رسامي الكوميك المشهورين أنتج له أخيراً سلسلة (مدينة الخطيئة) وقام بإخراجها زاك سنايدر المعروف أكثر في مجال الإعلان والفيديو كليب، قبل أن يظهر على السطح بإعادة فيلم «فجر الأموات» عام 2004.

ففي عام 1962، أنتجت السينما الأميركية فيلم (300 اسبرطي)، وأثار الفيلم ضجة كبيرة في ذلك الحين، واتهم بأنه يشير إلى الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وخاصة أن هناك صراعاً كبيراً في هوليوود، في ذلك الوقت بين الشيوعية والرأسمالية تطورت فيما بعد لتكون كمحاكم تفتيش، وحكمت على العديد من الفنانين والسينمائيين، بمنعهم من العمل في هوليوود بين 1962 و 2007 اختلفت الظروف الإنتاجية، ولكن يأتي هذا الفيلم ليثير الضجة ذاتها ولكن هذه المرة كما أسلفنا تتحكم الأحداث السياسية والوضع القائم على محاولة النقاد تفسير ما يحمله الفيلم من معان.

بالطبع هناك الكثير من الأحداث وهناك تداعيات كثيرة لما يحمله الفيلم من معان ولكنه في أبسط صوره صراع تقليدي بين الخير والشر، وبرؤية فرانك ميلر للأحداث، وهي التي قدمها في سلسلة كرتونية مصورة في عام 1998، ووضع فيها الخط

الفاصل والواضح بين الخير والشر حيث شوه بشكل متعمد الشخصيات الشريرة من خلال أشكال مسخة غير واقعية، إن كان ذلك بين اليونانيين أنفسهم أو من خلال الجيش الفارسي الغازي.

الخط الواضح والفاصل في الخير والشر في هذا الفيلم، هي أحد الأسباب التي أثارت من حوله كل هذه الضجة، فالمشاهد على ثقة أن القصة الحقيقية التي دارت في القرن الخامس قبل الميلاد لم تكن بين مجموعة من البشر ومجموعة من الوحوش الخارقة، ولكن في هذا الفيلم خلقت التفرقة الواضحة بين الخير والشر من خلال وجوه مشوهة إن كانت لجنود كسرى أو حتى السلطة الدينية لإسبرطة.

ثلاث مناطق منعزلة لبناء الشخصيات فهناك الشخصيات التي نستطيع وصفها بالشخصيات الخيرة، وهي شخصيات سوية مسالمة والشخصيات الشريرة التي هي شخصيات مشوهة أقرب إلى الوحوش منها إلى البشر، وهناك أيضا شخصيات إنسانية دوافعها شريرة مثل كسرى وثيرون والملكة جوركو.

أحداث كثيرة في هذا الفيلم تم تجاهلها من قبل النقاد، وذلك لأجل التركيز على فكرة واحدة وهي أن الفيلم يقدم صورة معادية للفرس، والواقع أننا أمام فيلم تجاري بحت قدم بشكل أقرب إلى مجلات الكوميك، وهو الأمر الذي حاول مخرج الفيلم أن يكون أمينا في نقله، حيث نجد المشاهد التي صورت بطريقة كأنها كادر صورة مرسومة كما نشاهدها في مجلات «الكوميك».

يبدأ الفيلم بتوضيح من هم الأسبرطة وما يميزهم ونجد في البداية تلك الوحشية التي تربوا عليها حتى يكونوا رغم أنهم في الأساس من العبيد مقاتلين محترفين بالتدريب على كل وسائل القتال، وحتى كما يقول راوي الأحداث يتعلمون القتل وهم أطفال، ولكن قبل ذلك كانوا يقتلون كل طفل يولد لهم ويعاني قصور أو عاهة، ويرينا الفيلم في البداية من هو ليوناديس، وكيف قتل الذئب وهو طفل، ومن هنا ننتقل بالأحداث إلى هؤلاء القتلة أو لنقل المقاتلين المحترفين وجيش الفرس يدق أبواب بلادهم.

الملك ليوناديس ما كان ليستطيع إعلان الحرب والدفاع عن بلده إلا بعد أخذ موافقة «رجال الدين» الذين يعيشون في أعلى قمة جبل يصعب الوصول إليها، وهناك يرفض رجال الدين السماح ليوناديس بالدفاع عن بلاده. منذ هذه اللحظة نجد أن الفيلم أخذ منحنى واضحاً في التعبير عن شخصياته، فلم يعد الخير والشر عملين في داخل النفس، إنما نشاهدهم بوضوح في الوجوه حيث نجد رجال الدين وجوههم مسخة مشوهة.

ومع هذا فإن هنالك أشخاصاً في الفيلم لم يظهرهم الفيلم بصورة مشوهة، فالملك كسرى مثلاً كان شاباً وسيماً رغم السلاسل والمجوهرات التي تزينه، وكذلك ثبرون المنافس القوي للملك ليوناديس والذي تحركه دوافعه السياسية ليكون الرجل الأول لاسبرطة والملكة جوركو التي تعمل لتكون زوجة ملك وأم ملك آخر في المستقبل.

