تخلّى عن كل شيء ومنها الدكتوراه في الطب، ليكرّس نفسه للموسيقى العربية الكبيرة، ساعياً لجعل النتاج الموسيقي العربي في متناول الجيل الصاعد، وليدرك العرب الكنز الذي أؤتمن عليه أهل الموسيقى. نداء أبو مراد له حكاية طويلة مع المقام والموسيقى فهو مدير المعهد العالي للموسيقى في الجامعة الأنطونية وله عدة دراسات منشورة في موسوعات ومجلات علمية، وهو كذلك مؤلف موسيقى وعازف كمان وله 14 قرصاً مدمجاً منها إحياء مدونات صفي الدين الأرموي الموسيقية في العصر العباسي، ومشاركات في مهرجانات موسيقية دولية، كما أنه رئيس مؤسسة الموسيقى الفصحى العربية. «البيان» التقته وطرحت عليه أسئلة عديدة في الحوار التالي:
* ما حكايتك مع المقام؟
ـ رغم أنني لا أحب الكلام كثيراً عن «الآنا»، لكن سآخذ عبرة من مساري الخاص. لقد ترعرعت على أساس الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، ودرستها من طفولتي، لأنني كنت أجهل التقليد الموسيقي العربي الكبير ولا شأن لي به، لذلك درست الطب ولكن في يوم من الأيام كنت في فرنسا قررت الاستقالة من الطبابة لأكرّس نفسي للموسيقى، وبعد ذلك قررت الاستقالة من الموسيقى الغربية لأكرّس نفسي للتقليد الموسيقي العربي، وقد تحولت من الغرب إلى الشرق في أوروبا وليس في لبنان.
وذلك عندما رأيت موسيقيين أوروبيين مختصين بموسيقى العصر الوسيط الأوروبي يهتمون بشكل كبير بمعرفة التقاليد الموسيقية الشرقية، وكأنها ذاكرة حيّة للموسيقى الأوروبية القديمة التي اندثرت ذاكرتها الحيّة وبقيت آثارها فقط على شكل مدونات في مخطوطات تصعب قراءتها وفك رموزها. وعندما رأيت اهتمامهم بتراثي وأنا أجهله شعرت بانزعاج كبير، شكّل حافزاً لديّ لكي أكتشف تراثي.
فشرعت في البحث إلى أن سمعت فوزي صايغ في حفلة تقاسيم على العود، فذهلت لوجود مثل هذه الطاقة الإبداعية في إطار موسيقي شرقي، لذلك اخترت التخلّي عن كل شيء وأصبحت مريداً لدى هذا الشيخ لكي أتلقى تقليد الموسيقى العربية الكبيرة. والآن بعد مرور عقدين على هذه الحادثة، أشعر بأهمية جعل النتاج الموسيقي التقليدي العربي في متناول الجيل الصاعد بحيث لا يحتاج إلى مسالك وعرة وملتوية للالتقاء بكنوزه الثقافية، فعلى العرب أن يدركوا أهمية كنوزهم ولا يتخلوا عنها للغير أو العبث.
* بعد التحليل والتشخيص كيف الخلاص من هذا التهميش؟
ـ ما دام هناك مقرئون يجيدون التجويد بحسب قواعد القراءة بالألحان على نسق الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ علي محمود في عالمنا العربي يمكن اعتبار أن سر المقامات مصّان وأن التقليد الموسيقي العربي مستمر وإن في شكل محصور على الإطار الديني. لكن إن أردنا أن يكون مجدداً لأهل الضاد تقليد موسيقي متجدد وحيّ على نطاق حيوي محمي. هناك حتمية لتحقيق بعض الأمور. أولاً ترسيخ معرفة علمية للأنظمة الموسيقية التقليدية وهو ما نقوم به في إطار جامعة خاصة في لبنان وينبغي أن نكون على نطاق أوسع ومدعوم حكومياً من حكومات عربية.
