أكد تقرير لبيت الاستثمار العالمي (جلوبل) - الكويت حول قطاعي المصارف والتأمين في لبنان أنه غالبا ما يطلق على لبنان لقب «سويسرا الشرق الأوسط»، وذلك بفضل السمعة الجيدة التي تتمتع بها شبكة المصارف اللبنانية، والتي تأسست في الفترة ما بين نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية الحرب الأهلية في منتصف السبعينات. وقد استطاع القطاع المصرفي في بيروت بفضل قوته اجتذاب رؤوس الأموال من دول الخليج، ليثبت فيما بعد جدارته بإدارة الأموال أيا كان مصدرها.
ووفقا لقانون سرية المصارف الذي صدر في 3 سبتمبر 1956، فإن جميع المصارف اللبنانية بالإضافة إلى فروع المصارف الأجنبية تخضع لهذا القانون. وبمقتضى القانون، لا يجوز لمديري وموظفي البنوك بحكم عملهم في هذه المصارف، إفشاء أسماء عملائهم، أصولهم وممتلكاتهم لأي جهة سواء كانت فرداً أو سلطة عامة، سلطة إدارية، سلطة عسكرية أو حتى سلطة قضائية. ويتم الإفصاح عن مثل هذه المعلومات في حال الحصول على تفويض كتابي من العميل أَو ورثته، في حال أعلن إفلاسه، أَو في حال رفع دعوى تتعلق بمعاملة مصرفية بين البنك والعميل. وتتولى لجنة الرقابة على المصارف وهي هيئة مستقلة إداريا تابعة لمصرف لبنان تأَسست في العام 1967 الإشراف على الأنشطة المصرفية وضمان التزامها بالأحكام والقوانين المختلفة. وللجنة الرقابة على المصارف سجل مثبت في منع تعثر المصارف كما حدث مع بنك إنترا وبنك الاعتماد اللبناني. وبفضل فعالية هذه اللجنة في مراقبتها وضبط القطاع المصرفي، فإن حدوث أزمة بسبب تعثر أحد المصارف، يعد احتمالا ضعيفا. وتخضع الأنشطة المصرفية عموما لقانوني التجارة (لسنة 1942) والنقد والتسليف (لسنة 1963).
**العملات الأجنبية
ونتيجة لارتفاع معدل التضخم في أوائل التسعينات، ارتفع معدل تحويل ودائع القطاع الخاص اللبناني إلى عملة الدولار ارتفاعا قويا. بينما انخفضت نسبة الودائع بالعملات الأجنبية من 5 ,73 % في ديسمبر 1990 إلى 2, 52 % في يونيو 1997 وذلك قبل أن ترتفع إلى 1,60 % في نهاية العام 1997 و7, 60 % في نهاية العام 1998، وذلك نظرا للاضطرابات التي أثرت على الأسواق الناشئة بشكل عام عقب الأزمة الآسيوية. وفي العام 1999، تراجعت نسبة الودائع بالعملة الأجنبية تدريجيا لتصل إلى 6,56 % مع نهاية العام، واستمرت في التراجع حتى بلغت 9, 55 % مع نهاية مارس من العام 2000.
ومنذ مارس 2000 وحتى 31 ديسمبر 2001، ازدادت نسبة الودائع بالعملات الأجنبية إلى 1 ,69 % من جراء الضغوط الإقليمية والارتفاع غير المتوقع للعجز في الموازنة. وقد استمرت هذه النسبة في الارتفاع حتى شهر مايو من العام 2002، لتصل إلى 5 ,71 % ، ثم بدأت في الانخفاض مجددا لتصل إلى 6 ,65 % بنهاية العام 2002.
