يمتد سور الصين العظيم – أحد عجائب الدنيا السبع - على الحدود الشمالية والشمالية الغربية لجمهورية الصين الشعبية، من تشينغداو على بحر بوهاي (البحر الأصفر) في الشرق إلى منطقة ج في مقاطعة قانسو في الغرب. وبنى الصينيون سورا آخر إلى الجنوب، وامتد من منطقة بكين العاصمة الحالية إلى هاندان.
وبعد توحيد الصين على يد الإمبراطور »تشين شي هوانغ« ( 221 ق.م) تسارعت وتيرة بناء السور، وانتهت الأعمال سنة 204 ق.م، بعد أن شارك فيها أكثر من 300،000 شخص. وواصلت أسرتا »هان« (206 ق.م) ثم »سوي« (589-618 م) أعمال البناء. وساهمت أسرة »منغ« (1368-1644 م) في مد السور وتدعيمه، كما تم استبدال الأجزاء التي بنيت بالطين، ببناء من الطوب ويمتد بمحاذاة الأنهر المجاورة.
وتشكلت انحناءاته مع تضاريس الجبال والتلال التي يجتازها وقد تم بناء السور في البداية من الطين والحجارة، وغطى البناءون جانبه الشرقي بالطوب.و يبلغ عرضه 4.6 أمتار إلى 9.1 أمتار في قاعدته (بمعدل 6 أمتار)، ويضيق في أعلاه ليصل إلى (3.7 م). ويتراوح ارتفاعه بين 3 و8 أمتار. وتعتبر الجهة الشرقية من السور والتي تمتد على بضعة مئات من الكيلومترات افضل الأجزاء المحفوظة، بينما لم تتبق من الأجزاء الأخرى غير آثار بسيطة.
ويقال إن سور الصين هو المعلم الوحيد الذي بناه الإنسان ويمكن معاينته من الفضاء، إلا أن رجل الفضاء الصيني »يانغ لى وى« كذب هذه المقولة، فقد منع الغطاء النباتي الكثيف المحيط بالسور من رؤيته.
ورغم كل الجهود التي بذلها الحكام الصينيون لإنهاء بنائه، لم يقم السور بمهمته المطلوبة في الدفاع عن البلاد ضد هجمات الشعوب البدوية (البرابرة). لكن الغزوات التي قام بها أباطرة »تشنغ«، والذين كانوا ينحدرون بدورهم من أحد هذه الشعوب، هي التي خلصت البلاد من هذه التهديدات.
»ليس إنسانا حقيقيا« قال الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ »ليس إنساناً حقيقياً من لم يزر سور الصين العظيم« وقد ذكر ذلك في قصيدته الشهيرة عن السور الذي يُعد أهم مقاصد الصين سياحيا. ويزور هذا السور حوالي عشرة ملايين سائح سنوياً.
وتبدأ حكايته عند مملكة «تشين» بجنوب الصين التي كانت تبني سوراً دفاعياً لها بغرض التصدي لهجمات القبائل الشمالية والأعداء من خارج الحدود. بعدها بدأت ممالك تشي ويان ووي وتشاو وتشين تبني أسواراً لنفس الغرض في أماكن متفرقة من الصين ليأتي امبراطور «تشينشي هوانغ» أول امبراطور لمملكة تشين ليوحد تلك الممالك ويكلف الضابط الكبير «منغ تيان» بإرسال حملة ضد قبائل الهون من المغول
ويصل الأسوار التي بنتها كل مملكة ببعضها ليتشكل في النهاية سور الصين العظيم الذي شاركت في بنائه وترميمه أكثر من عشرين مملكة وأسرة في تاريخ الصين ويبلغ الطول الإجمالي للسور الذي بنته كل الأسر الإمبراطورية 50 ألف كم، ويقول الصينيون إنه إذا استخدم الطوب المبني به في تشييد سور سمكه متر وارتفاعه 5 أمتار من الممكن أن يطوق الكرة الأرضية أكثر من مرة.
ولكن سور الصين العظيم الحالي هو ثلث الأصلي القديم حيث أن الثلث الثاني أصبح أطلالاً والثلث الأخير اختفى تماماً. وتُعد قطاعات »بادالينغ« و»سيما تاي« و»موتيان يوي« أكثر القطاعات المرممة والمفتوحة أمام الزوار كمعالم سياحية.
