تستوقفني أحياناً بعض الدوريات الرصينة، خاصة المهتمة منها بالثقافة والتاريخ والتراث والحوار مع الآخر، التي تتنوع اتجاهاتها، وتخصصاتها، ودرجة اقترابها من مسار أو آخر حسب قرار القائمين عليها، ودرجة وعيهم وإلمامهم ومتابعتهم للمسار والمحور الفكري الذي ارتأوه للدورية.

في سلطنة عمان الشقيقة، على سبيل المثال لا الحصر، تصدر دوريتان حسب علمي واطلاعي، وهما رصينتان دسمتان مكتنزتان بالبهجة المعرفية، الأولى هي مجلة «نزوى» الغنية عن التعريف والثانية هي مجلة «التسامح» الصادرة عن وزارة الأوقاف، ولأن «نزوى» لا تحتاج مني إلى كثير حديث أو تعليق لتميزها في مجالها الأدبي، حتى تكاد تكون الأولى في مجالها على مستوى الوطن العربي بغياب الدوريات العربية، أو شحها بعد توقف أغلبها كمجلة «الدوحة» مثلا التي كانت تصدر من دولة قطر.

إن سر نجاح هاتين الدوريتين الرائعتين يكمن في وجود الرؤية الواضحة لدى الأخوة القائمين على شؤون الإصدار وتأمين المادة التحريرية الخصبة والثرية فكرياً والعميقة تحليلياً ومعرفياً، تواكبها رؤية واضحة محددة ومنفتحة في الوقت ذاته على كل المشارب والأطياف والمسارات الأخرى، لأنها متأتية من لدن أناس متخصصين، ونحن مازلنا مع الأسف الشديد، لا نؤمن أو بالأحرى لا نقدر مسألة التخصص هذه (ليس شرطاً أن يكونوا أكاديميين) فالتخصص هو سر تقدم الغرب ومفتاح حضارته التي سادت،ومازالت إلى اليوم في المقدمة.

هي مهمة ليست باليسيرة مطلقاً، فإن تحافظ على مستوى دورية أصعب بكثير من أن تصدرها أساساً، خاصة إذا صدرت بزخم وثراء معرفي وإخراجي يسهل للقارئ متعة القراءة المريحة للنظر المبهجة للنفس ليس في الشكل فقط، بل في عمق ما تتناوله صفحاتها من مناح تتعدد وتكتسب مع مرور الأيام احترام القارئ وولائه بلا شك.

ولعل مما يؤسف له، ألا تكون لدينا في دولة الإمارات دوريات متخصصة من هذا العيار المعرفي والتوثيقي الثقيل، ومع ذلك نسمع كل فترة عن نية جهة ما إصدار دورية، ولكن دائما نفاجأ ( وان خفت حدة هذه المفاجأة بسبب التكرار)، بأننا نسمع وعوداً بإصدارات علمية موثقة، بينما الواقع شئ آخر تماماً، وتصدر أعداد قليلة معتمدة على علاقات شخصية وإخوانيات وشغل علاقات عامة، ثم تنتهي الهوجة بتوقف الإصدار من دون فهم الأسباب ودون توضيحها أسباب الإصدار وأسباب التوقف.

والذي يتناقض تماما مع تلك الوعود والأهداف الوطنية العريضة التي من أجلها أطلقت مشاريع الدوريات التي يغلب عليها طابع الارتجال والتسرع عادة، من دون تأطير مؤسسي واستراتيجيات بعيدة المدى، لا تعتمد على المجاملات والنفاق المقيت والمزاجية والشللية، التي لا توصلنا بالتالي إلى شيء ذي قيمة.

aalsanjari@yahoo.com