بعد سقوط النازية الألمانية نتيجة لخسارة «هتلر» الحرب العالمية الثانية، ترددت على السنة من مورست على أهاليهم المحارق والمجازر عبارة ذات دلالة انتقامية، هي: «لألماني الجيد هو الميت بالضرورة»، مقولة قاسية وفيها أيضا قدرة للضحية على التحلي بأخلاق الجلاد، مما يساوي بينهما،وهذه العبارة ألهمت الكاتب جوزف كانون لان يعنون كتابه الروائي بالشطر الاول من العبارة «الألماني الجيد» ،تاركا تحديد الشطر الثاني للقارئ، ومنهم المخرج ستيفن سوديربيرغ والممثل جورج كلوني لانتاج شريط جديد بعنوان الرواية ذاته.
الصورة بالأسود والأبيض. مدينة برلين عاصمة الرايخ الثالث الألماني مهشمة ومدمرة. شوارع وأحياء: فريدريش شتراسي، شيلينغ، ميرنغ دام، تامبل هوف، الكسندر بلاتز، هيرمان بلاتز، كانت ولا تزال شاهدة على الحرب الثانية الكبرى. مدينة تقسم إلى قسمين، بين منتصرين كبيرين. الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي. انقسام تجاوز المدينة، ليقسم القارة الاوروبية كلها وبالتالي العالم كله إلى معسكرين، اشتراكي وليبرالي. وبينهما تقوم «الحرب الباردة». نهاية حرب وقيام اخرى على أنقاض النهاية، التي صنعت من العالم الواحد عالمين، او بالاحرى كوكبين في كوكب واحد. المدهش ان كل هذه السينوغرافيا صنعت في استوديوهات خارجية في هوليوود. كادت ان تلامس الأصل، في المشهد والرؤية. رائحة الخراب عائمة على سطح الصورة وعمقها. خراب طال الارواح. المدينة مرتع لسوق سوداء، يباع فيها كل شيء. مادي او معنوي. أشياء الماضي وما تبقى منها، وكذلك أشياء المستقبل. جرائم قتل غامضة. أحيانا تحصل كتصفية حسابات.
تولد فضولية الصحافي جاكي غاسمير لاكتشاف ما يحدث. لا يهمل مهمات اخرى جاء من اجلها، عشية انعقاد مؤتمر «بوتسدام» بين الحلفاء في العام 1945لتوزيع ما تبقى له من بلد مفجوع بخسارته كل شيء دفعة واحدة. حضور الممثلة كايت بلانشيت لم يكن تزيينيا في دور لينا برانديت الغارقة في دوامات التامر. على الارجح هو تآمر على الذات. في ظل هذه العجينة، «الغلة»، تصير علاقتها الغرامية المتجددة ب جاكي غاسمير مرغوبة إلى حد السعي لنقيضها. فحين يقع الخراب، يصبح سلسلة تجر كل شيء خلفها.
انها لحظة انعقاد البنية المهشمة على تهشيم متواصل. يريد له المنتصران ان يكون هامشيا. ارادة سوداء، قبيحة بلا ريب. هذا منطق الجشع للدول والأشخاص على حد سواء. المهم ان المخرج سوديربرغ، صور بعمق كل هذا الفضاء. وسبح داخل حكاية المدينة ونبش قبورها وذاكرتها. وعجز الخاسر المنضوي حكما بارادة الرابح. وهما لا يبدوان فريقان. وليسوا فريقا واحدا. مناخ يشبه مناخ قصيدة اليباب للشاعر الانجليزي تس اليوت. واجواء فيلم «كازا بلانكا» الدار البيضاء للمخرج جاك وارنر المنتج في العام 1945.
بعض النقاد في اميركا قالوا عن سوديربيرغ في «الألماني الجيد» انه ينحل عمل وارنر. لا اعتقد ذلك. فالتشابه عرضي، في الفنيات وغيرها. وخاصة الحساسيات التي يعمل عليها سوديريبغ، الذي برز في أعماله الأولى كواحد أصيل من رائدي السينما المستقلة الأميركية. شاهدنا له «كافكا» في العام 1991.
و«ترافيك» في العام 2000، الحائز عنه اوسكار أفضل فيلم. وقيله لا يمكن ان يتم تجاوز أعماله الشهيرة «الجنس والكذب وأشرطة الفيديو». و«ايؤين بروكوفيتش». و«آوت اوف ذا سايت» . ستيفن سوديربيرغ في «الألماني الجيد» يكمل مسيرة بدأها مبدعا متألقا ولا يزال. الفيلم تعرضه الصالات المحلية من الأسبوع السينمائي المقبل.
دبي ـ حسين قطايا