وقد ارتفع معدل تحويل العملة إلى الدولار ليبلغ ذروته في مارس من العام 2005 (عقب اغتيال رفيق الحريري) حيث اقترب من 6 ,76 %. ثم تراجع تدريجيا إلى نسبة 2, 69 % مع بداية ديسمبر من العام نفسه 2005. وقد أدت الحرب الأخيرة على لبنان إلى ارتفاع معدل تحويل العملة إلى الدولار من جديد ليصل إلى 1 ,71 % (بنهاية شهر يوليو 2006) مقابل 4, 68 % في يونيو 2006. واستقر معدل تحويل العملة إلى الدولار للقروض الممنوحة للقطاع الخاص عند مستوى 8, 81 % في يوليو 2006 (مقابل 4, 82 % في نهاية العام 2005).
**النشاط المصرفي
وفي ظل بيئة النمو الاقتصادي المنخفض، نما النشاط المصرفي نموا كبيرا نسبيا فقد نما معدل الأصول على أساس سنوي مركب ليبلغ 1, 10 % خلال الأعوام الأربعة الممتدة من العام 2001 إلى العام 2005. وبالرغم من ذلك، أثر الوضع السياسي المضطرب خلال العام 2005 سلبا على الاقتصاد والقطاع المصرفي والذي استمر حتى ديسمبر 2005، حيث سجلت الموجودات نموا بلغت نسبته 7, 3 % فقط.
وقد استعادت الموجودات قدرا معقولاً من نموها في العام 2006 وسجلت مع بداية شهر يونيو نموا مقداره 6, 6 % حتى تاريخه. وفي شهر يوليو 2006، انخفض بند الموجودات في قائمة المركز المالي للمصارف بنسبة 4 ,2 % بالمقارنة مع مستواها في يونيو 2006، نتيجة للاعتداء الإسرائيلي على البلاد.
**الفائدة على الليرة
وبالمقارنة مع بقية السوق، شهد كل من معدل متوسط سعر الفائدة على الليرة اللبنانية والودائع بالعملة الأجنبية انخفاضا (مقارنة مع العام 2002). وبالرغم من ذلك، ارتفعت معدلات الفائدة في لبنان منذ العام 2004. وفي يونيو2006، بلغ معدل متوسط سعر الفائدة على الودائع بالليرة اللبنانية (والذي ساهم بنسبة 6 ,31 % من إجمالي الودائع) حوالي 6, 7 % مقابل 7, 7 % في نهاية العام 2005 ، و7 % عام 2004. وبلغ معدل متوسط سعر الفائدة على الودائع بالعملة الأجنبية، والذي ساهم بنسبة 4 ,68 % (2, 69 % في ديسمبر 2005) من إجمالي الودائع كما في يونيو 2006 ما نسبته 4 ,4 % مقابل 1,4 % في ديسمبر 2005.
وارتفعت حصة أسهم الخزينة اللبنانية (والبالغة 305 ,25 مليار ليرة في نهاية ديسمبر 2005 مقابل 368 ,22 مليار ليرة في نهاية 2004) في محفظة إجمالي موجودات القطاع المصرفي، وذلك بفضل توسع المصارف اللبنانية في تمويل عجز ميزانية الدولة من خلال طرح أسهم الخزينة للاكتتاب بالليرة اللبنانية؛ وبالمثل، ازدادت حصة كل من النقد والمصرف المركزي حيث اضطرت المصارف إلى زيادة احتياطياتها لدى المصرف المركزي.
بالإضافة إلى بدء مصرف لبنان المركزي بإصدار شهادات إيداع بالليرة اللبنانية. وبالرغم من ذلك، انخفضت قيمة أسهم الخزينة بالنظام اللبناني في 2006 بالمقارنة مع العام 2005، لتستقر عند 856 ,27 مليار ليرة لبنانية في يوليو 2006 مقابل 051 ,28 مليار ليرة في نهاية يونيو 2006.
**القروض المتعثرة
وينحصر السوق اللبناني بأفضل خمسة مصارف والتي ساهمت بأكثر من 50 % من إجمالي موجودات- ودائع القطاع المصرفي في لبنان في العام 2005.
