كانت ورشة العمل قائمة على قدم وساق طوال الأسابيع الثلاثة الماضية، لكي تطل «زنوبيا» على الجمهور في أرقى ما يمكن أن تشاهده العيون من متعة بصرية ومشهدية، وفائدة معرفية وثقافية، وترفيه راق للأرواح والقلوب من موسيقاها وأغنياتها التي بذلت جهود جماعية مضنية في تأليفها.

واكتملت الاستعدادات، لتبدأ عروض «زنوبيا» الساعة التاسعة مساء اليوم على مسرح مدينة دبي للاستوديوهات برعاية سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس المجلس التنفيذي في دبي، وحضور عدد من المسؤولين، وجمع من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى دولة الإمارات، وجمع من الشخصيات الثقافية والإعلامية، وحشد من الجمهور سوف يضيق به المسرح الذي يتسع لحوالي ثلاثة آلاف شخص. لكن اللافت هو غياب مبدع العمل الفنان منصور الرحباني عن حفل الافتتاح، حيث ذكرت مصادر في فريق العمل أنه سيبقى في بيروت لظروف خاصة، مع حرصه على متابعة سائر التفاصيل مع مخرج العمل مروان الرحباني وعدد من أركان الفريق. وعلى مدى الأيام الماضية، كان فريق العمل يحضر ابتداء من الساعة السادسة مساء ويستمر لغاية ساعات الفجر الأولى في تمارينه بقيادة المخرج مروان الرحباني، وحضور شقيقيه أسامة وغدي والممثلين كافة،الذين وصل عددهم إلى 130 فناناً وفي مقدمتهم كارول سماحة (زنوبيا ملكة تدمر) وغسان صليبا(زبداي قائد جيش زنوبيا) وأنطوان كرباج (أورليانوس أمبراطور الرومان)، ولم تحل المسافة بين المدينة وقلب الصحراء دون وصول الفريق كاملاً ومن دون غياب..

كلهم كانوا هناك، طلاب وطالبات مدرسة «المواكب» الذين وفقوا بين دراستهم وإصرارهم على الالتزام بالعمل.. خيالة شرطة دبي أيضاً كانوا هناك يتابعون تعليمات المخرج، بينما كانت الخيول والجمال ترتاح في حظائرها قريباً من المسرح الضخم الذي يمتد على مساحة 70 ألف متر مربع، إلى أعماق أخرى، حيث شجر النخيل المزروع حديثاً والقرية التي بنيت، وسيتم إحراقها كل ليلة بالمنجنيق، حسب مجريات أحداث العرض المسرحي.

مساحات واسعة كافية لاستيعاب مئات السيارات، في مواقف حددتها شركة «دان إيفنتس» المنظمة للعرض، لكن ذلك لم يكن وحده كافياً، فقد نشر العاملون في الشركة لوحات إعلانية على جميع الطرقات المؤدية إلى المكان لإرشاد الناس، وتيسير وصولهم لمتابعة العرض في وقته المحدد، الذي أصر مروان الرحباني على بدئه عند الساعة التاسعة تماماً، مشيراً إلى أن هذا الموعد نهائي وغير قابل لأي تعديل.

و«زنوبيا» هي العمل الثاني للفنان منصور الرحباني الذي ترعاه وتنتجه حكومة دبي، الأول كان «المتنبي» الذي أقيم إيذاناً بافتتاح مدينة دبي للإعلام في العام 2001، ورعاه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

في «زنوبيا» و«المتنبي»، المناسبتان تاريخيتان.. مع «المتنبي» كان الكلام يدور حول صراع داخلي بين سيف الدولة الحمداني وكافور الإخشيدي.. إنه صراع ضمن العالم الواحد. أما «زنوبيا» فهي أقرب إلى قصيدة يأس تؤمن بإنتاج آليات مقاومة مستمرة، نحن هنا أمام حديث عن النظام العالمي.. «روما» لا تزال قادرة على إنتاج حضورها في العالم، ومقاتلة حركات التحرر التي ينتهي بها الأمر إما بالانسحاب أو الهزيمة، ولكنها سرعان ما تعود إلى المقاومة.

«زنوبيا» بهذا المعنى، أول صرخة حق في هذا الشرق.. قاتلت روما، ربحت في أمكنة، وخسرت في أمكنة. والأساس في مسرحية «زنوبيا» هو البناء المشهدي الضخم «غراند فيوز» المعتمد على السينوغرافيا العملاقة، والشغل على مجاميع ضخمة بوجود مجموعة من الفنانين الكبار من أمثال أنطوان كرباج وكارول سماحة وغسان صليبا الذين يهيئون العامل الموضوعي لمجموعات على خشبة المسرح.

ثمة شيء مدهش، يتمثل في انتقال منصور الرحباني من مرحلة الأخوين رحباني إلى مرحلة ما بعد جيل أولاده على صعيدي الكتابة الدرامية والتأليف الموسيقي، اللذين يشكلان عالم الرحابنة الجديد القائم على تطوير الأوبرا «الأنجلوساكسونية».

وهي أوبرا ذات خصائص محددة ساهمت في بناء أوبريت رحبانية، لا تشبه بعض المحاولات العربية لعمارة أوبريت، حتى انها لا تشبه أبداً تجربة سيد درويش على الأوبرا العربية، ولا تتصل بها تجربة أحد رواد المسرح العربي ابن مدينة حلب السورية أبو خليل القباني، ولا اللبناني مارون النقاش، ولا تجربة اليهودي العربي يعقوب صنوع (أبو نضارة) الذي طرد من القاهرة بسبب آرائه السياسية التحررية المتقدمة ضد الاستعمار الأجنبي في القرن الماضي. في عالم الرحابنة الجديد، هناك شراكة لافتة بين مروان الرحباني وأسامة الرحباني وغدي الرحباني وإلياس الرحباني، وفريق عمل من المستشارين من أمثال الكاتب والناقد اللبناني عبيدو باشا (الذي يشغل منصب المسؤول الإعلامي) وسامي عطية (المواكب لمسيرة الأخوين الرحباني وزياد الرحباني والذي يوصف ب«ذاكرة الرحابنة» ) وفؤاد خوري (المستشار الفني).

في «زنوبيا» نحن أمام عمل مسرحي غنائي ملحمي ضخم، سوف تظهر مكوناته وعناصره كاملة أمام المشاهدين الليلة.. حيث وظفت الإمكانيات الضخمة لتلبي النص الدرامي المبدع الذي كتبه منصور الرحباني، والصيغة الإخراجية الملحمية التي أبدعها مروان الرحباني.. وإذا كانت الأعمال الكبرى- كما هو حال «زنوبيا» - تحتاج إلى ميزانيات ضخمة لتنفيذها، إلا أن الميزانيات الكبرى لا تنتج بالضرورة أعمالاً بالمستوى الرفيع المؤمل منها.

دبي ـ إسماعيل حيدر