استكمالا لما بدأناه في المقالة السابقة وتحديدا حديثنا عن تطبيق معايير الجودة والتميز المؤسسي على القضاء، وقبل أن نفكر في تطبيق الجودة ومعاييرها ومنهجياتها فإنه من الضروري أن نغير بعض الأفكار والمعتقدات لدى الناس ولابد أن يؤمن الواحد منا أن مبادئ الجودة ما هي إلا أسلوب حياة ينبغي أن نتقبلها شئنا أم أبينا فهي الوسيلة نحو التميز بين أقراننا،
ولعل القضاء بحاجة إلى العقليات التي تتبنى تلك الأفكار حتى يتم تطبيق تلك المبادئ على إجراءات التقاضي. ونحن بهذا لا نتحدث عن التدخل في الأحكام بقدر ما نعنيه هو استخدام تلك المعايير وتطبيقها على الإجراءات القضائية للوصول إلى أحكام ناجزة وسريعة.
إن العدالة تتطلب من القاضي أن يقضي في الدعاوى بإجراءات تتسم بالانسيابية التي لا يترتب عليها تطويل إجراءات التقاضي، والقاضي في أحيان كثيرة يجد نفسه مكتوف الأيدي أمام بعض النصوص الإجرائية التي تقيده. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نجد أن ما بين الخصوم ماهو كفيل بتطويل أمد التقاضي،
فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أن الفقرة الثانية من المادة 45 من قانون الإجراءات المدنية تنص على أن المدعى عليه أن يودع مذكرة بدفاعه وصوراً لمستنداته موقعاً عليها منه قبل الجلسة المحددة لنظر الدعوى بثلاثة أيام على الأقل والفقرة الثالثة من المادة السابقة تنص على أنه
وعند المنازعة في صحة صور المستندات تحدد المحكمة أقرب جلسة لتقديم أصولها، والمحامون أول ما يقومون به عندما يرون صورا من المستندات المقدمة من قبل خصومهم أنهم يجحدونها ويطالبون بالأصول فلا يكون أمام المحكمة من سبيل سوى تلبية مطالبهم وتأجيل الدعوى حتى يتم إبراز الأصول.
مثال آخر على التأثير على إجراءات سير الدعوى أنه وفقا لنص المادة الرابعة من قانون الإجراءات المدنية أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للمحاكم، وأنه وفقا لنص المادة 45 من القانون سالف الذكر أن المستندات يجب أن تكون مترجمة رسمياً إذا كانت محررة بلغة أجنبية، وهذا يترتب عليه أن الخصم يقدم المستندات المعنية باللغة الأجنبية ويطلب من المحكمة أجلا لتقديم ترجمة للمستندات غير المترجمة،
بينما هو يدرك بأن المستندات المقدمة إلى المحكمة يجب أن تكون باللغة العربية ولكن هذا موطئ آخر يترتب على تطبيقه التأثير على جودة العمل القضائي على أساس أن ذلك سيؤثر على إجراءات سير الدعوى وسيترتب عليه تطويل إجراءات التقاضي، تلك كانت بعض النصوص الإجرائية التي لا حول للقاضي له ولا قوة ناهيك عن المواضع الأخرى الموجودة في الدفوع والإدخال والتدخل والطلبات العارضة التي يستخدمها الخصوم في بعض الأحيان لتطويل أمد الدعاوى.
ويقف القاضي في كثير من الأحيان جامدا أمام أمرين مهمين وقد يتعارضان مع بعضهما البعض في بعض الأحيان وهما العدالة وسرعة البت في الدعاوى، والسبب في ذلك يكمن في إعطاء كل طرف نصيبه في تقديم أدلته وبراهينه ومرافعته وبحيث لا يؤثر في النهاية على تحقيق العدالة في الدعوى،
الأمر أشبه بشعرة معاوية، فالقاضي يجب أن تكون لديه الملكة التي يستطيع من خلالها أن يتخذ القرار المناسب بحيث يحقق العدالة للأطراف على أن يراعي في ذلك التطبيق الأمثل للقانون بما يحقق العدالة الناجزة والسريعة، تلك هي المعادلة وهي في حقيقتها المعادلة التي تحقق الجودة في الأداء وما يترتب عليه التميز الذي نرمي إليه في نهاية المطاف.
إننا نعيش في وقت أحوج ما نكون فيه إلى خلق ثقافة تميز تقوم على الارتقاء بسوية الخدمات الحكومية عن طريق إعادة النظر بصورة جذرية في أساليب وآليات وأدوات تقديم هذه الخدمات من جهة وتطوير منهجيات التخطيط والإدارة ومراقبة وتقييم الأداء في القطاع العام من جهة أخرى.
لذا فإن الإطلاع على أفضل الخبرات والممارسات الدولية ومعرفة ما يمكن عمله للوصول إلى التميز المؤسسي في الأداء الأمر الذي من شأنه أن ينعكس إيجابياً على مستوى أداء الخدمة ويساهم في دفع وتيرة النمو الاقتصادي وتحسين مستوى ونوعية حياة المواطن.
إن التميز في عالم اليوم الذي يتسم بتسارع المستجدات واختزال المسافات يقتضي منا العمل الجاد والدؤوب على غرس ثقافة التغيير وتمكين الأفراد والمؤسسات من التأقلم مع الأساليب الجديدة في العمل مع الإدراك بأن هناك المزيد دوماً مما يمكن عمله وإنجازه من خلال تحديد مواطن القوة والضعف في مستوى الأداء بحيث يتم البناء على الأولى والتغلب على الثانية.
في الوقت الذي تبدو فيه الحاجة ملحة إلى اعتماد أساليب جديدة في العمل، فإن هناك حاجة أكثر إلحاحاً إلى إيجاد نماذج جديدة من العاملين المؤمنين بالقدرة على التغيير وبإدارة التغيير والقادرين على قيادة دفتها وذلك من خلال التدريب والتأهيل والتوجيه المستمر للاستفادة مما يزخر به بحر المعرفة العملية والعلمية في مجالات الإدارة وتقديم الخدمات.
نقطة وأول السطر...
الفائزون يتفوقون على الفشل لأنهم لا يتوقفون، والخاسرون يهزمهم الفشل لأنهم لا يبدأون، وإذا حاولت القيام بشيء وفشلت فيه فأنت أحسن حالاً ممن لا يحاول القيام بشيء فينجح في ذلك.
باحث قانوني واكاديمي
ea.vog.cd@lamaj.rd
dr.jamal@dc.gov.ae