كان لافتا للنظر التصريح الذي أدلى به معالي د. محمد خلفان بن خرباش وزير الدولة لشؤون المالية والصناعة رئيس الاجتماعات السنوية المشتركة للهيئات المالية العربية في اجتماع هذه الهيئات في بيروت، فقد تضمن تصريحه تشخيصا واضحا لحال الاقتصادات العربية في الوقت الراهن،

حينما أشار إلى أن الاختلالات لا تزال تتزايد في هذه الاقتصادات، على الرغم مما سجلته من تحسن في أدائها تعكسه معدلات نمو الناتج، وهذا يتطلب بدوره وضع خطط لاستقرار الاقتصاد الكلي ومتابعة تنفيذ سياسات الإصلاح الطويلة الأجل وتطبيق السياسات الداعمة للنمو. وأضاف معاليه أن الدول العربية لم تستفد من فرص تحسين معدلات النمو والأداء الاقتصادي في الشكل المطلوب، في ظل ما تعانيه المنطقة من اضطرابات سياسية تؤثر في قدرة اقتصاداتها على جذب مزيد من الاستثمارات وتوظيفها.

وفي السياق نفسه، نستذكر الدعوات التي تطلق حاليا بشأن حاجة الدول العربية إلى عقد قمة اقتصادية عربية تعيد الروح للعمل الاقتصادي العربي المشترك حيث يتم الحديث عن احتمال استضافة الكويت لهذه القمة. لذلك من الواضح أن الدول العربية بحاجة للعمل على مسارين متزامنين الأول هو الإصلاحات الاقتصادية والثاني هو التكامل الاقتصادي العربي، إلا أن التداخل والتشابك بينهما واسع كما سوف نلاحظ.

إن الملف الاقتصادي العربي وكما يقول المستشار الاقتصادي السعودي طلعت زكي حافظ ظل لسنوات طويلة يراوح مكانه، بالذات فيما يتعلق بالتعامل مع العديد من القضايا الاقتصادية العالقة، التي لا تزال تبحث عن حلول شافية ووافية للخروج بالاقتصاد العربي من أزمة التنمية غير المتوازنة وغير المستدامة التي تعيشها الدول العربية الأعضاء بالجامعة العربية،

الأمر الذي تؤكد عليه العديد من التقارير الاقتصادية العربية وغير العربية، التي أشارت إلى أن هناك خللا واضحا وفروقا كبيرة في التنمية الاقتصادية التي تعيشها البلاد العربية، الأمر الذي يصعب من عملية ومسيرة التكامل الاقتصادي الذي تنشده تلك الدول، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أكدت بعض التقارير، أن دخل الفرد في جمهورية مصر العربية في الخمسينات كان مماثلا لدخل الفرد في كوريا الجنوبية،

بينما يصل اليوم إلى أقل من 20% من الدخل الكوري الجنوبي، وأيضاً كان إجمالي الناتج المحلي للمملكة العربية السعودية، يفوق في يوم ما الناتج المحلي الإجمالي لتايوان، لكنه اليوم يبلغ نحو 50% منه، كما أن الناتج المحلي الإجمالي للمغرب وماليزيا كان على قدم المساواة، أما اليوم فإنه في المغرب يمثل نحو نصف ما هو عليه في ماليزيا.

مؤشرات وإحصائيات أخرى تدلل على هشاشة الاقتصاد العربي وضعف بنيته التحتية، بالذات بالنسبة للقضايا المرتبطة برفاهية المواطن العربي وتقدمه علمياً وعملياً، التي لعل من بين أبرزها وأهمها، ارتفاع عدد العاطلين عن العمل في البلدان العربية وفق تقديرات صندوق النقد العربي إلى نحو 16 مليونا من أصل 98 مليونا، يمثلون قوة العمل العربية، أو ما يعادل نحو 20% من مجموع قوة العمل العربية.

وبرأي المستشار الاقتصادي السعودي فإن أبرز الأسباب التي أدت إلى هشاشة الاقتصاد العربي، وضعف بنيته التحتية، اعتماد معظم اقتصادات الدول العربية في دخولها على ما يعرف بالاقتصاد الريعي، الذي يعتمد على ما تخرجه الأرض من ثروات طبيعية، الأمر الذي تؤكد عليه الإحصائيات، التي أشارت إلى أن ما يزيد على 59% من الإيرادات المالية التي تحققها الموازنات العامة للدول العربية،

تأتي من الإيرادات النفطية، الأمر الذي بدوره لا يحفز حكومات تلك الدول على الابتكار والتنويع في مصادر الدخل القومي، بما في ذلك إجراء إصلاحات اقتصادية هيكلية جادة للارتقاء بأداء الاقتصاد. كما أن اعتماد الدول العربية على الاقتصاد الريعي، إضافة إلى التشابه الكبير بين الموارد الاقتصادية، أضعف من فرص التكامل الاقتصادي فيما بين تلك الدول،

وشجع على هروب الاستثمارات العربية إلى دول أخرى تحفز على الابتكار وتشجع على تنويع مصادر الدخل القومي وفرص الاستثمار، حيث تشير الإحصائيات إلى أن حجم الاستثمارات العربية في الخارج نحو 2,1 تريليون دولار أميركي في حين يبلغ حجم الاستثمارات الخليجية البينية وفقا لما أعلن عنه الأمين العام لاتحاد الغرف الخليجية مؤخرا نحو 40 مليار دولار فقط.

