بعد نصف قرن على الانتشار الواسع للسينما الهندية، خارج مسقط رأسها (استوديوهات بوليوود)، بدأت انتاجاتها الجديدة تقام بغزارة خارج جغرافيا شبه القارة الهندية، لاسباب تجارية، تضفي على صورة هذه السينما، خلفية جديدة، مشهدية، تبتعد قليلا عن خلفية الفقر المدقع. والفج والقاسي، الذي شكل خلفية لنسبة عالية من الانتاجات البوليوودية عموما.
ولعل هذه الصورة المذكورة ساهمت إلى حد بعيد، بعدم اهتمام النقاد في العالم بمستوى كاف بالسينما الهندية، مع انها في الكم تجاوزت انتاجاتها انتاجات استوديوهات هوليوود. في العالم العربي تحتل السينما الهندية مكانة كبيرة عند الجمهور، لكنها مهملة من جانب النقاد بشكل مؤسف ومخجل.«بروفوكيد» من الشرائط الهندية المصورة في بريطانيا، عن قصة حقيقية لاسرة من إقليم البنجاب الهندي. تنتقل للعيش في لندن حيث عمل رب الاسرة، الكحولي الذي يحول حياة زوجته إلى جحيم حقيقي. ولا يتورع عن تعنيف الزوجة، التي تقتله عمدا باحراق عش الزوجية فيه. حيث تزج بالسجن عقابا لها على جريمتها. لكنها تخوض بمساعدة سجانتها الانجليزية ومؤسسات المجتمع المدني وأجهزة الاعلام، لتعديل قوانين المملكة البريطانية، وتنجح بالنهاية بهذا وتنال حريتها، كموقف عقلاني يعدل من القوانين بمواجهة التعنيف المنزلي.
قصة الشريط جيدة. وهي ذات سمات شرقية كاملة. خاصة أن المضمون يتحدث عن العنف الذي أصبح في صورة الاعلام وصوته، إنتاجا يحتكره الشرق بمجمله. مع أن الحقيقة ليست كذلك بلا ريب. ليست لانها مسألة نسبية كما كل المسائل المشابهة أو غيرها فقط. بل أكثر من ذلك. فكثيرة هي الاحصاءات التي تؤكد أن التعنيف المنزلي يمارس على كل سطح البسيطة في الغرب كما في الشرق، وأحيانا الغرب يتفوق على الشرق بهذا الاثم.
اخرج «بروفوكيد» جاغ مندرا الإنجليزي من أصل هندي. لديه سجل سينمائي واسع. لكنه لم يبرز كعلامة فارقة بين مجايليه. قدم حوالي 30 فيلما خلال مسيرته الفنية، أكثرها أفلام تلفزيونية وفيديو. ومنها سبعة في السينما فقط ، من ضمنها «بروفوكيد»، والفيلم الذي تلاه «خلف المياه» الذي يعرض قريبا في الصالات المحلية.
أهم أعماله شريط «لحظات خاصة» قبل عامين، من بطولة الانجليزيين لوك غوس وجوديث شيكوني. مشكلة مندرا في هذا الشريط انه بدا بوعيه أو لاوعيه منجرا خلف عقدة أكثر المهاجرين من بلادهم، في إدانة ثقافة بلاد هجروها عنوة أو رغبة. عقدة تبدو لازمة لاحلال ثقافة بدل أخرى.كأن تغيير الجلد يفرض بالضرورة تحويل الجسد إلى جثة.
والروح إلى خواء وغبار. يبني على قصة حقيقية تتشابه مع غيرها وأحيانا تتطابق حد الالتصاق، ما يكنه هو شخصيا لثقافة بلاده الاصلية. فيفترض أن الرجل الكحولي الموتور والبائس يمثل التخلف الذي فر منه. ولا يرى من حوله ما يحدث من توترات عنصرية منتصبة كجبل في « وطنه» الجديد.
هذا مثال بسيط، يمكن استنباط الكثير غيره. الاستعراض بحرق الرجل الذي يقدمه مندرا جعل منه أكثر رغبة بالعنف من الشخصية المدانة نفسها. جرته الكاميرا باعتقادي ليكشف عما يعتريه من حقد على ماضيه أو أصله. معالجته الفنية لكل نواحي الشريط جاءت منساقة خلف هذه الروح الانتقامية.
سطح القضية، ضيق اوجهها. لم يخترق السرد المعروف بسرد متخيل مواز. فقط قدم القصة المعروفة كما هي، والشخصيات بدت هوائية، فارغة، مدانة سلفا خاصة شخصية الزوج. هذه سينما مؤدلجة. سينما موجهة بقسوة. لا فن فيها ولا أي مستوى بصري يمكن التحدث عنه.
دبي ـ حسين قطايا