وكان للأحوال الاقتصادية السيئة في التسعينات وأوائل العام 2000 أثرها السلبي على قطاع الشركات ونوعية الموجودات في المصارف اللبنانية، نتيجة لارتفاع معدل صافي القروض المتعثرة- إجمالي القروض. ومع ذلك، استمر هذا المعدل في الارتفاع منذ العام 2003 وذلك عندما بلغ 8 ,12 % ، وهو أعلى معدل تم تسجيله خلال الأعوام الخمسة الماضية، ليواصل ارتفاعه خلال النصف الأول من العام 2005 وصولا إلى 9 ,9 %.
ومن المرجح أن يواصل ارتفاعه في هذا العام عقب العدوان الإسرائيلي حيث إنه من المحتمل أن تتكبد الشركات والأفراد خسائر فادحة وأن يتعثروا في أداء القروض. وقد تحسنت نسبة الاحتياطي مقابل القروض المتعثرة تحسنا مستمرا حيث بلغت 4 ,68 % في النصف الأول من العام 2005 مقابل 6 ,62 % في العام 2001. وبالرغم من ذلك، يعد هذا التحسن منخفضا مقارنة مع البنوك الأخرى في العالم العربي.
ولا يمكن أن يكون هذا المخصص كافياً خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن نسبة صافي القروض المتعثرة- إجمالي القروض مرتفعة وتبلغ 9, 9 % ، وهي نسبة مرتفعة جدا مما يشير إلى الحاجة إلى اعتماد المزيد من الاحتياطي في قائمة المركز المالي للمصارف.
ومع ذلك، سوف يظل الحفاظ على جودة الأصول يشكل تحديا كبيرا بالنسبة للقطاع المصرفي اللبناني. ولا بد من أن يتبع القطاع المصرفي استراتيجية حذرة للغاية بشأن زيادة محفظة القروض إلى أن يستعيد الاقتصاد نموه في العامين 2007 و2008 وأن تظل أحوال الاقتصاد الكلي في مستويات عالية. ويعتبر قطاع مصارف التجزئة من بين القطاعات التي ستحافظ على نموها بشكل متوازن، الأمر الذي سيساعد المصارف اللبنانية على جني هوامش وربحية عالية.
**ربحية المصارف
تراجعت ربحية المصارف في لبنان في خلال الأعوام القليلة الماضية لتبقى متدنية، واستقرت عند مستوياتها المنخفضة الأخيرة. ومن أهم العوامل التي تسببت في انخفاض ربحية المصارف تزايد مخاطر الائتمان المرتبطة بمحفظة قروض المصارف، ارتفاع مستويات القروض غير الفاعلة، الزيادة الملموسة في التكاليف الناتجة عن الاستثمار في تقنية المعلومات، الأعمال المصرفية الإلكترونية إضافة إلى الموارد البشرية.
ومن المتوقع أن تستفيد المصارف اللبنانية من الأحوال الاقتصادية الإيجابية السائدة حاليا في منطقة الشرق الأوسط، بشرط أن يعم السلام لبنان. فقبل الهجوم الإسرائيلي على لبنان، شهدت البيئة الاقتصادية الإيجابية التي سادت في النصف الأول من العام 2006، نموا في حجم قوائم المركز المالي للمصارف التجارية (نمو بمعدل 6 ,6 % خلال الأشهر الستة الأولى من العام 2006). وتوقع التقرير أن يسود السلام لبنان وأن تحتدم المنافسة مما سيشجع المصارف اللبنانية على تحسين وضعها التنافسي من خلال تطوير عملياتها علاوة على إمداد العملاء بسلسلة من المنتجات والخدمات المطورة.
**قطاع التأمين
وفيما يتعلق بقطاع التأمين، يتميز سوق التأمين اللبناني بالانفتاح والتحرر بخلاف أسواق التأمين في الدول العربية الأخرى. وتستحوذ شركات القطاع الخاص على سوق التأمين في لبنان، أما الحكومة فتساهم بشكل قليل في هذا القطاع. وقد ساعدت هذه الميزة القطاع على مواجهة قوى السوق وتفادي هيمنة الشركات المملوكة للدولة.
