تتربع الولايات المتحدة حالياً على عرش عالم المال العالمي، فعلى امتداد السنوات الخمس والعشرين الماضية تتنافس الشركات الأجنبية على إدراج أسهمها في البورصات الأميركية التي تتبنى معايير الإفصاح المالية الأميركية، وقد صدّرت الولايات المتحدة أشكالاً جديدة من الرساميل، مثل الاتجار في الملكية الخاصة والرساميل الاستثمارية، واتبعت الأجور الخاصة بالتنفيذيين في الشركات متعددة الجنسية الإجراءات الأميركية.
وكذلك كانت مقاربات حوكمة مجالس الإدارة والسندات وقوانين تطبيق النزاهة الأميركية كما صاغت شركات الخدمات المهنية في البنوك الاستثمارية وشركات المحاسبة والاستشارات الممارسات العالمية ولقد أفاد الأميركيون من صعود الولايات المتحدة في حقل التمويل التجاري، والاستراتيجية والحوكمة وتفوقت السياسة الأميركية «كسياسة احتياطية» عالمية مع بروز الدولار كعملة احتياطية.
غير أن هذا الوضع في طريقه الآن إلى الأفول، ففي عام 2000 أدرجت 50 في المئة من الإصدارات العامة في العالم في الولايات المتحدة، وفي عام 2005، انخفضت النسبة إلى 5 في المئة فقط، ومع نضوج أسواق الرساميل في العالم، في غير مكان أصبحت الهجرة مسألة حتمية، وقد أطلق وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون وآخرون صيحة الإنذار محذرين من أن طريقة إدارة الأميركيين لشؤونهم سرّعت تلك الهجرة. وإن ما يحدث في أسواق الرساميل الأميركية، لا يعتبر تطوراً منعزلاً.
غير أن أكثر ظواهر المشكلة بروزاً يتمثل في تسارع تآكل القوانين الأميركية والممارسات والقوانين الناظمة باعتبارها أمراً واقعاً للسياسة الاحتياطية» للاقتصاد العالمي.
وليس ذلك سوى محصلة للوضع الذي آل إليه أثمن خصلتين في السياسة الأميركية وهما المصداقية والعملياتية حيث أصبحتا عرضة للتساؤل.
وعلى الرغم من كون الغاية من وراء قانون ساريانيز أوكسلي هو تحسين الحوكمة التجارية، فإن بعض البنود أصبحت عبئاً على الشركات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، فالقواعد الباهظة والمعقدة للإدراج في البورصات الأميركية لم تسمن أو تغني من جوع، ولا الإشراف الضريبي على المكاشفة المالية وممارسات المحاسبة أيضاً، وكذلك حالات الاحتيال التي كانت على أعلى المستويات، ولا نظام الحصص الأميركي المثير للشبهات.
ورداً على تلك التطورات، دعا صانعو السياسة إلى مراجعة شاملة للأنظمة الحاكمة لكل شيء، بدءًا من المكاشفة المالية إلى تحويل الشركات إلى مساهمة عامة. وفي الوقت ذاته اقترحت لجنة الأوراق المالية والبورصات تفسيرات أقل حصراً لأجزاء من قانون سيريانيز أوكسلي فيما أنحى بولسون ولجنة الأسواق الرأسمالية باللائمة على الأنظمة المعرقلة في إحجام الشركات عن اقتراض الأموال، وإدراج الأسهم، أو إطلاق الإصدارات العامة لأسهمها في الولايات المتحدة.
وعلى الصعيد ذاته أصدر العمدة مايكل بلومبيرغ والسيناتور شارلز شومر، وكلاهما من نيويورك تقريراً توقعا فيه فقدان وول ستريت لمكانته كمركز مالي عالمي، دونما إصلاحات جذرية وهنا راح صانعو السياسة والتنفيذيون التجاريون يتساءلون عن الوسيلة المثلى لإطلاق «الجني» من عقاله، فيما ارتكز هذا التساؤل على افتراضين زائفين الأول ويتمثل في بعض السياسات العاثرة التي أدت إلى بداية انحسار الدولار الأميركي، والثاني أن إصلاح ما أفسده الساسة كفيل بقلب الآية.
ولابد هنا من التوقف عند نقطة مهمة، فالمدى الذي سيصل إليه تلاشي النظام الأميركي. سيحمل في طياته عواقب وخيمة. فالولايات المتحدة، تحظى بميزة مهمة، ألا وهي اختيار العالم لقوانينها الناظمة. وخسارة هذه الميزة، تحمل في طياتها مضار جمة. فالمصاريف المباشرة، ستزداد مع التزام الشركات بالقوانين الصادرة في أماكن أخرى.
وسيضمحل تأثير الشركات الأميركية وصانعي السياسة في تطوير المعايير الدولية. وهنا ستفرض أميركا مصاريف غير مرئية، ولكن أكثر عمقاً. فالوظائف ستختفي، كما أن وظائف الخدمات التجارية في الولايات المتحدة ستختار طريق الهجرة، إلى الخارج. وفي المقابل، فإن الإجراءات العلاجية، مثل مقترحات بولسون، وآخرين، كفيلة بالمساعدة، ولابد من البحث عن وسائل أخرى لاستعادة مصداقية الولايات المتحدة.
ولابد هنا، للأصوات التي ساءتها الهيمنة الأميركية التاريخية، وهللت لتطورات عالم أسواق الرساميل متعدد الأقطاب أن تقف وقفة تأمل فوجود مجموعة مشتركة من القوانين، التي أنتجت فترة غير مسبوقة من التطورات الاقتصادية العالمية خلال ربع القرن الماضي، فإذا لم تضع الولايات المتحدة المعايير الدولية فمن الذي سيضعها، وكيف سيكون الحال، تحت مظلة من المعايير المختلطة وغير المتجانسة؟ لكن ما يجب إدراكه، ان النظام الأميركي، رغم عيوبه، ساهم مساهمة عظيمة في الرخاء الاقتصادي العالمي. وأن أفول ذلك النظام، يثير في البال أغنية قديمة، فحواها« لا تحسّ بقيمة الشيء إلاّ بعد فقده».
ترجمة: وائل الخطيب