يؤكد التاريخ الاقتصادي لنمو الأمم أن كل النجاحات الاقتصادية كانت لأمم بينها وبين المتعاملين ثقة عالية، وإن أهمية مبادئ الحرية والمصداقية التي تأتي بممارسة صحيحة تعتمد الدول فيها على المشاركة والعدالة والشفافية بينها وبين شعوبها، وقد أكد ابن خلدون في (مقدمته) قيمة العدل وأهميته في نمو مكانة السلطان المالية، ويقول ميلتون فريدمان الاقتصادي الأميركي ضمن هذا الإطار: إن تطور الدول اقتصاديا مضمون بمصداقية الدولة وثقة مواطنيها فيها،

لذا فنجاح الدول يتوقف على مدى قدرتها على توفير المناخ القانوني والمالي المستقر وتحقيق الأمن وتوفير الخدمات العامة الأساسية، ومن هنا فالعودة إلى تعبير (الاقتصاد السياسي) هي وضع الأمور في نصابها، فلا اقتصاد دون سياسة، ومن اجل بحث مفصل لمسودة القانون الجديد الذي صادقت عليه الحكومة العراقية أقيمت أكثر من ندوة في عمان ولندن

وبمشاركة وزراء سابقين وخبراء نفطيين وأعضاء من مجلس النواب العراقي، وكانت الآراء منقسمة بين معارض ومؤيد لمسودة القانون، وقد أبدى خبراء نفطيون وبرلمانيون عراقيون مخاوفهم حيال مسودة القانون الجديد، وهذه المخاوف متأتية من أن تضع كبريات شركات النفط العالمية يدها على ثروات العراق.

وعند سن أي قانون لابد وان يأخذ المشرعون بنظر الاعتبار المصلحة الوطنية العليا، بحيث يحب أن تحظى العقود والامتيازات التي سيمنحها العراق للمستثمرين الأجانب بعناية خاصة بالمشرع العراقي لتحقيق أفضل الشروط القانونية والفنية والاقتصادية، مع ضمان تحقيق التوازن المطلوب والعلاقة المتكافلة بين الثروة النفطية من جهة ومعدلات الإنتاج والاحتياطي من جهة أخرى بما يصون مصلحة العراق على الأمد البعيد،

ولإلقاء نظرة سريعة على المؤشرات والمجريات الاقتصادية للاقتصاد الريعي العراقي نلاحظ أن معدل دخل الفرد العراقي ومعدلات البطالة والتنمية في تدهور جراء الحروب والمحن التي مر بها، ففي منتصف سبعينات القرن الماضي كان معدل دخل الفرد العراقي من إجمالي الناتج المحلي يعادل دخل الفرد في اليونان والبرتغال، وكان معدل دخل الفرد في العراق ثلاثة أضعاف معدل دخل الفرد في اندونيسيا وكلاهما تعتمد على النفط،

أما الآن فقد بلغ معدل دخل الفرد في اندونيسيا خمسة أضعاف نظيره في العراق، وفي عام 1980 كانت حصة العراق من تصدير النفط تشكل 5,14% من إنتاج الأوبك، أما اليوم فقط هبطت كثيرا، وعادة ما يطلق على الدول التي تتمتع بثروات ضخمة من الموارد الطبيعية ويكون أداؤها أسوأ من تلك الدول التي لا تتمتع بمثل هذا القدر الضخم من الموارد ظاهرة يسميها أهل الاقتصاد ظاهرة (لعنة الموارد)، وهذه اللعنة تأتي عادة من سوء إدارة الثروات وتبذيرها وعدم الحفاظ عليها.

ويؤكد المحللون أن الولايات المتحدة وبريطانيا قد أخفقتا في استخدام قوتهما في العراق من أجل دعم الشفافية في قطاع النفط، فإنه لمن الصعوبة أن نتصور كيف للديمقراطية أن ترسخ جذورها في العراق بينما يظل أهم مصدر من مصادر الدخل من غير عدادات، وبعد مرور أربعة أعوام على الاحتلال أصبحت نسبة العراقيين الذين يعيشون في فقر مدقع يشكلون 25% ونسبة البطالة بين الشباب تشكل 70%

ويلاحظ من خلال المسح الصادر عن وزارة التخطيط العراقية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق خلال عام 2004، أظهر انخفاضاً في متوسط دخل الفرد في العراق من 255 دولاراً عام 2003، إلى 144 دولاراً عام 2004، في بلد يمتلك ثاني أكبر احتياطي من النفط في العالم،

فهل القانون الجديد للنفط الذي أعطى للإقليم الحق أن يكون هو صاحب تنفيذ الاتفاقيات والتحري على النفط سينتشل البلد من هذه المحن والنكبات الاقتصادية ؟ وخاصة إذا علمنا أن معدلات الإنتاج الفعلي للنفط الخام في الوقت الحاضر لا تتناسب مع هذا المخزون

مما يتطلب ضخ استثمارات هائلة لتصحيح معادلة العلاقة بين مقدار الإنتاج وحجم الاحتياطي وبما يؤمن موارد مجزية للعراق تؤمن طموحات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لقد وضع خبراء الاقتصاد عدة أسباب رئيسة وراء الأداء الاقتصادي الرديء لبعض الدول الغنية بالموارد الطبيعية منها:

أسعار الموارد الطبيعية تتميز بالتقلب، وإدارة مثل هذا التقلب بنجاح ليس بالأمر السهل. إذ تقوم الجهات المُقرِضة بتقديم القروض عندما تكون الأوضاع الاقتصادية لصالحها، لكنها عند حدوث أول انهيار في أسعار الطاقة تطالب باسترداد أموالها، وكما هو في المثل القائل. (إن البنوك لا تحب أن تقرض سوى أولئك الذين لا يحتاجون إلى المال)،

ثانياً: لجوء كبار الموظفين الرسميين بالدولة إلى تأجير الثروة، بمساعدة وتحريض من أجانب. وإن دور عرض الرشوة على حكومة ما، لتقديم الموارد بأسعار تقل عن أسعار السوق، أرخص تكلفة من الاستثمار وتنمية الصناعات. لذا، فليس من المدهش أن تستسلم بعض الشركات لهذا الإغراء.

وعلى هذا فإن الثروات الطبيعية الوفيرة كثيراً ما تؤدي إلى إيجاد دول غنية تقطنها شعوب فقيرة. وإن ثلثي سكان فنزويلا، التي تحتوي أراضيها على أضخم احتياطي من النفط في أميركا اللاتينية، يعيشون في فقر. يطالبون الآن بأن تَشْرع تلك المجموعة الصغيرة المستفيدة من ثروة البلاد في إشراك بقية الشعب في تلك الثروة وإنقاذهم من التشريعات غير المنصفة،

إذاً يعد التصويت على قانون النفط العراقي الجديد من قبل البرلمان بمثابة الفرصة الأخيرة لتقييم وتحري المزيد من الدقة في تنفيذ مبادرة شفافية صناعات الاستخراج من خلال فرض المتطلبات الأساسية ذات الحد الأدنى على الدول المُضيفة. وإن توفير واستثمار الموارد الطبيعية ممكن، بل لابد وأن تكون بمثابة نعمة وليست نقمة... لكن ما يفتقر إليه هو الإرادة السياسية المخلصة واللازمة لإدخال كل ما يستكشف ويستثمر إلى حيز التنفيذ لإنقاذ اقتصاد العراق.

كاتب ومحلل اقتصادي