ثانياً: ترسيخ النهج التقليدي الأصيل التدريبي على الأرض مع مجموعات من الموسيقيين من الجيل الصاعد، بحيث يتم تأهيلهم على النسق التقليدي مع الاستعانة بالتكنولوجيا المعاصرة وهو ما نقوم به أيضاً في الجامعة الأنطونية في إطار خاص. ثالثاً: هناك مجهود ضروري لمصنفات سمعية وبصرية ومعلوماتية ومكتوبة في حقل التقاليد الموسيقية وبغية إيصال هذه النماذج وهذه المفاهيم إلى مسامع الناس وأذهانهم. رابعاً: هناك ضرورة لوضع هذه النماذج الموسيقية على الأثير أن تحظى بنسبة ضئيلة وإنما موجودة في بث محطات التلفزة إلى جانب الأصناف الأخرى.
* هل الموسيقى الفصحى أو الكلاسيكية التي تعتمد على المقامات مهمشة في عالمنا العربي؟
ـ هناك أسباب تاريخية اجتماعية ثقافية متعددة أسهمت في عملية التهميش. صحيح أن العالم العربي لديه تقاليد موسيقية من الصنف الفني أو العالم أو الكلاسيكي وقد ازدهرت كثيراً في حقبات أساسية من التاريخ العربي بخاصة في العصر العباسي وفي عصر النهضة العربية، وأنها توازي التقاليد الموسيقية الفنية الأخرى في العالم من فارسية وعثمانية وهندية، ومجمل الموسيقى العالمية أو الكلاسيكية الأوروبية، ولا شيء ينقصها لكي تحيا ندّية مطلقة مع تلك الموسيقات إلا ثقة الشعب العربي لها. هناك أزمة ثقة واقعة في العالم العربي منذ الحرب العالمية الأولى.
تتمثل في كون المثقفين والطبقات الوسطى لم يعودوا يعتمدون على وجه المشرق الإبداعي التجددي الحاضر في التراثات من أجل إنتاج حيّز ثقافي جديد بل جلّ اهتمامهم وتركيزهم هو في عملية تطعيم المنظومات الثقافية المحلية بعناصر خارجية تحت شعار حداثة غير مفهومة وغير ناضجة.
بينما في الغرب هناك توالي من المنظومات الموسيقية الفنية بحيث إذا تمّ نقض مفاعيل مدرسة تقليدية معينة من قبل جيل جديد يتكون بديل هو بمثابة مدرسة حديثة جديدة تتحول مع الزمن إلى تقليد لكونها أفرزت قواعد ونماذج متينة ومتماسكة بل إن الحقبة الأخيرة من القرن العشرين شهدت في الغرب تراكماً هائلاً لكل المدارس التاريخية،
وذلك من خلال أداء المؤدين الأوروبيين الكلاسيكيين الذين يتهافتون على أداء نتاج المدارس الموسيقية القديمة وأسمائها للجمهور العريض. في هذه الأحيان شهدنا نقضاً للمنظومة التقليدية العربية وشبه إبادة لها من غير بديل جديد فنطلق مفهوم الموسيقى الفنية، يمكن التلخيص بأن الغرب تخطّوا فكرة الحداثة ونحن لم نكتشف بعد الحداثة أي ناقضنا التقليد ولم نكتشف الحداثة التي ولّدت النزعة.
* ما التقليد وأهميته في الإطار الموسيقي وهل العرب واعون له؟
ـ التقليد مصطلح إشكالي في اللغة العربية المعاصرة كما التراث، لأنه مربوط بذهن المثقفين بل العامة بالماضوية والبكاء على الأطلال، في حين هناك مفهومان للتقليد، مفهوم أول مرتبط بفعل قلد ذي المفعول به الواحد «قلد زيدٌ عمراً في أمرٍ ما» إنه التقليد التكراري، النسخي أو الإيمائي. ما نراه في الفولكلور يعيد الجيل اللاحق توليد نتاج الجيل السالف كما هو.
في هذا المفهوم للتقليد هناك قواعد ثابتة، ولكن تجدداً كبيراً في النماذج مع الأخذ بالنسق المتشكل على أساس النماذج الموروثة وهو المسماة بالتراث. إذاً التقليد هنا هو مفتاح التجدد في إطار التراث كما هو مفتاح الاستمرار في القواعد والنسق، ولا بد من أن تنبني نتاجات ثقافية جديدة على أساسية من قواعد بينه وعلى نسق واضح من النماذج.
