في خطابه في جامعة هارفارد، عام 1943، قال ونستون تشرشل: (إن امبراطوريات الغد هي امبراطوريات العقل)، وكان حري به أن يضيف أن حروب المستقبل ستكون حروب الكفاءات. وما انفكت الحروب القديمة في سبيل المصادر الطبيعية قائمة، متبوعة بحرب أخرى في سبيل «الأدمغة» ليس بين الشركات التي تتنافس على المصادر البشرية فحسب، وإنما بين الأمم، التي تتحارب من أجل توازن العقل، بالإضافة إلى توازن القوى.
حرب ضروس زاد احتدامها في صناعات التقنية العالية دخول قوة عظمى هي «جوجل» التي هيمنت على الساحة، بإنشائها ماكينة توظيف مرعبة وجدت نفسها منساقة وراء اقتناص الكفاءات المناسبة التي تحتاج إليها.
كما خبرت أوعية توظيف جديدة ذكية كلوحات إعلانات صوّرت مشاكل رياضية معقدة، فما كان من شركات التقانية العملاقة الأخرى إلا الرد بشحن ماكينات كوادرها المؤهلة فقد وظفت ياهوو كوكبة من النجوم الأكاديميين وراحت تخطب وُد من يرحلون.
وفي الجانب المقابل، أخذت قطاعات تجارية وصناعية أخرى من الشركات الاستشارية إلى الصناديق التحوطية، تتكالب على العقول البشرية، فقد أجرت «كوربوريت اكزيكوتيف بورد» (سي.إي.بي) مزود الأبحاث والتعليم التنفيذي التجارية، ومقرها واشنطن، استطلاعاً على النطاق العالمي لكبار مديري المصادر البشرية، قال ثلاثة أرباعهم إن «استقطاب الكوادر المؤهلة والاحتفاظ بها هو في سلم أولوياتها».
وأعرب 62 في المئة منهم عن تخوفهم من نقص حاد في المواهب البشرية، كما استطلعت «سي.اي.بي» آراء أربعة آلاف من مديري الاستخدام في أكثر من 30 شركة، وأبلغت أن متوسط الكفاءة لدى المرشحين انخفض بمقدار 10 في المئة منذ 2004، وان معدل الزمن المتوسط لملء الشواغر زاد من 37 يوماً إلى 51 يوماً.
وقال ثلث المديرين، إنهم استخدموا مرشحين دون المعدل «لمجرد شغل المنصب بسرعة». كما وجدت «سي.اي.بي» أيضاً أن واحداً من ثلاثة موظفين تلقى عرضاً من شركة أخرى على أمل الفوز بخبراته.
إن ذلك كله يستحضر ذكريات طفرة التكنولوجيا في تسعينات القرن الماضي، عندما انكب استشاريو الإدارة على وضع كتيب مثل «حرب المواهب» داعين الشركات إلى قلب الدنيا رأساً على عقب بحثاً عن الموظفين المؤهلين، وترقيتهم. وما إن تفجرت الفقاعة حتى جد سادة الأمس تضرعاً في البحث عن عمل.
والواقع أن الشركات غاب عنها تحديد معنى «الموهبة» ناهيك عن إدارتها. فالبعض يستخدمها مثل «الدوس هكسلي» في «عالم جديد شجاع» للدلالة على الأشخاص الجالسين على قمة الهرم، فيما يستخدمه آخرون كرديف للقوة العاملة جمعاء، وهو تعريف فضفاض بحيث يكاد يفقد معناه.
من الواضح أن ثمة ميزة في الإدارة الحكيمة أكثر من مجرد استخدام أفضل المواهب وأذكاها، فهي تتطلب من بين أمور أخرى خبرات مجزية إلى جانب الموهبة، فالشركات المكدسة بأصحاب المواهب همها الأكبر المحافظة على معايير أخلاقية عالية، وفيما يكون الانخفاض في تلك المعايير في القطاعات التصنيعية بطيئاً فإنه في الشركات الأكثر كثافة في المواهب، يكون فجائياً إلى حد الفظاعة.
