الحب يصنع المعجزات، وبه صارت ماليزيا اليوم، هي آسيا الحقيقية، وبه أيضا (هربت) من العالم الثالث الذي مازالت الكثير من دوله تدور في فلكه حول نفسها كما لو أنها مصابة بـ (دوخه) حقيقية بحجم القارة الصفراء ! وخلال 5 أيام حيث كنت أحد أعضاء وفد صحفي إماراتي هناك في ماليزيا لتغطية فعاليات الجولة الثانية لبطولة العالم للفورمولا واحد من 5 إلى 10 أبريل الجاري،

لم أسمع أبلغ من عبارة (نحن نرضع أطفالنا منذ الصغر حب ماليزيا)، حب ماليزيا الذي صار بساطا أخضرا يفترش كل اتحاد بلاد الملايو والصينيين والهنود . ماليزيا اليوم.. بلاد تستقبل سواحها بابتسامة مرة وتتعايش معهم بها ما داموا هم فيها وتودعهم بأخذ وعد وكلمة (رجل) بالعودة إلى ربوعها الخضراء الساحرة بدل المرة، مرات !

باختصار.. ماليزيا اليوم بلاد في كل سنتمتر من مساحتها التي تصل إلى اكثر من 329 ألف كيلو متر مربع، قصة يحكي كل فصل فيها تفاصيل انتقال وطن من دوامة التخلف والاستناد إلى الغير، إلى آفاق التطور والازدهار حيث الاعتماد على الذات في فترة لم تتجاوز نصف قرن حيث شهد العام 1957 وبالتحديد في 31 أغسطس، استقلال ماليزيا عن بريطانيا .

جورج سورس

ومنذ ذلك الحين ولان أبناءها أرادوا وصمموا على أن يكون لوطنهم حجم كبير في دنيا التكتلات خصوصا الاقتصادية، فقد صارت ماليزيا قوة اقتصادية فاعلة ليس في محيطها الآسيوي الأصفر رغم أهميته الفائقة، بل على مستوى كل العالم .

ويكفي هنا أن نستعيد حكاية ( جورج سورس) رجل الأعمال الشهير الذي (ضرب) اقتصاديات النمور السبعة ومنها ماليزيا في العام 1997 من القرن الماضي عندما اشترى عملات الدول السبع بأغلى الأثمان وباعها بأرخصها وفق مفهوم المضاربة بالعملات بهدف إلقاء القبض على تلك النمور وقطع الطريق أمام انطلاقتها في دنيا التقدم والتطور والازدهار والنمو المتنوع، عبر فتح بوابات الانهيار على مصاريعها .

ولان فيها تصميم وإرادة، فقد رفض رمز رقي ماليزيا ورئيس وزرائها السابق المحنك الدكتور مهاتير محمد، ضغوط البنك الدولي، تلك الضغوط التي قدمت على شكل مساعدة عاجلة لكن بمضمون مدسوس فيه السم القاتل وبشعار إعادة الهيكلة والإصلاح وتعويم العملة للنمور السبع . ولأنهم يقرأون الكتاب من عنوانه، فقد رفض الماليزيون العرض ولسان حالهم يقول (عفوا نحن نحلها) !

حلها الماليزيون وفعلا حلها الماليزيون بطريقتهم الخاصة، فأقاموا مصانع متعددة، بتروكيماويات هي الأشهر في عالم اليوم وسيارات (بروتون) بدأت بمحركات (تحمى) بسرعة ثم سرعان ما صارت الأوسع انتشارا على الأقل في القارة الأكبر في دنيانا وأسطول طائرات وانفاق وسكك قطارات تحت وفوق الأرض وشبكات جسور وطرق بمواصفات عالمية .

وهناك أيضا في ماليزيا، أبراج منها اثنتان هما الأطول في العالم وبنايات شاهقة جدا طوابقها تدور حول نفسها بأناقة ورشاقة كما لو أنها تريد أن تحكي تفاصيل قصة تطور ماليزيا إلى سكان الجهات الأربع للكرة الأرضية.

