آخر أعمال ديفيد لينش «إنلاند أمباير»، شاهدناه في نهاية السنة الماضية على هامش فعاليات مهرجان البندقية السينمائي الدولي في إيطاليا، الذي عرض هذه التحفة السينمائية في إطار أمسية تكريمية لهذا المخرج الكبير عن مجمل أعماله. الصالات المحلية ومعظم الصالات العربية لم تعرض هذا العمل لغاية الآن. كان يتوقع أن يتأخروا في عرضه، لكنهم بالغوا كثيراً في التأخير. على أمل أن يشاهده الجمهور العربي والمحلي قريباً، كما وعدت شركات التوزيع.
سيناريو «إنلاند أمباير» يكاد يكون تكراراً لفيلم سابق للمخرج لينش تحت عنوان «مولهولاند درايف»، لكنه ليس كذلك، ربما يتشابهان في بعض الأساليب، ولكنهما ليسا متشابهين. فالمخرج لا يمتلك مشروعاً سينمائياً أو اتجاهاً واحداً، يحاول أن يبني فوقه. فهذا أمر لا يشغل بال لينش.
فما يقلقه فعلاً، في كيفية أن يلتقط صورة القلق، والانتقال بين جانبيه، أن يحلق في فضائه، وأن ينقله من المشاهد إليه. . أن يخفف من غشاوة الغموض في أعيننا لرؤية الواقع الغامض.. لا يخترع الغموض، لكنه يكشف عنه.. لا يخترعه بل ينبشه. الكادر دائماً يهتز بين صورتين مركبتين وجدليتين.
الممثلة البولونية الأصل في دور مؤثر في فيلم داخل الفيلم، سوف تقتل في الواقع وفي الفيلمين معاً، أين الحقيقة في ثلاث متقابلات؟ لا يطرح لينش سؤالاً يتوخى الإجابة عنه. تمرده على المألوف يشكل جزءاً من لعبة التناقضات التي يراها واقعية، إلى حد أن الخيال يستوحي منها أحياناً. وهو يبدأ من نهاية الصورة لا من بدايتها. يبدأ من أمكنة كثيرة وصل إليها غيره في النهاية، لكنه يبدأ ولا ينتهي. معه نرى وجوه الآخرين، ونحن في الحقيقة لا نرى سوى وجوهنا. قد تبدو غامضة وليست سينمائية بالمعنى التقليدي للسينما.
مدارس واتجاهات مختلفة ظهرت في الفنون عامة. منها ما لفظ أنفاسه بحكم تراكمه الكمي، أو بحكم سقوطه في فخ «تقليدي»، أخسره «ثورية» ادعاها، وحداثوية صبغ بها جداراً لم يشيده بقصد هدمه أو بقصد آخر. بعض المدارس وضعت قوانين ملزمة، وبعضها سجنت مفاهيمها بتحديدات، بمعنى أنها أوصدت أبوابها على ذاتها.
ديفيد لينش المخرج السينمائي والفنان التشكيلي في الأصل، لا يبني صورة ليهدمها. في المبدأ يستخدم كل دمار الواقع وإشكالياته وتناقضاته وغموضه، ليصنع صورة جديدة، أول ما تنحر وتنقلب عليه هو ذاتها. ولينش لا يكمل مشروعا بدأه آخر، وإن كان يمثل اتجاهاً أو هو نفسه الذي بدأه. فلا شيء يغوي هذا السينمائي ليتوقف عنده، يقول: «الصورة لا تتوقف». سينماه مهشمة، كذلك الحياة.
لم يسكت المبدعون، ولا يقبلون بالتعريف الذي يحلل ويحرم. فخرج من المدرسة الواحدة مدارس واتجاهات، تنقلب على ذاتها على الدوام. لأن المفهوم حين يصبح شعاراً يفرض تكسيره، أو على الأقل تخريبه. ليس لإعادة صياغته على الإطلاق. فقط للتمتع بموت صيغة، في مقابلها حتماً ولادة لشيء آخر. قد لا يكون اتجاهاً أو مدرسة.
وعلى الأرجح أن يكون شيئاً مقطوع الصلة بالماضي والمستقبل في آن.. إنها لحظة تلغي مفهوم الزمن، ولا تكترث بالمكان.. إنها خروج كامل عن التوارث. منذ انخراط دايفيد لينش في «المهنة»، منتصف ستينات القرن الماضي، لم يوارب.. لم يتخف.. ولم يدع. شريطه الأول القصير «ألفا بيت»، فانتازي، ممزوج بخيال علمي مع رعب وغموض.
مدة الشريط كلها لم تتجاوز الأربع دقائق، كانت كافية لتحمل ما أراد لينش، وكافية أيضاً للمشاهد، لأن يحصل على وجبة بصرية مدهشة. فيلمه الثاني «الجدة» نسجه بـ 34 دقيقة، وبعد فيلمين قصيرين، ولد شريطه الأول الطويل «إيرسير هيد» (مدته 100 دقيقة) ، الذي اعتبره النقاد في العالم «شريط الصدمة» وهو يتحدث عن رجل يقرر قتل طفله الرضيع.
ومن ينسى شريطه الطويل الثاني «الرجل الفيل» من بطولة انطوني هوبكينز، والذي أتبعه بفيلم «الكثيب» الذي وقعت حوله اختلافات بين لينش والمنتج، عندما حاول الأخير تقصير مدته من ساعاته الثلاث إلى ما يقارب الساعة. لم يتردد لينش من سحب اسمه عن الشريط الذي لم يعرض سوى على شاشات التلفزة. سينما ديفيد لينش، هي أكثر من سينما تقليدية أو ثورية. إنها صورة عن الصورة، وصورة من صورة، حين رآها تخطو باتجاه معين تكون في الحقيقة تطوراً في كل الاتجاهات.
دبي ـ حسين قطايا