الأمر سيان، فالتغييرات الهيكلية تضفي أهمية كبيرة على أصحاب المواهب وأشدها عمقاً وزيادة الأصول المحسوسة المكدسة بالمواهب. ويحاجج براوتش ليف أستاذ المحاسبة في جامعة نيويورك، بأن الأصول المحسوسة التي تمتد بين القوة العاملة الماهرة، إلى العلامات التجارية، إلى الخبرة، تمثل نصف الرسملة السوقية للشركات الأميركية العامة.
ومن جهتها، قدرت «اكسنتشر» العاملة في مجال الاستشارات الإدارية، أن الأصول المحسوسة قفزت من 20 في المئة من قيم الشركات في مؤشر ستاندارد آند بورز 500 عام 80 إلى 70 في المئة حالياً.
أما مكنزي، فقد أثارت نقطة مشابهة في إطار مختلف. فقد قسمت الاستشارية الوظائف الأميركية إلى ثلاث فئات: التحويلية وهي استخراج المواد الخام أو تحويلها إلى مواد مصنعة.التعاملية، وهي تفاعلات يمكن كتابتها وأتمتتها. والضمنية وهي تفاعلات معقدة تتطلب مستوى رفيعاً من الحنكة.
وتزعم الشركة أن عدد الوظائف الأميركية خلال السنوات الست الماضية التي تركز على «التفاعلات الضمنية» قفزت أسرع بمقدار مرتين ونصف المرة من التوظيف على وجه العموم، وتلك الوظائف تشكل الآن 40 في المئة من سوق العمل الأميركية وتمثل 70 في المئة من الوظائف المستحدثة منذ 1998، وهو خليق بأن يحدث للدول النامية بمجرد أن يصيبها شيئا من الثراء.
أما التغير الثاني فهو شيخوخة السكان، وهو أكثر ضراوة في أوروبا واليابان، ففي ألمانيا يُتوقع أن ينخفض عدد السكان بين سن 15 ـ 64 عام 2025 إلى 7 في المئة و9 في المئة في إيطاليا و14 في المئة في اليابان. لكنه سيلقي بظلاله على الصين أيضاً، الرازحة تحت سياسة الابن الواحد، وحتى في أميركا حيث سيكون الأثر أقل بروزاً، فإن تقاعد جيل الستينات الذي لاحت تباشيره معناه أن الشركات ستفقد عدداً كبيراً من خيرة العمال المهرة، خلال فترة وجيزة، ومن جهتها أكدت آراتش آر انترناشيونال الشركة الاستشارية بأن أكبر 500 شركة أميركية ستفقد نصف كبار موظفيها خلال السنوات الخمس المقبلة، عندما يكون الجيل المقبل من القادة المحتملين قد تحجم نتيجة إعادة الهيكلة وتقليص العقود القليلة الماضية.
وفي رأس الخدمة المدنية يكون معدل الاستنزاف أعلى، وهذا معناه أن على الجميع خوض حرب شرسة جرياً وراء الكفاءات الشابة، بالإضافة إلى إتقان لعبة اقتناص وإدارة مصادر جديدة من الكفاءات. وفي الوقت ذاته فإن ولاء العاملين آخذ في التلاشي.
وبفضل عملية التحجيم، فإن العقد الاجتماعي، الأمن الوظيفي مقابل الالتزام بدأ في الانهيار بداية في أميركا، وتالياً في بلدان أخرى.وفي دراسة عام 2003 لجمعية إدارة المصادر البشرية أشارت إلى أن 83 في المئة من العاملين كانوا إما «عازمين» أو «لا يتوانون» عن البحث عن وظيفة جديدة عند انتعاش الاقتصاد.