ويُعد قطاع »بادالينغ« الواقع في محافظة بانتشينغ والتي تبعد حوالي الساعتين عن وسط بكين أشهر القطاعات بين السياح وزائري السور من الصينيين أنفسهم، حيث تذكر الاحصائيات أن 130 مليون زائر منهم 14 مليون سائح أجنبي قام بزيارة قطاع »بادالينغ« من السور منذ افتتاحه رسمياً عام 1954 بالإضافة لحوالي 400 شخصية عامة ورئيس دولة مثل نيكسون وريغان وبوتين ومانديلا وشوارزينجر وبيليه.
ويزداد عدد زائريه يوماً بعد يوم خاصة بعد أن أدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) في قائمة التراث العالمي عام 1987.
يتكون سور قطاع »بادالينغ« من مضيق وسور المدينة ومنصة المدينة وبرج الإنذار المبني على حافة الجبال ويرتفع ويهبط مع تضاريس الجبال.
عندما تتسلق السور المبني بكثير من الصخر المستطيل الكبير والذي يبلغ متوسط ارتفاعه ثمانية أمتار وعرض 6 أمتار حتماً ستقابل الكثير من الصينيين وسيطلبون منك أن تأخذ صورة تذكارية معهم على سلالم السور بعكس الشائع، حيث يطلب السائح دائماً أن يأخذ الصور التذكارية مع أهل البلاد ولكن لأن الصينيين يفتخرون بتراثهم ويحبون تسجيل أصدقاء البلاد من خلال الصور.
وخلال رحلة تسلق السور للوصول إلى منصة سور المدينة التي تشبه القلعة الصغيرة والتي تقع على مسافة من 300 إلى 500 متر ستجد شرفات السور على الجانب الخارجي للسطح بارتفاع 1.7 متر وعليها فتحات للمراقبة وفتحات لإطلاق النار،
أما المنصة فهي مكونة من طابقين، في الطابق العلوي توجد فتحات المراقبة وأخرى لإطلاق النار. في الجانب السفلي كان يسكن جنود الدفاع عن المدينة وتخزن الحبوب والغلال والأجهزة والمعدات العسكرية أيضاً.
وتذكر بعض الروايات ان مليون و500 ألف جندي وإنسان مدني شاركوا في بناء هذا المعلم البارز في عهد الإمبراطور (تشينشيهوانغ) وتم بناء السور في المناطق الصحراوية بمواد مكونة من الصفصاف نظراً لشح الصخور والطوب الأصفر، أما في مناطق هضبة التراب فبني بالتراب المدكوك أو الطوب غير المحروق لكنه لا يقل متانة عن السور غربي الصين،
أما بناء السور في عهد أسرة مينغ الملكية كان الطوب أو الصخور أو بخليط من الصخور والآجر وتوجد قناة لتصريف المياه على قمة السور لأجل صرف مياه الأمطار تلقائياً وحماية السور الذي يمكن للسائح رؤية أجمل المناظر الطبيعية التي تدعو للتأمل والصفاء الذهني من أعلى قمته.
وهناك أجزاء أخرى من السور لا يعرف الكثير من السياح عنها شيئا مثل قطاع »هوانغ هواتشنغ« الواقع على بُعد 60 كم من مدينة بكين في شمال غرب مركز محافظة هوايرو، وبالرغم من أن هذا القطاع أقل قطاعات السور شهرة إلا أنه قطاع من السور الأصلي الخالص ويذكر أن طوباته وأحجاره مثبتة بحساء الأرز مما جعله صلباً ومنيعاً.
وعلى الرغم من انهيار وتلف عدة أماكن من السور لكن ممره وشرفاته والأبراج عليه ما زالت كاملة وبقى بعضها في حالة سليمة كما كانت في الزمان القديم ونقش على أحد صخوره البارزة مقطعان من الكتابة الصينية »جين تانغ« بمعنى »حصن متين« لذلك يسمى قطاع »هوانغ هواتشنغ« سور »جين تانغ« أيضاً والذي كان يبلغ طوله أكثر من 10 آلاف متر تلتقي فيها الجبال بالمياه إذ كانت تقطعه من وسطه بحيرة يبلغ عمقها عشرات الأمتار.
إعداد: أشرف رفيق

