توقعت مؤسسة مكنزي أن يكون مستقبل دول أميركا اللاتينية أكثر إشراقاً من أي وقت مضى بسبب ارتفاع الطلب العالمي على منتجات المنطقة من الطاقة والمنتجات الزراعية والتعدينية التي ساعدت اقتصاد المنطقة على النمو بنسبة 5% خلال العام الماضي للعام الرابع على التوالي. وارتفع نصيب الفرد في أميركا اللاتينية من إجمالي الناتج المحلي بنسبة 12% منذ 2003، في تناقض كبير مع الأداء الاقتصادي لها قبل ذلك العام.

وما يدعو للتفاؤل أن حكومات أميركا اللاتينية تستجيب لمقتضيات العصر بسياسات ناضجة والنتيجة عودة استقرار عناصر الاقتصاد الكلي. وانخفض معدل التضخم إلى رقم قياسي لم يحدث منذ 40 سنة واستغلت حكومات المنطقة عائدات الصادرات في موازنة حساباتها.

غير أن دول أميركا اللاتينية لا تزال تعاني من سوء توزيع الدخل، وفي الوقت الذي يتحسن فيه مستوى التعليم، فإنه لا يزال غير جيد النوعية، وضعف المؤسسات وأعباء القيود مسؤولة عن سوء بيئة الأعمال التي تخنق رجال الأعمال وتساهم في استمرار الفقر والبطالة.وقد شهدت أميركا اللاتينية طفرتها الاقتصادية تتداعى من قبل، لكن حل المشكلات الآن سوف يحسّن من اقتصاداتها ويرفع مستوى حياة شعوبها.

**صعود نجم أميركا اللاتينية

تتحسن اقتصادات دول أميركا اللاتينية التي سجلت نمواً في المتوسط بلغ 3,5% في العام الماضي، ويفوق معدل النمو المسجل منذ 2003 نحو 18% وقد يبدو هذا المعدل متواضعاً بالنسبة لنمو الصين والهند، لكن هذا النمو يُعتبر إنجازاً بالنسبة لنمو أميركا اللاتينية في ما مضى الذي كان بالكاد يلامس 2% منذ 1980 حتى 2003.

وأدت عوامل مثل طفرة أسواق السلع والإصلاحات التي تطبقها الحكومات إلى تحسين استقرار الاقتصاد الكلي، انخفض معدل التضخم إلى أقل من 5% عام 2006، وهو أقل معدل منذ 40 سنة. وانخفض الدين الخارجي من 47% من إجمالي الناتج المحلي عام 1987 ليصل إلى 25% في عام 2004. كما ان الدين الداخلي بلغ 43% من إجمالي الناتج المحلي، مقابل 73% عام 1993.

غير أنه ليس كل العناصر إيجابية، حيث إن اقتصاد البرازيل أكبر دول المنطقة، سجل نمواً بنسبة أقل من 3% العام الماضي. وكانت الدولة الوحيدة التي سجلت معدل نمو أقل من ذلك هي هايتي. والتوقعات المتفائلة الحالية تقوم على ارتفاع أسعار السلع التي تصدرها المنطقة من البترول والحديد والنحاس وفول الصويا، وهذه السلع تمر بفترات تقلب، فإذا انخفض الطلب على هذه السلع قد تعاني دول أميركا اللاتينية.

**تباينات هائلة

قياساً على توزيع الدخل فإن أميركا اللاتينية يوجد بها أكبر تباين في الدخول في العالم، فهناك نسبة 10% من السكان يحصلون على نسبة 48% من إجمالي الدخل، فيما أفقر 10% من السكان يحصلون على 6,1% فقط من إجمالي الدخل. وفي الولايات المتحدة فإن أغنى 10% من السكان يحصلون على 30% من إجمالي الدخل وأفقر 10% يحصلون على 2% من الدخل الإجمالي. وتحسن توزيع الدخل في بعض الدول في أميركا اللاتينية لكن مؤشر كفاءة توزيع الدخل للمنطقة بالكامل لم يتحسن كثيراً.

وتباين توزيع الدخل بشكل صارخ يضرب الاقتصاد عن طريق تفاقم التوترات الاجتماعية وزيادة معدل الفقر وتقليل أثر العناصر الاقتصادية في تخفيف حدة الفقر. ولا يزال الفقر منتشراً في أميركا اللاتينية. وبرغم انخفاض معدل الفقر بنسبة 4% منذ عام 2002 إلا أنه يطال نحو 40% من سكان أميركا اللاتينية، البالغ عددهم 209 ملايين نسمة.

ولا بد للحكومات في القارة أن تضمن حصول مزيد من الناس على تعليم جيد لمزيد من خفض معدل الفقر. ولابد أيضاً من تسريع معدل نمو الإنتاجية عن طريق ترشيد الإنفاق العام وإيجاد ظروف أكثر ملاءمة للاستثمار الأجنبي ولابد من تحسين مستوى التعليم لتحقيق ذلك مع أن معدل وصول الأطفال في سن التعليم قد ارتفع. مثلاً في المكسيك متوسط السنوات التي يقضيها الطفل في التعليم زاد إلى ثماني مقابل 6, 2 سنة من قبل.

ويتوقع الطفل في الأرجنتين أن يحضر الدراسة لمدة 15 سنة، أي نفس عدد سنوات الدراسة في اليابان. وسوف يساعد رفع الإنفاق على التعليم في تحقيق ذلك ولا بد أن يكون هذا الإنفاق بأسلوب فعال. مثلاً أداء التعليم في المكسيك ليس أفضل منه في الأرجنتين رغم ارتفاع الإنفاق المكسيكي. وساهم البرنامج البرازيلي للإنفاق على التعليم في تقليل عدد الأطفال في الفصول وزيادة أعداد الذين يدخلون المدارس في المدن الفقيرة عن طريق ربط الموارد بالتسجيل في الدراسة.