وفي سبيل تعزيز مراقبة القطاع وإحكام تنظيمه، سنت الحكومة اللبنانية في العام 1999 قانونا لرفع الحد الأدنى لرأس المال إلى 25,2 مليار ليرة لبنانية والذي تم العمل به في صيف العام 2001. وقد شجع هذا القانون عمليات الاندماج والاستحواذ، لينخفض إجمالي عدد شركات التأمين من 73 شركة في العام 2001 إلى 55 شركة في العام 2004 (وفقا لتقديرات مركز انفوبرو للمعلومات الاقتصادية).
وقد نصت المواد الأخرى من هذا القانون على تخصيص المزيد من الاحتياطيات التقنية تبعا لنوع النشاط التجاري (2 ,1 مليار ليرة لبنانية للتأمين الزراعي؛ 350 مليون ليرة لحوادث الحريق والحوادث البحرية والعامة) وحدد هامش للقدرة على الوفاء بالدين نسبته 10 % من إجمالي أقساط التأمين. وتعد هذه الخطوة بمثابة تدعيم للقطاع والحفاظ على مستقبله. وفي العام 2004، نما قطاع التأمين بما يقارب 11 % حيث بلغ إجمالي قيمة أقساط التأمين 577 مليون دولار أميركي.
ويعزى ذلك أساسا إلى ارتفاع معدل نمو التأمين على الحياة بنسبة 5 ,29 % ليصل إلى 180 مليون دولار أميركي. وسجلت التأمينات الأخرى نموا أكثر بطئا بنسبة 2, 4 % ليبلغ 397 مليون دولار أميركي. وقد واصل سوق التأمين نموه بفضل نمو التأمين على الحياة. فقد ارتفعت أقساط التأمين على الحياة من 8 ,21 % من إجمالي أقساط التأمين في العام 2000، إلى 2 ,31 % في العام 2004.
وما زالت نسبة أقساط التأمين على الحياة إلى الأقساط الإجمالية أقل بكثير عن مثيلتها في الأسواق الناشئة بحوالي 60 % من الأقساط الإجمالية. وواصلت أقساط التأمين النمو بمعدلات كبيرة خلال العقد الماضي. وخلال الفترة الممتدة من 1995 إلى العام 2004 نما المعدل السنوي المركب لأقساط التأمين العام بنسبة 5, 11 % .
في حين بلغ معدل النمو السنوي المركب لأقساط التأمين على الحياة 6, 14 % ، كما بلغ معدل النمو السنوي المركب المجمع لأقساط التأمين على الحياة والتأمين العام 4, 12 % خلال هذه الفترة. وقد طور لبنان قطاع التأمين على الحياة بشكل فاق نظيره في البلدان العربية الأخرى، مما يزيد من كفاءة السوق اللبناني. كما أن هذا التعزيز من شأنه أن يحسن الكفاءة التشغيلية. وسوف يؤدي تخفيض عدد الشركات حتما إلى تقليص قوة العمل.
مما سيؤدي إلى ارتفاع أقساط تأمين كل موظف. وبالإضافة إلى ذلك، ينتظر قانون لجنة الرقابة على التأمين موافقة الحكومة، الأمر الذي سوف يؤدي إلى تزايد الفرص أمام الشركات التي تقدم خدمات التأمين من خلال ترسيخ ثقة المستهلك. وتوقع تقرير «جلوبل» أن يحقق قطاع التأمين اللبناني نموا في المستقبل، شريطة أن نشهد استقرارا سياسيا وازدهارا اقتصاديا في البلاد؛ حيث نرى أن هناك فرصة كبيرة أمام سوق التأمين على الحياة ومن الصعب التكهن بارتفاع مبيعات وثائق التأمين قبل أن نشهد استقرارا في البلاد وتحسنا في اقتصادها بشكل عام.