إن التكامل الاقتصادي العربي وبالذات من خلال منطقة التجارة العربية الحرة سوف يؤدي إلى إلغاء التعريفة والقيود غير الجمركية على المنتجات المحلية ومن ثم تسهيل الدخول إلى الأسواق العربية، وهذا سوف ينعكس بدوره على تحسين الإنتاجية وتحول الموارد إلى قطاعات أكثر تنافسية.

وعليه، يجب أن تتزامن جهود الاستفادة من انفتاح أسواق الدول العربية مع جهود حثيثة لتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر وخلق المشاريع المشتركة لتحسين تنافسية المنتجات المحلية من خلال تحسين قدراتها التكنولوجية ومنافذ تصديرها وبالتالي سيكون لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى دور هام ليس فقط في تشجيع الصادرات الوطنية وتعزيز حركة الاستثمارات العربية البينية بل أيضا في اجتذاب الاستثمارات الدولية إلى الدول العربية.

يضاف إلى ذلك، أن عملية التكامل الاقتصادي وتوسيع الأسواق يمكن أن يؤديا إلى تحسين القوة التفاوضية في عملية الاستحواذ على التكنولوجيا وتأمين منافذ تصريف للمنتجات وبشروط أفضل للصناعات المتماثلة على مستوى الدول العربية. وإذا كان من الصحيح أن الفوائد المرجوة من منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى سوف تتحدد بضوء مقدار التقدم الذي يحرز في مجال التكامل الاقتصادي والتكنولوجي،

فإن من المسلمات أيضا أن مدى استفادة الدول العربية من هذه المنطقة سوف يعتمد على مدى قدرتها على تطوير الصناعات الوطنية لديها وخاصة صناعات القيمة المضافة العالية والصناعات التكنولوجية. وان تعمل على تبني برامج صناعية تسمح بقيام صناعات حديثة وضرورية لتنمية المنطقة العربية، وتكامل اقتصاداتها وإيجاد صناعات أمامية ترتكز على المنتجات الخلفية وتستخدمها لمزيد من التصنيع المتصاعد في سلم العمليات الإنتاجية، مما يساهم في تنويع الصادرات المحلية.

كما أن الصناعات الوطنية في الدول العربية وبالقدر الذي تتمكن فيه من الاستفادة من المنطقة التجارية الحرة، فإنها بالقدر نفسه تستطيع تخفيف تأثيرات العولمة السلبية على دولها وتتقي محاولات التهميش لاقتصاداتها وتحسن أوضاعها الاقتصادية وتزيد من تنافسية منتجاتها وتقوي موقعها على الصعيد العالمي وبناء على ذلك، لابد للدول العربية أن تنظر بكثير من الجدية إلى دعم منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.

وتبقى الفوائد المتوخاة من التدابير الإقليمية والقومية كمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى مرهونة بمدى قدرة الشركات والقطاع الخاص في الدول العربية على اكتساب التكنولوجيا وتطويعها لتناسب الحاجات المحلية لبلدانها، كذلك على قدرة هذه الدول على إقامة بيئة محفزة على الابتكار في إطار العمل.

وهناك علاقة متشابكة بين قدرة الشركات على تحقيق التقدم التكنولوجي المطلوب وبين توفر بيئة استثمارية داعمة على مستوى المنطقة العربية كلها. فعملية التقدم التكنولوجي ليست أمرا مضموناً، بل تحتاج إلى بيئة تمكن القطاع الخاص من الاستفادة من التوسع في الأسواق. وهناك مسؤولية جماعية ومشتركة تقع على عاتق الحكومات والشركات العربية في توفير وتوجيه المزيد من الاعتمادات المالية والفنية للإنفاق على البحث العلمي وتوفير الكفاءات.

كذلك من المفترض، ولكي يعظم القطاع الخاص استفادته من منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى أن يعمل على تحسين تنافسية المنتجات من خلال الاهتمام بالمواصفات والعناية بأساليب التعبئة والتغليف ومراعاة الجودة، وتحديث أساليب التكنولوجيا. وبدورها فإن على الحكومات العربية أن تبادر إلى وضع سياسات داعمة تهدف إلى تحسين الإنتاجية وتوجيه المدخرات لتنمية القطاعات التصنيعية وتشجيع دور القطاع الخاص على أخذ المبادرة من خلال تحرير وتحديث البيئة الاقتصادية.

لذلك، فإن العلاقة بين التحديث والإصلاح الاقتصادي من جهة والتكامل الاقتصادي من جهة أخرى علاقة متشابكة ونحن ندعو للنظر إليهما كرزمة واحدة، ونتطلع لعقد قمة اقتصادية عربية تتبع هذا النهج، فمن غير إصلاحات اقتصادية على مستوى الدول العربية لن يتقدم التكامل الاقتصادي العربي، كذلك في ظل غياب منهج واضح لهذه التكامل، سوف تتعرقل وتتعطل الإصلاحات الاقتصادية العربية.

كاتب اقتصادي بحريني