تنكو عبدالرحمن

وإذا ما وضعنا كل هذا في كفة وذهبنا إلى السياحة، فان الكفة تبدو مائلة لصالح هذا الجانب الحيوي جدا لنرى على الطبيعة، مساحات خضراء على مد البصر ـ بحيرات طبيعية واصطناعية ـ متنزهات زراعية ـ حدائق شاسعة ـ ميادين لمختلف السباقات الرياضية خصوصا الفورمولا واحد ـ أندية لليخوت وأخرى للجولف .

وفي السياحة أيضا هناك، منتجعات غاية في الروعة والإبداع منها مجمع جنتينغ الذي يلامس غيوم السماء بغرفه الـ 10 آلاف في فنادقه الخمسة التي استقبلت أكثر من 15 مليون ونصف المليون سائح في العام 2005 .

الجسور الخمسة

وبجسورها الخمسة المصممة وفق طراز معماري غاية في الروعة والإثارة، تظهر مدينة بوترا لتقع عيون (سواحها)، على مجسم جمالها المتمدد بارتخاء على مساحة شاسعة تبلغ 4932 هكتارا كلها تغفو على سكون بحيرة جايا النقية وهدوء مجمع مجلس وزراء ماليزيا،

المجمع الذي أمن نفسه بنفسه حيث لا وجود لجندي أو شرطي واحد (قد) يقلق أو يثير الرعب في نفوس الناظرين إلى المجمع بإعجاب باعتباره تحفة معمارية قل نظيرها أقيمت تقديرا لجهود تنكو عبدالرحمن بوترا الحاج أول رئيس وزراء لماليزيا الحديثة .

جنوب شرق

وعندما يكون تأثير وطن ما بحجم قارة هي الأكبر في العالم، فاعلموا أن خلف ذلك الوطن، أبناء يضعون وطنهم في حدقات العيون لا مجرد اسم يتراقص كـ (الأحمر) على الشفاه سرعان ما يزول تحت تأثير اقل درجة حرارة !! وحقا .. هذا ما لمسته في ماليزيا اليوم، ماليزيون كل همهم أن (يشوفوا) وطنهم في القمة فصار هو سيدها على الأقل في محيطه بجنوب شرق آسيا، ماليزيون أعطوا ماليزيا أشياء فأعطتهم ماليزيا كل شيء !!

(تلفريك) على ارتفاع 2700 م

واحدة من روائع ماليزيا اليوم وتحديدا في منتجعها الأروع جنتينغ، هي عربات القطار المعلق التي تعرف بـ ( تلفريك)، تلك العربات التي تنقل السواح في (الهوا) على ارتفاع 2700 م فوق مستوى سطح البحر في مشهد فائق الروعة والإثارة يتيح للسائح مشاهدة كل المنتجع المحاط بغابة كثيفة من الأشجار التي تحتاج إلى دليل سياحي أو قاموس للتعرف إلى أسمائها أو نوعية الثمار التي تطرحها !

و(تلفريك) جنتينغ يتألف من 127 عربة (كابينة) تحمل كل واحدة منها 8 أشخاص لتوصلهم إلى الفنادق الخمسة في المنتجع والتي تشتمل بمجموعها على 10 آلاف غرفة فيها أكثر من 3 آلاف موظف يعملون 24 ساعة .

قمة «بتروناس»

حتى اللحظة، يعتبر برجا (بتروناس) في ماليزيا ،الأعلى في العالم بارتفاعهما البالغ أكثر من 500 متر . ولكن وفي ظل السباق المحموم في مجال الإنشاءات العمرانية في العالم، فان قمة (بتروناس) باتت في خطر خصوصا وان هناك أبراج في دبي وأميركا وسيدني وسيؤول، في طريقها لتكون هي الأطول وبالتالي خطف القمة من (توين تاورز) ماليزيا . ولكن عندما تواجه الماليزيين بهذه الحقيقة العمرانية الساطعة، يردون ببرود، نحن لدينا (برجان) وليس برج واحد !