عندما يفشل الملك ليوناديس في الحصول على موافقة رجال الدين في إعلان الحرب وتحريك الجيش الاسبرطي يعود إلى زوجته الملكة جوركو ليأخذ رأيها حيث تطلب منه ان يعمل كما يعمل أي رجل (حر) إذاً الحرية تعني القتال فدخول الجيش الفارسي معناه ان الاسبرطة لن يكونوا أحرارا أبدا.

هل هي إيران أم أميركا؟

في عام 1962 كانت الشيوعية هي العدو الأكبر الذي يواجه أميركا ولذلك كان هناك التشبيه بين الامبرطورية الفارسية في أقوى عصورها وبين الخطر الشيوعي الذي وجد له موضع قدم في كوبا برحيل باتيستا وقدوم فيديل كاسترو، وكذلك التسلل الكبير للشيوعية لدى العديد من المبدعين في أميركا.

ومن هنا فان الخطر الكبير الذي واجهه الرئيس كيندي في ذلك الوقت هو الخوف من التسلل الشيوعي إلى أميركا وفي عام 2007، بالأصح 1998 عندما نشر فرانك ميلر سلسلته المصورة كان الوضع أكثر اختلافاً فليس هناك أي عامل شبه بين الامبرطورية الفارسية والجمهورية الإسلامية الايرانية، فلم تعد ايران هي القوة المهيمنة على العالم.

وليس لها مطامع توسعية كبيرة وليس لها القدرة على اعلان الحروب ورشوة الرؤساء والقادة والسياسيين، ولكن في المقابل نجد ان الولايات المتحدة هي القطب الأوحد المهيمن على العالم، واختلف مفهوم المنافسة إلى ما يسمى العولمة، وأصبحت الدولة الوحيدة في العالم، التي لها القدرة على شن الحروب ورشوة الرؤساء والسياسيين وتغيير أنظمة الحكم والتحكم في الشؤون الداخلية هي الولايات المتحدة الأميركية.

هل تستطيع القول ان فرانك ميلر وزاك سنايدر قصدا من فيلمهما هذا الولايات المتحدة الأميركية وهيمنتها على العالم وصراعها مع مجموعة قررت الجهاد على معتقداتها.في نظرية المؤامرة كل شيء جائز ولكن يبدو الأمر لي ان الأمر ليس كذلك في هذا السيناريو كما انه ليس كذلك في أول سيناريو، عندما وضعت إيران كعدو محتمل لهذا الفيلم، فالفيلم يعرض صراع الخير والشر في هذه القصة التاريخية، حتى وان اختلفت درجاته ودوافعه.

**الملك.. والملكة

في فيلم «300» نحن امام ملك يقود خيرة جنوده لمواجهة الخطر المحدق باليونان، ودفاعهم عن ممر وحيد إذا اجتازه الفرس يتيح لهم السيطرة على اليونان، وعلى الرغم من ان وقفتهم هذه في وجه كسرى لم تنجح في النهاية، وكانت مهمة انتحارية في مواجهة أقوى جيش في العالم في ذلك الوقت لأنهم لم يحسبوا حساب كل المفاجآت.

الملك ليوناديس تتبعنا حياته منذ ان كان طفلاً واجه الذئب وصرعه، عندما حشره بين الصخور في خطة مشابهة لخطته عند مواجهة جيوش كسرى، ولكن خلال فترات الفيلم لم يظهر بصورة القائد القوي، وخاصة امام زوجته الملكة جوركو، التي أشارت عليه بقتل رسول كسرى ومن ثم شجعته على قتال الفرس.

الخطأ الآخر الذي اقترفه ليوناديس، هو عندما رفض انضمام ايفيالتيس لجيشه وهو من القلائل الذين نجوا من عملية قتل الأطفال المشوهين، هذه الغلطة أدت إلى قيادة ايفيالتيس لجيش كسرى لاستخدام ممر الأغنام لتطويق جيش ليوناديس ومع ذلك فانه على الرغم من الدور الكبير الذي لعبته الملكة جوركو في هذا الصراع، إلا أنها لم تتردد في تسليم نفسها لثيرون من أجل ان تحصل على مساندته في تحريك الجيش الاسبرطي لحرب الفرس، ربما ليس خوفاً على زوجها الذي تعلم انه في مهمة انتحارية، ولكن خوفاً من انقطاع الحكم قبل ان يصل إلى ابنها.

«300» فيلم ملئ بالإثارة ومشاهد العنف استطاع فيه زاك سنايدر التحكم في أحداث الفيلم من خلال استخدام الراوي، الذي جعل الأحداث تتطور على مسارين: الاول ما نراه على الشاشة والآخر ما يصيغ خيوطه الراوي لينسج هذه القصة التي تصل في بعض مشاهدها إلى قمة الاثارة والابداع السينمائي لتسقط في مشاهد أخرى إلى مجرد فيلم حركة واثارة آخر يعتمد على العنف والقتل والمؤثرات الخاصة.

نحن هنا أمام فيلم قد يذكره التاريخ بما دار حوله لا بما فيه، ومع ذلك فإن هذا الفيلم المتوسط المستوى يستحق المشاهدة، لأن فيه نقلاً مميزاً وحرفياً للكتب الكرتونية المصورة وبطريقة تبدو لي أكثر تميزاً من أفلام الشخصيات الأخرى الكرتونية مثل «سوبرمان» و«الوطواط» و«الوحش» وغيرها من الأفلام.

دبي ـ محمد سلطان ثاني