إذاً التقليد هو حتمي وليس من الكماليات وليس من الماضي. لكن جاءت فكرة الحداثة لكي تضع البلبلة في هذه الصورة وهي التي تعتمد على طموح «آنا» المنتج لتكوين منظومة جديدة مع القواعد الموروثة ونماذج مستحدثة. إن من أهم مقومات التجدد الموسيقي في هذه الثقافة هو الارتجال إن على شكل التقسيم والتفريد أو على شكل التنويع في أداء الموروث ولا يمكن للارتجال أن يتحقق بشكل صحيح إلا أن كان محكوماً بالتقليد التسليمي.فهناك أسرار ضرورية لكي يتحول الموسيقي من طور المكرر إلى طور المؤلف الآني «المرتجل». هذه الأسرار لديها ثلاث مراحل أساسية:
الأولى هي مرحلة الحفظ، كما طلب الخلف من أبي النواس أن يذهب إلى البادية ويحفظ بضعة أبيات. فعلى المريد الموسيقي أن يحفظ أرصدة نموذجية متعددة. وفي المرحلة الثانية كما طلب الخلف من أبي النواس أن يذهب إلى دير وينسى ما حفظ، فعلى الموسيقي أن يحاول تأويل ما حفظه أي اكتناه الأسرار الموجودة في الرصيد المحفوظ لكي يستنبط القواعد وبخاصة النسق الذي يمكن على أساسه بناء النتاج الجديد.
المرحلة الثالثة هي مرحلة الخصوبة التي من خلالها يتحول الموسيقي إلى أمٍ للنغم، هذا الطريق الصعب هو حتمي للوصول إلى هذه الحالة وهو يعتمد على تلطيف كبير لـ «الآنا» أي على جانب كبير من التواضع حيال العملية الإبداعية. في نهاية الأمر يلقي الموسيقي جملاً جديدة قد تكون آية في التجدد لكن السامع يعدها في خانة التراث ويفرح المؤدي لذلك لأنه قد تحول إلى إطار لاستمرار تحقق السر الموسيقي العميق بعيداً عن سرابيات «آنا» الخاصة. وهنا معنى الطرب الحقيقي الذي يرغم السامع على التفوه بالمبدع الحقيقي هو الله. وهنا قد وضعنا مساراً نسكياً وتصوفياً في الموسيقى. لذا فإن المسلك التقليدي الموسيقي هو كناية عن مشروع تصوفي في حقل النغم.
* هل يمكن توصيف الموسيقى أم أنها تجريد مطلق خارج العبارات؟
ـ يمكن توصيف الموسيقى وهو موضوع أساسي في علم الموسيقى. الموسيقى فيها شيء يتنزه عن التوصيف، وهو الجانب الإبداعي الذي يصعب وضعه في معادلات رياضية. وكذلك هناك الجانب الشعوري في الموسيقى الذي أيضاً يصعب توصيفه من ناحية علمية ثابتة لكن هذا كله لا يمنع من وجود منهجيات اكتناهية متكاملة، موضوعها تصنيف وتوصيف الأنشطة الموسيقية إن من حيث كونها ظواهر إنسانية تقع تحت مرجعية العلوم الإنسانية، أو إن لكونها فعلاً يتدرج من منطق موسيقي بحت، فنقع في خانة التحليل الموسيقي.
وقد نشأ علم الموسيقى في القرن التاسع عشر على أساس هذا المشروع، وأخذ بعدين أو مسارين هما: مسار الموسيقولوجية التاريخية وهي منهجية دراسة الموسيقى عبر الزمن، وثانياً مسار الموسيقولوجية النظامية وهي مجموعة من المنهجيات التي تدرس الظاهرة الموسيقية في زمن محدد وفي تقاطعها مع بعض العلوم الإنسانية من علم نفس واجتماع والألسنية وفيزياء الأصوات. واليوم في الجامعة الأنطونية وجامعة باريس «السوربون» أسسنا لمقاربة جديدة هي الموسيقولوجية الشاملة للتقاليد الموسيقية في العالم. وهي تتخطّى المفهوم الذي كان سائداً في العقود السابقة وهو مفهوم علم موسيقى الشعوب الذي كان مدغوماً بذهنية استعمارية تخطاها الزمن.
بيروت ـ رانيا غانم
