«فينيسيا» أو البندقية المدينة الايطالية الساحرة كما تطلق عليها التسمية العربية، مدينة جميلة، لا مثيل لها في العالم، بنيت وسط بحيرة من الماء، وتتكون من 116 جزيرة وفيها 416 جسراً و7 آلاف شارع، وقد زينت واجهات مبانيها، وكأنها تستعد لعرض مسرحي، ويمكن للزائر ان يستمتع بأجوائها الساحرة، وهو يطوف حواريها بواسطة «الجندول» الذي ينساب فوق الماء مترنحاً، وهو عبارة عن قارب مطلي باللون الأسود، يصل طوله إلى أحد عشر متراً، والبندقية، على حالها من الجمال والإثارة، كما كانت عليه منذ خمسمئة عام.

وهي مكونة من خمس مناطق، أشهرها المنطقة التي تتكون من 118 جزيرة في مقاطعات كاناريجيو، وكاستيلو ودورسدورو، وايزولاديلا جوديتشا وسان باولو، وسان جروشي، وسان ماركو، وليدو دي فنزيا، حيث توجد المعالم الرئيسية والصروح والمناظر ا لطبيعية. وتضم الجزر المهمة الأخرى، مورانو، وتورشيلو، وسان فرانسيسكو ديل ديزتو،وبورانو، غير أن هناك المزيد أيضا. وهناك أيضا «ميستر» وهي مدينة أخرى في البر الصناعي الرئيسي، لكنها مازالت جزءاً ن بلدية فينس، والتي ترتبط بها بجسر طوله خمسة كيلومترات. ويعيش في ميستر أكر من 220 ألف نسمة، فيما يصل عدد سكان فنيس الى 60 ألفاً والى جانب ذلك هناك «فنيس ليدو» جزيرة الهدوء والسكينة التي تبعد عشر دقائق عن سان ماركو والتي يقام فيها مهرجان البندقية السينمائي، ويرجع تاريخ البندقية إلى عام 827، حيث نقلت الإمبراطورية البيزنطية حاضرتها إلى ما يعرف الآن «بريالتو»، وازدهرت خلال عصورها المتعاقبة، على التجارة، تحت حكم مجلس شيوخ على الطراز الروماني برئاسة «دوج» وفي عام 1797، غزاها نابليون والتي كانت بمثابة ضربة قاصمة لم تصح منها البندقية أبداً.

وما لبثت أن انضمت إلى عرش النمسا ـ هنغاريا، ثم راحت تتأرجح بين النمسا وإيطاليا المشاكسة غير أن أيام مجد البندقية أصبح غابرا. وهي تعج بآثار البيزنطيين وكنائسهم ومن أعلام الموسيقيين الذين أنجبتهم الموسيقار فيفالدي، صاحب قطعة الفصول الأربعة والرسامين تزيانو رائد الفن التصويري في القرن السادس عشر بثورته الفنية التي استخدمت التدرجات اللونية، و «كاناليتو» الذي كرس نفسه لتصوير مشاهد المدينة بلوحات رائعة، والكاتب المسرحي غولدوني، مؤسس الملهاة الحديثة ومن أشهر ابنائها الرحالة ماركوبولو، الذي وصل إلى الصين، عن طريق سوريا، وعبر مضيق هرمز، متبعاً طريق البحر، مروراً بالتيبت، ولا ننسى العاشق المغامر كازانوفا، وخلدها شكسبير بمسرحيته العظيمة تاجر البندقية (Merchant of Venice)، وتقوم عقدتها حول تاجر شاب من ايطاليا يدعى أنطونيو، يضطر للاقتراض لمساعدة صديقه «بسانديو».

الذي يريد الزواج من «بورشيا» بنت دوق «بالمونت» فيلجأ إلى المرابي اليهودي «شايلوك» الذي يشترط انتزاع رطل من لحمه في حال تأخره عن سداد الدين، لكن أنطونيو، يتأخر في سداده. فيطالب شايلوك برطلة من لحم «انطونيو» ويجره إلى المحكمة لكن بورشيا التي تنكرت بزي محام تنفذه، وقد قام أسطول البندقية في الألفية الأولى بالسيطرة على بحر الادرياتيك والطريق إلى الأراضي المقدسة في فلسطين، ومنذ القرن الثالث عشر، آلت إليها حقوق التجارة مع بلاد المشرق العربي، ثم احتلت جزيرة قبرص وكريت، وأصبحت قوة تخشاها أوروبا بعد احتكارها لتجارة الملح، وبضائع الشرق خاصة الفلفل من الهند، ويمتاز مناخ البندقية بحرارته الشديدة بحيث تطلق الأقنية رائحة آسنه، بما في الكلمة من معنى، ولعل فصلي الربيع والخريف، هما الأنسب للزيارة، حيث تتراوح درجة الحرارة بين 5 ـ15 درجة مئوية في شهر مارس ولقد أضحت المياه العالية حقيقة واقعة في حياة البندقية حيث يرتفع منسوب مياه «اللاجون» في بعض الأحيان فوق مستوى الأبنية والشوارع، ويغمرها بطوفانه.