ومع انكماش القوة العاملة فإنها أصبحت أقل معيارية، فالعاملون يأتون اليوم بأشكال وأحجام مختلفة، فهناك نحو 16 في المئة من العمال الأميركيين يستبدلون وظائفهم أحياناً، وربع موظفي بي آند أو البريطانية هم فوق سن الخمسين، وأكبرهم في الحادية والتسعين، والمديرون مطالبون، ليس بالتعامل مع أطياف الناس كفة، وإنما في إدارة العمال في بلدان مختلفة، وغالباً في وظائف مختلفة.وهذا معناه اشتداد حمى المنافسة على الأشخاص ذوي الكفاءات الإدارية المتطورة.
ولم يعد الهوس بالكفاءات محصوراً بين الشركات العملاقة مثل غولد مان ساكس وجنرال الكتريك، إذ يمكن العثور عليه في كل مكان من عالم التجارة، من شركات البطاقات الائتمانية إلى سلاسل الفنادق إلى تجار التجزئة.
رفع الإنتاجية عن طريق تعزيز الكفاءات أحدث الاستراتيجيات
أقرت شركات عدة بأنها دفعت بقوة، باتجاه الهيكلة والأتمتة، بأقصى جهد ممكن وهي الآن مضطرة لرفع الإنتاجية عن طريق إدارة الكفاءات على أكمل وجه.
وبنضوب الفرص في الأوطان، فإن صيد الكفاءات اتسعت رقعته لتشمل العالم كافة.فخلال العقد الماضي نقلت الشركات متعددة الجنسية عمليات تقنية المعلومات، والمكاتب الخلفية إلى دول العالم النامية، خاصة الصين والهند وفي الآونة الأخيرة راحت تنقل الوظائف المهمة إلى الخارج مركزة على الأيدي العاملة ذات الكفاءة العالية، والخبرة المحلية.
بيد أنها أخذت تعاني من نقص الكفاءات حتى في العالم النامي نفسه.ولم تكن الحكومات بعيدة عن الغوص في ذلك المستنقع فقد أحرزت الحكومات تقدماً في تخفيف قوانين الهجرة لاستقطاب أصحاب الكفاءات العالية. كما أن كثيراً منها يستخدم جامعاتها طعوماً لإسقاط العقول النابغة في شباكها.كما تسعى الهند والصين لاستعادة نوابغها المهاجرة.
وتوفر المنافسة على الكفاءات فوائد جمة بدءاً من تعزيز الإنتاجية إلى زيادة الفرص ومن توفير الرضا الوظيفي إلى إثراء التقدم العلمي.وكلما اشتدت منافسة البلدان والشركات على الكفاءات ازدادت فرص انتشال النوابغ من العدم.
غير أن القضية غاصت في بحر الظلمات ولنأخذ مثلاً العاصفة الهوجاء التي هبت في وجه كتاب شارلز موري وريتشارد هيرنشتاين «منحنى الجرس» الذي أشار إلى وجود فوارق في مستوى الذكاء بين المجموعات العرقية المختلفة، أو الطرد الجائر للورانس سمرز، من منصبه كرئيس لجامعة هارفارد، بسبب تصريحاته العلنية، حول غياب العنصر النسائي في الصفوف الأمامية للساحة العلمية.
وما أروع لو أن النبوغ وزع بين الأعراق والأجناس بالتساوي، لكن ماذا لو أن سوقاً حرّة لم يلج فيها ذلك. مثيرة أنواعاً شتى من المشاكل السياسية؟ وماذا يحدث للعمال الغربيين الأكفاء، عند اضطرارهم لمنافسة ملايين العمال الهنود المهرة، الراغبين في أداء المهمة ذاتها، لقاء أجر زهيد؟
وتفيد الدراسة أن حرب الكفاءات يجب أن ينظر إليها بعين الجدية، وأن تحل المشاكل المعقدة، أو ابتكار حلول جديدة.وستركز بالتالي على ما أسماه قطب الإدارة العظيم الراحل (بيتر دروكر) «عمال المعرفة».ولا معنى للتزمت فطبيعة النبوغ تختلف من شركة إلى شركة، وهي إحدى خصال المجتمع المتقدم الذي يجازي لفيفاً واسعاً من الكفاءات المختلفة.