الزحمة والحرارة

يقال .. عندما ترى مشكلة غيرك تهون عليك مشكلتك، فمثلما نعاني هنا من مشكلة الزحمة المرورية وارتفاع حرارة ورطوبة الجو، فان ماليزيا الخضراء، تعاني أيضا من مشاكل الاختناقات المرورية وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة وربما مشاكلها أكبر من مشكلتنا في هذا المجال خصوصا عندما (يشتد) موسم السياحة وتنضج ثماره على وقع الزحمة الخانقة التي تسببت بـ (عطل) عشرات السيارات خلال الذهاب إلى حلبة (سيبانج) لمشاهدة سباق الجائزة الكبرى للفورمولا واحد !

المصب الطيني

كوالالمبور عاصمة ماليزيا اليوم، مدينة جميلة ولكن اسمها يحمل معنى اقل جمالا حيث يعني المصب الطيني الناتج عن التقاء نهري كلانج وجومباك . وهناك حكاية طريفة مفادها أن 78 ماليزيا كانوا ينقبون عن القصدير في العام 1800 وبعد اكتشافهم إياه، مات منهم 70 شخصا لتكون تلك الحكاية دافعا لإطلاق اسم كوالالمبور على المدينة التي قضوا نحبهم فيها تخليدا لتضحيتهم .

ماليزيا في سطور

* الاسم الرسمي: ماليزيا الاتحادية وتشتمل على شبه الجزيرة الماليزية وولايتي صباح وسراواك في بورنيو

* العاصمة: كوالالمبور

* المساحة: 7, 329 كيلو مترا مربعا منها 3 % كنسبة مياه

* عدد السكان: أكثر من 25 مليون نسمة

* اللغة الرسمية: الملايوية بجانب لغات ولهجات محلية أخرى للقوميات الموجودة في ماليزيا

الديانة الرسمية: الإسلام مع ضمان حرية الأديان الأخرى

نظام الحكم: ملكي دستوري

الاستقلال عن بريطانيا: 31 أغسطس 1957

* العملة: رينجت (الدولار الأميركي يعادل 41 ,3 رينجت)

* المناخ: استوائي مع جو دافئ طوال السنة حيث تتراوح درجات الحرارة بين 21 و32 مئوية

* الموقع الجغرافي: تقع ماليزيا بين خطي 2 و7 شمال خط الاستواء، وشبه الجزيرة الماليزية منفصلة عن ولايتي صباح وسراواك عبر بحر الصين الجنوبي فيما تقع تايلاند إلى الشمال من شبه الجزيرة وسنغافورة إلى الجنوب فيما تمتلك ولايتي صباح وسراواك حدودا مشتركة مع اندونيسيا وبروناي.

افعل هذا ولا (تسوي) ذاك !

* لا ترتدي القمصان التي لا تتضمن الياقة أو فانلات (تي شترت) عند زيارتك مجمع رئاسة مجلس الوزراء في بوترا جايا، كما لا يسمح بالسراويل والتنانير النسائية القصيرة والصنادل و(الشباشب) والملابس الشفافة والمزخرفة .

* ارتد الملابس المناسبة عند زيارتك لمسجد المدينة .

* لا يسمح بدخول السيدات الحائضات إلى جامع المدينة وقت حيضهن .

* لا يسمح بممارسة السلوكيات التي تتناقض مع قدسية وحرمة الجامع باعتباره بيتا من بيوت الله تعالى.

* على غير الماليزيين، إظهار جواز السفر عند الدخول إلى مجمع رئاسة الوزراء.

* يمنع إدخال الحقائب وكاميرات التصوير العادية والفيديو إلى مكتب ومقر رئيس الوزراء .

كوالالمبور ـ «علي شدهان»