وهذه الواقعة تتكرر عدة مرات في السنة، وعادة في الأشهر الأكثر برودة، وقد يستغرق الطوفان ساعات عدة وعندما تبدأ المدينة في الإنضمار، تطلق صافرات الإنذار أبواقها منذرة السكان ورجال الأعمال ويمكن الحصول على خرائط المياه العالية أو «أكوا آلتا» كما يطلق عليها محلياَ، إما في مكاتب محطات القطار أو في «سانت ماركس» وهي تظهر للسائح الطرق الجافة المعتمدة خلال انذارات الطوفان المتعددة فضلا عن وجود محطة لقياس المد في أرصفة «ريالتو فابوربتو»

ونظراً لوقوع البندقية، على «لاجون» فإن المياه تلعب دوراً حيوياً في النقل. وأكثر الطرق شيوعاً للوصول إلى البندقية هي القطار أو القوارب، أما الوصول إليها جواً، فيتم عن طريق الجو، ويعتبر مطار «ماركوبولو» أقرب المطارات ويقع في البر الرئيسي بالقرب من «ميستر» ومطار «تريفيزو» الواقع على بعد 25 كيلومتراً من البندقية، وهو أصغر حجماً نسبياً لكنه يزداد انشغالاً باعتباره الوجهة الرئيسية لرحلات «رينير» و«ترانسافيا» الاقتصاديتين.

ويرتبط المطاران بواسطة الحافلات بكل من فنيس (بيازيل روما) وميستر، وبادوا ومدن أخرى. أما القطارات فهي تمر من البر الرئيسي عبر «ميستر» من وإلى محطة قطارات «سانتا لوتشيا» في الجانب الغربي من فينش، ومن هناك تقوم الحافلات المائية «فابوراتي» أو التاكسيات المائية بنقل السياح إلى الفنادق والمقاصد الأخرى في الجزر.

هذا إلى جانب توفر قطارات مباشرة إلى البندقية، من عدة وجهات دولية، بما فيها بودابست وزغرب لجوبلجانا، وتمتلك معظم وكالات تأجير السيارات منافذ لها في «بيازيل روما» على مشارف المدينة وتقع في الدور السفلي من إحدى محطات وقوف السيارات الكبرى.

ويستخدم القارب «الفينيسي» التقليدي وهو الجندول في معظمه في الرحلات السياحية، وفي الأعراس أو الجنائز أو المناسبات الاحتفالية الأخرى ويسافر معظم «الفينيسيين» الآن بواسطة الحافلات «فابوروتي» المزودة بالمحركات، والتي تجوب معظم الطرق في الأقنية الكبرى وبين جزر المدينة. والجندولات الوحيدة التي مازال أهل المدينة يستخدمونها الآن هي «التراجيتي» وهي عبارات ركاب تعبر «غراندكانال» في نقط معينة دون جسور.

ويعتبر المشي عادة مستحبة في المدينة وفي غياب السيارات تجربة ممتعة حيث أن جزر «ريالتين» وهي الجزء الرئيسي من البندقية صغيرة إلى الحد الذي يمكن عبورها من طرف إلى آخر في غضون ساعة. وتشتهر البندقية بمعالمها التاريخية والسياحية. ومنها «فيلات فنيس» التي كانت مقراً ريفياً للنبلاء. خلال الجمهورية، وهي من المعالم المثيرة في ريف البندقية.

وهي محاطة بحدائق غناء، مناسبة لإقامة الحفلات الراقية، وقد صممت معظم الفيلات وزخرفت من قبل مهندسين ورسامين شهيرين أمثال «بالا ديو» و «فبرونيس» وهناك أيضا فيلا «باربا رو» في «ماسر» والتي صممها بالاديو، ووضع زخارفها «فيرونيس».

وقد بنيت خصيصاً لـ دانييل «بارابارو» بطريرك أكويلا، وأخيه سانت أنطونيو باربارو، الدبلوماسي، وقد بوشر في بنائها عام 1549، وانتهى العمل فيها عام 1558، فضلاعن فيلا «كورنارو» وتقع في «بيومبينو ديزيه» علي بعد 30 كيلو متراً من البندقية. وقد بنيت عام 1552 ـ 1553 لحساب جورجيو كانارو، الابن الأصغر لعائلة ثرية، وقام الرئيس الأميركي توماس جيفرسون بتقليد بنائها في فيلته الخاصة في مونتسيلو.

ويعود مهرجان البندقية السينمائي في أصوله إلى 19 ابريل من عام 1893 عندما قرر عمدة مدينة البندقية ريكاردو سلفاتيكو، إنشاء مهرجان فني يتوج فيه الفن الايطالي، فأنشأ بينالي مدينة البندقية، واستمر يقدم أعماله الإبداعية للاحتفال بالعيد الفضي لزواج الملك أومبرتودي سافوي وزوجته مرجرتيا، وفي دورته الثامنة عشرة عام 1932 قرر مدير البينالي آنذاك جوسيبي فولبي إدخال الأفلام السينمائية كجزء من الأعمال المعروضة في مهرجان البندقية الفني.

وأصبح بذلك أول مهرجان سينمائي في العالم. وجذب ذلك الحديث الفريد من نوعه، نحو 25 ألف مشاهد، ومع انطلاق دورته الثانية عام 1934 اشتدت المنافسات على الأفلام، حيث شاركت فيه 19 دولة وعلى وجه العموم لا يمكن زيارة البندقية دون تناول القهوة الايطالية «اكسبرسو» في مقهى «فيوريال» التاريخي في ساحة سان ماركو الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، ويرتاده الفنانون والسياح وعشاق التاريخ ومن أشهر زبائنه، الموسيقار الألماني «فاغند» الذي وضع مقطوعة من أوبراه العاطفية «تريستان وايزولده» في ذلك المقهى

إعداد: وائل الخطيب