تشير الدلائل إلى أن التراشق الكلامي المتواصل بين أوساط السياسيين السنغافوريين إزاء الحاجة لاستقطاب ذوي الخبرة إلى ذلك البلد، للمحافظة على مكانتها التنافسية، لن يمر مرور الكرام لدى مواطنيها، فالغالبية العظمى من السنغافوريين ساءهم قرار الحكومة، فتح أبواب الهجرة على مصاريعها أمام الحرفيين المهرة القادمين من الخارج.

ولقد أمكن استقراء المشاعر المعادية، في دراسة مسحية حديثة أجرتها صندي تايمز نسخة «صندي» من ستريتس تايمز، حيث أظهرت أن نصف السنغافوريين الذين استطلعت آراؤهم يعتقدون اعتقاداً راسخاً أن البلاد تحتضن كفايتها من الخبرات الأجنبية، وأن على الحكومة إيقاف السماح للمزيد بالدخول وقد كشفت الدراسة أن الخوف الأكبر لدى السنغافوريين يتمثل في انتزاع الوظائف منهم.

ولقد أبدى تسعة من بين عشرة سنغافوريين خشيتهم من فقدان وظائفهم لحساب الحرفيين الأجانب، ولذلك فإنهم يقفون موقف المعارضة من الجهود الهادفة إلى جلب المزيد منهم إلى الدولة المدنية.

ولقد أكدت النتائج وأبرزت إلى السطح، مرجل الغضب لدى السنغافوريين إزاء عيش الأجانب والعمل بين ظهرانيهم، ومنافستهم على أطباق الأرز. والأكثر مضاضة، هو المفهوم السلبي للسنغافوريين تجاه معالجة الحكومة للمسألة. فقد أظهرت الدراسة أن قرابة 43 في المئة يرون أن الحكومة أكثر اهتماماً بالخبرات الأجنبية من مواطنيها ويبدون شكوكاً حول ما إذا كان قرار الحكومة الحفاظ على سياسة الباب المفتوح سيساهم بالفعل في خلق المزيد من الوظائف، والفرص المتاحة، وفي بادرة إيجابية، شعر كثيرون أن الوافدين من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، هم من النوابغ وأصحاب الأفكار الخلاقة.

ورغم ذلك، فإن ستة من بين عشرة اعتبروا الأجانب الذين يحتلون المناصب التجارية العليا، يتلقون رواتب عالية. ولقد كانت سنغافورة مهمة في اندفاعها نحو الخبرات الأجنبية على مر السنين، حيث أكد صنّاع السياسة على الحاجة لاستقطاب الأجانب، أملاً في خلق وظائف.

وهو ما يفسر إفراغ القطاع الوظيفي من قبل الصين رخيصة الكلفة، والتدني الفظيع لمعدل المواليد في سنغافورة إلى درجة يستعصي تعويضها، وكان رئيس الوزراء لي هايس لونغ وجه في خطابه في العيد الوطني دعوة مؤثرة، قال فيها: إن بلاده لا يمكنها أن تتحمل إقفال أبوابها في وجه الأجانب. وأكد لونغ على ضرورة تعزيز الهجرة إلى سنغافورة، لأنه كما يقبل السنغافوريون أن يجعلوا من العالم محارتهم، فإنه يتوجب عليهم تعزيز الهجرة إلى بلادهم، وأن يجعلوا من ذلك خياراً لينظر إليهم الخبراء من أنحاء العالم، عندما يفكرون بمكان يذهبون إليه ويعيشون فيه.

وللمحافظة على هذا الزخم المتزايد، عززت الدولة من جهودها لجعل سنغافورة خياراً جذاباً لأولئك الباحثين عن نقل مهاراتهم ومعارفهم، وفي النهاية نقل مقار سكنهم.

وعلى سبيل المثال، فإن وزير القوى العاملة، يعتزم تقديم بطاقة توظيف شخصية، ترتبط بالشخص أكثر من ارتباطها بصاحب العمل، وهو ما سيوفر مرونة أكبر للأجانب بقصد الإقامة والعمل في سنغافورة، كما ستراجع وزارة الشؤون الداخلية معاييرها، للسماح للخريجين الأجانب، والبالغين بالبقاء فترة أطول في البلاد للبحث عن عمل.

ويبدو أن مثل تلك الإجراءات تشير إلى أن الحكومة وضعت أولوية قصوى على استقطاب والاحتفاظ بالخبرات الأجنبية، بدلاً من الاهتمام بشعبها، كما أظهرت الدراسة.

وعلى الصعيد ذاته، قال معلقون إن الحكومة في مسعاها لجعل سنغافورة مكاناً عظيماً للعمل والعيش بالنسبة للأجانب، فإنها لا يجوز أن تغفل مصالح شعبها، وللحفاظ على سياسة الباب المفتوح التي تتبعها، فإنها مطالبة بقوة بإقناع السنغافوريين، بالحاجة لوجود الخبراء الأجانب، للمحافظة على النمو.